لاَ تَنْقُلِ التُّخُمَ الْقَدِيمَ، وَلاَ تَدْخُلْ حُقُولَ الأَيْتَامِ – سفر الأمثال 23

اسبيرو جبّور

سرُّ التدبير الإلهي اسبيرو جبّور

سرُّ التدبير الإلهي

(التجسُّد)

الطبعة الثالثة المصحَّحة والمنقَّحة والمزيدة

2016

كلمةٌ لا بدَّ منها

أصابَني أرَقٌ في ليل 20 – 21 حزيران 1979 فقمتُ أتناول هذا الكتاب وأضع آخر الّلمَسات على بعض صفحاتهِ. وكان البطريرك الطوباوي الياس الرابع ماثِلاً في ذهني خلال ذلك ولا عجب في ذلك، فقد كان – أوسعَ لهُ الله في رحماتهِ العُظمى – دوماً في خاطري. فرغتُ من الكتاب في تمام الساعة الثانية والنصف، فإذا بها – كما يقول البعض – ساعة انتقال الطوباوي الى مجد الله. وهكذا ارتبطَ هذا الكتاب في ذهني بذِكره الطيّب. وخشيتُ على الكتاب من أن يطويه الدهر حتى جاء أمس، قدس الأب الخوري إبراهيم سرّوج يُحيي الأملَ الضائع. حقّاً “ربُّ أخٍ لم تلدهُ أمّك” فالأخ أبراهيم هو إحدى تعزياتي الكبرى عادةً. وما دامَ الكتاب يدور حول التجسُّد الإلهي الذي نعيّد لهُ اليوم، فليقبل ابن الله الصائر ابناً للناس أن يُباركهُ وبيته بكل قوة ملء اتحاد ناسوتهِ بلاهوته، في الروح القدس، لمجد الله الآب، وفرح المؤمنين بسكنى الله القويّة بين ظهرانينا. فالكتاب ثمرة جهودٍ مُضنية لإشراك البشر في سرّ سكنى ملء اللاهوت جسديّاً في يسوع ليعودوا هياكلَ حيّةً لله.

أهَّلَنا الله جميعاً لهذا الحظ السعيد الأَوحد، ونقَلَنا من الإلتصاق بالتراب الى الإلتصاق بالله.

اسبيرو

25/ 3 / 1980

الإهداء

في عيد الأقمار الثلاثة، باسيليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتي ويوحنا فم الذهب، ينتصبُ أمام نظَري تاريخٌ عملاق، إذ احتفَلنا في بدء العام بمرور 16 قرناً على انتقال باسيليوس الكبير ال حبيبهِ يسوع وسنحتفلُ في العام القادم بمرور 13 قرناً على انعقاد المجمع السادس المسكوني الذي شجبَ بدعة المشيئة الواحدة. وكيف أذكر غريغوريوس اللاهوتي ولا أذكر محميه بطريركنا المفضال غريغوريوس حداد لمرور خمسين سنة على انتقالهِ (12 / 12 / 1978) وتلميذه العملاق البطريرك ثيئوذوسيوس لمرور عشرين سنة على بطريركتهِ اللامعة ( 14 / 11 / 1978) وخليفتهُ في المحبة والإحسان والسخاء بلا حساب الشهيد في الكهنة الخوري حبيب بن الشهيد الخوري نقولا خشّة ( 16 / 7 / 1978) لمرور ثلاثين سنة على استشهاده.

فإلى أرواحهم أهدي كتابي هذا ملتمساً بركتهم ورضوانهم وسائلاً الله أن يعصمني فيه من الزلل، ويحفظني في خط المجامع المسكونيّة وآباء الكنيسة قَويم الإيمان، ويغمر والديَّ وأجدادي بعفوهِ ولطفهِ في ملكوتهِ الأبدي (بصلوات القرّاء الأحباء) ثواباً لهم على ما أورَثَوني من صلابة أرثوذكسيّة راسخة.

30 / 1 / 1979

مقدّمة

الإخوة الأحبّاء في البلَمند وطرابلس واللاذقيّة ألحّوا عليَّ جداً في العام الماضي بنشرِ مؤَلّفي في التجسُّد الإلهي، فلم أستطِع أن أُقاوم رغبتهم الغالية. إستعنتُ فوراً بالأخ العزيز إيليا شلهوب لموافاتي بنسخة من كتاب ايفانس عن لاونديوس الأورشليمي – طالَ انتظاري لها – فوافاني بها على جناح السرعة.

لقد سبَقَ لي أن ترجمتُ مقالاً لأُستاذي المرحوم بول افدوكيموف ظهرَ في مجلة “النور” الغرّاء في العام 1947، وفي عهد المثلَّث الطوبى البطريرك ثيئوذوسيوس قمتُ في العام 1965 بكتابة المقال اللاهوتي للنعمة فكانت أربعُ منها في سر التجسُّد الإلهي. في العام 1967 كتبتُ لهُ عظة الفصح ومقالاً عنهُ ظهَرا في عدد أيار من مجلة “النعمة”. وفي فصح 1968 كتبتُ لهُ المنشور الفصحي الموزَّع في دمشق. كتبتُ لهُ أيضاً القسم اللاهوتي في كتاب التعليم المسيحي في صف البكالوريا في سوريا في العام 1965 . وفي أيلول 1972 ظهرَ لي في “ملحَقالنهار” مقالٌ كثيفٌ جداً عن مرحلة ما بعد المجمع الرابع المسكوني.

في  18 / 4 / 1977 ألقيتُ حديثاً في ندوةِ أحبّاءٍ في طرابلس عن “ما بعد خلقيدونية”، وفي العام 1965 – 1966 صبَبتُ المقالات الأربع كتاباً. فقدتُ أصلهُ وبقيَت نسخة ناقصة قليلاً عنهُ.

طُلِبَ مني إعداد محاضرة عن الفرق المسيحيَّة قبل الفتح العربي للإلقاء في كليّة التاريخ في الجامعة اللبنانيَّة في طرابلس، فكان أمرٌ فألقاها أحدهم.

هذا كلهُ لم يدخل -كما هو – في هذا الكتاب وإلا كان مؤلفاً صناعيّاً. فكان لا بدَّ من صبّ الأمور صبَّةً جيّدة الى حدٍ كبير وإعادة النظر في الموضوع بصورةٍ شاملة . فالموضوع المطروح لا يقبلُ مني إلا أن أذيبَ دماغي مجدداً في مطالعة مئات بل آلاف الصفحات وأن أنسحق في الصلاة وتأمُّل أنوار القضايا اللاهوتيَّة المطروحة التي لا يجوز أن أرفعَ فهمي إليها إلا متوكّلاً على رحمة الله ومكحّلاً عينيَّ المظلمتَين بنور الروح القدس. هذا السر أي سر تدبير الله لم يتعلّمهُ الملائكة إلا في الكنيسة[1]فمَن أنا لكي أتنطَّس للمهمة؟ فمنذ سنوات أتردَّدُ جداً في تجشُّم المشقَّة مع أني طالعتُ بعد 1966 ألوفاً من الصفحات وأعددتُ الملفّات.

وقفتُ امامَها مُثقلاً لعدة أسبابٍ منها: 1- لم يعد نظري -كما كان قبلاً- قادراً على السياحة بلمحاتِ بصر بين صفحات الكتب مهما تعدَّدت أمامي على طاولة واحدة. 2- كلّما أعدتُ مطالعة المخطوط وجدتهُ عسيرَ الفهم، يزيدهُ تعقيداً أسلوبي الحقوقي الرفيع السويَّة في المرافعات الحقوقيَّة وتفكيكهُ صار عسيراً عليَّ. 3- قناعتي بأنَّ المسيحيين العرب تهافتوا – ككل العرب – منذ عصر النهضة على ظواهر الثقافة الغربية، فذُهلوا بعلومها وحضارتها المادية ولم ينفذوا الى جوهرها. ولذلك نالوا قسطاً مما ذكر، بينما بقوا بلا فكرٍ عميق. ومن أين لهم ولسواهم الفكر العميق إن لم يعودوا الى الفكر الأصيل في الفلسفة اليونانيَّة وآباء الكنيسة؟ لذلك بقَوا بلا فكرٍ ديني وجافوا مطالعة الكتب الدينيَّة حتى صار الدين لديهم قشوراً كما كان في العصر العثماني. فأثناءهُ كان الحال كما وصفهُ إنعام الجندي: ” كان الحكم العثماني أعدى أعداء الفكر والمعرفة مهما كانت بسيطة وقد شهدت بلادنا زوال مؤسساتها الفكريَّة والإجتماعيَّة زوالاً تامّاً[2]“.


وفي العلوم الدينيَّة ما زلنا على هذا. فمنذ ظهور كتاب ” الهداية القويمة الى الأمانة المستقيمة ” لبطريرك أورشليم أنثيموس ( العام 1791) لا أعرف للأرثوذكس أثراً لاهوتيّاً قيّماً خالياً من الأخطاء. وليس حال سوانا بأفضل منّا، مع أنَّ القارىء الكريم سيرى في متن الكتاب أنَّ اللاهوت نشأ في ديارنا، في الأرض الواقعة بين الإسكندريَّة وأنطاكيا فكبادوكية. 4 – صعوبة تصريف الكتاب الديني لأن مطالعة الجرائد والمجلات تكتسح اهتمام الناس وتتفق مع مزاجهم السطحي ورغبتهم في الإطلاع على التوافه من حال الناس والمجتمعات[3].

ولكن حب البلمنديّين والطرابلسيّين واللاذقيّين للمعرفة الّلاهوتيّة والتعمُّق الّلاهوتي تغلَّب على اعتراضاتي. وإذا استمرَّ معهد الّلاهوت في البلمند على نشاطه المعهود خلال هذا العام مشمولاً بدعم غبطة البطريرك الياس الرابع السامي الإحترام، فلا أستبعد أن نكون مع إطلالة القرن الحادي والعشرين مزوَّدين بلاهوتيّين عميقين. فغبطتهُ صاحب الفضل الأكبر في إقناع المثلَّث الرحمة المطران أنطونيوس بشير برصد ربع مليون دولار لإنشائهوكان ذلك في 20 / 5 / 1964 في فندق سميراميس في دمشق بحضور صاحب السيادة مطران طرابلس الياس وحضوري. وكرَّر – رحِمَهُ الله – الوعد أمام المثلَّث الرحمة أغناطيوس حريكي وصحبه من المطارنة على ما جاء في رسالة الأخير إليَّ في 1 /7 / 1964 وما زال غِبطتهُ يضع معهد الّلاهوت على رأس اهتماماتهِ حصراً.

وبعد هذا الإستطراد أعود الى الموضوع. لقد راعَيتُ في الكتاب القارىء العربي قدر المستطاع فتخلَّيتُ كثيراً عن قالبي الحقوقي واللغوي لأكون مفهوماً قدر الإمكان، ولم أستفِض أو أستنفد كل الموضوع، فظروف الطباعة تفرض ذاتها عليَّ. فلو أردتُ ايراد كل ما في ذهني من الحواشي لجاءَ الكتاب في 4 / 5  حواشي أغلبها الساحق في اللغات الأجنبيَّة. ومن جهةٍ أخرى فالقارىء العربي لا يتحمَّل بعد هذا اللون


من التفكير اللاهوتي العميق. فقد انقطع عن تراثه الأصيل المكتوب أساساً في اللغة اليونانيَّة.

فأنقل الآن إليه ما صنعهُ أجداده ونقلَهُ عنهم الأوروبيّون ومسيحيّو العالم كتلاميذ في مدرسة اولئك الأجداد الأبرار. كتابي هذا هو كتابٌ أبائيٌّ قلَّما يستشهد بالكتاب المقدَّس.

وهذه خطَّتي العامَّة:

القسم الأوَّل إطالة للمحاضرتَين المذكورتَين. هو أضعافهما إلّا أني حافظتُ على الأسلوب الخطابي لِتَسلس وعورة الموضوع. فهو إجمالاً تاريخ للعقيدة. المقالات الأربع في مجلة “النعمة” محبوكة بصورة يتعذَّرُ عليَّ فكّها، فالحواشي فيها فاحشة والأسلوب متين وإعادة طبعها عسيرة، فاكتفَيتُ بتقسيمها الى فقرات كثيرة وتصحيح الأخطاء الطباعيَّة والسهو وحذف أجزاء لتصبح فصولاً جديدة، وإعادة النظر كليّاً أو جزئيّاً هنا أو هناك، وحذف بعض الفقرات نهائيّاً لعدم اللزوم إليها.

وأعدتُ صبّ الفصل المتعلّق باستعمال القدّيس كيرللس الإسكندري للألفاظ اللاهوتيّة حتى عادَ سلِساً نسبيّاً ومفهوماً. حذفتُ مناقشةً وأبقيتُ إجمالاً على فصل “الأقنوم” إلّا أنهُ عسيرٌ جدّاً على غير الإختصاصيّين. ومع هذا مهَّدتُ لهُ بالحديث في عدة فصول عن “الأقنوم” فأضحى هذا الفصل تتمَّة لها. فمَن شاءَ كدَّ ذهنهُ ليفهمَ، فليكدهُ. قد جعلتهُ الفصل الأخير لعلَّ الله ينير المطالع للفصول السابقة فيتحمَّل وعورة هذا الفصل.

أما ما كتبتهُ للمرحوم ثيئوذوسيوس وظهر باسمهِ فخضع لحذف مقاطع واكتفَيتُ بالقدر الوارد في هذا الكتاب ولو جاء ناقصاً ومع هذا فهو الآن أضعاف كتاب 1966 غالباً.

أما طريقة التأليف فهي خاصَّة جدّاً. أنا قادرٌ على التأليف بدقَّة علميّة أوروبيَّة وترتيب أوروبي دقيق كأنَّ الأمرَ رياضيّات أو فيزياء، إلا أني أرفض رفضاً قاطعاً أن أسلكَ هذا السبيل في اللاهوت. هذا علمُ الإلهيّات. يسوع قال إنهُ “الحياة” (يو 14 : 6 ) فكيف أتحدَّث عنهُ بلغة الجماد والحيوان؟ وقد سلختُ عمري الديني في مطالعة الكتاب المقدَّس وآباء الكنيسة والبريَّة فتعلَّمتُ أن أجعلَ حديثي في الإلهيّات صلاةً وتسبيحاً وتمجيداً في ذهولٍ بمَن أحبَّنا وبذلَ نفسَهُ عنّا. فلا أرضى في الّلاهوت أن أكون تلميذَ اوغست كونت وأسلافه وخلفائه، بل تلميذ قيثارات الروح القدس الآباء الملهمين عاشقي الله المتيَّمين. فمَن أنعمَ الله عليهم بعشق الله -كالآباء – لا يذكرون اسمهُ إلّا وهم خاشعون ساجدون. ففي عمّاوس تعلَّمنا كيف نسمع الكتاب المقدَّس: ” أو لم تكن قلوبنا مضطربة فينا، إذ كان يخاطبنا في الطريق ويفسّر لنا الكتب؟” (لوقا 24 : 32 ) القلب المبرَّد لا يستقبل يسوع وكلامهُ. يسوع ينزل كنارٍ لاهبة.

قد استعملتُ أسلوباً تربويّاً – نفسيّاً يُساعد الشرقي على التذكُّر، فالتكرار الصرف أو التكرار الناقص هنا وهناك، يذكّران القارىء بما سبق أن قرأهُ. فقد يرى فروع الموضوع الواحد هنا وهناك.

مسائل التجسُّد الإلهي هي التي مزَّقت شرقنا فرَقاً. ومع اعتمادي أعلى نسبة ممكنة من الموضوعيَّة والحياد، أبقى أرثوذكسيّاً حتى مخيخ العِظام. ولجهة الأقباط والأرمن والسريان والأحباش، عرضتُ الموضوع بأقصى حدود النزاهة مبيّناً سطحيَّة الخلاف. وقد التقى لاهوتيّون منهم ومنّا في الأعوام 1964 و 1967 و1970 و 1971 و 1972 وأجرَوا في العامَين 1964 و 1967 دراسات لاهوتيَّة، وصدرت عنهم تصريحات وِحدويَّة تعلن وحدة الإيمان الأساسيَّة،ولكني لم أستعمل لهم إسم “غير الخلقيدونيّين” فالنساطرة أيضاً ومَن سبَقَهم غير خلقودينيّين. آثرتُ الإبقاء على إسمهم المشهور “يعاقِبَة” (نسبةً الى يعقوب البرادعي) وإن كان هذا من رجال القرن السادس لا الخامس. المسألة هي مسألة إصطلاح لأَتجنَّب ما شاعَ عنهم من تسميَة “القائلينَبالطبيعة الواحدة” أو المونوفيزيتيّين. ولكن استغربتُ التصريح الذي صدرَ عن اجتماعهم بلاهوتيّين كاثوليك كبار في فيينا من 7 الى 12 ايلول 1971 تعودُ فيهِ نغمة الخلاف علىالألفاظ مع أنها حُلَّت في لقاءآتنا ونحن والكاثوليك واحدٌ في هذا الباب. غريلمايير كان حاضراً وكان سيّد الحلبة، فكيف قبِلَ بهذا البيان السطحي مع أنَّ الدراسة استغرقت 170 صفحة[1] ؟!

وفي ختام هذه المقدّمة ألفُت انتباه القارىء الكريم الى أمرٍ بالغ الخطورة. الأغلبيّة الساحقة تتوهَّم أن الدين يتطلَّب بساطةً وهذا منتهى الضلال إن قصَدنا بالبساطة، الغفلة والجهل والسذاجة. فالمعرفة اللاهوتيَّة هي أعلى درجات المعرفة بل هي فوق كل معرفة لأن العقل عاجزٌ عن إدراكها. الروح القدس وحده يمنحنا إيّاها إكليلاً لشوقنا وجهدنا. وقد شكا اليَّ أحباء كثيرون عُسر كتابي “يهوه أم يسوع” مع أنهُ نزل الى أدنى حدٍ ممكنٍ من التبسيط. تحتاجُ كتبي الى تجنُّبٍ لأسلوب مطالعة الجرائد والمجلات. إنها تتطلَّب صبراً وتأنّياً والعودة الى ساحة المطالعة ثلاث مرات. هناك كثافةُ أفكارٍ في قدرٍ محدودٍ من الصفحات بما أني مضطرٌ الى ذلك ما دام المسيحيُّ العربي لا يشتري ولا يطالع الكتاب الديني إلا إذا كان قياسهُ محدوداً. لقد فقدَ عمق السلَف الصالح. وامصيبتاه!

فأسألُ مَن خرقَ الحدود جميعاً ولَبَسَني وصَبَغَني بحُمرة دمائهِ القانية، وأنهَضَني من المزبلة الى الجلوس على عرش أبيه في مجدٍ أسنى، أن يجعل هذا الكتاب نوراً للمطالعين وقرباناً أُقدّمهُ على مذبحهِ السماوي لغفران ذنوبي وجرائمي وتطهيري من شروري، بصلوات المطالعين الأحباء ورضوانهم. آمين[2].

مقدّمة الطبعة الثانية

ظهرت الطبعة الأولى في 1 و 15/8/1980 أي بعد سنة وأربعين يوماً من إنشاء الكتاب بناءً على رغبة قدس الأب أفرام كرياكوس وصحبهِ الكرام.

السرعة في الطباعة والتصحيح فضلاً عن رداءة المخطوط جعلت الأخطاء الطباعيَّة عديدة وسقط نصٌّ هامٌّ جداً. إستدركتُ ذلك بمطالعة الكتاب 15، 20 وربما 25 مرة للتنقيح وللإستفادة، فهو مرجعي قبل أن يكونَ مرجع سواي. هو عصارة عمري الذي سلختهُ في المطالعة بكدٍ وجهد لأُقدّم للأرثوذكس العرب وإخوانهم في الدين فكراً مسيحيّاً عميقاً أصيلاً في جذورهِ وعصريّاً في تعبيره.

وإني مدينٌ للأقباط والموارنة والسريان والروم الكاثوليك والإنجيليّين القدامى بما أولوه من اهتمامٍ وتقدير، فتوجُّه سينودس الكاثوليك بقرار تقدير وتوجُّه قداسة الصديق الكبير البطريرك زكا، بالثناء والعطر والحنان المنقطع النظير. وليس هذا على أمثاله بكثيرٍ أو كبير.

مقدّمة الطبعة الثالثة

هذا الكتاب موجَّهٌ الى كل مسيحيٍ يُؤيّدُ أن يدخلَ بعمقٍ الى سرِّ ربّنا يسوع المسيح. منذ صدورهِ وحتى اليوم تحسَّنت كثيراً المعارفُ المسيحيَّة في الشرق الأوسط. أسألُ الثالوث القدّوس أن تكون الطبعة الثالثة مصدرَ عمقٍ وافرٍ في التعبُّد لإلهنا القدّوس الرب يسوع المسيح الذي من أجلنا صار إنساناً واعتلى الصليب باذلاً دمهُ القدّوس من أجلنا، ليصيرَ لنا في القربان المقدَّس طعاماً وشرابا، خبزاً وماءً حيّاً. طعامُنا هذا وشرابُنا هذا، هما جسدُهُ الطاهر ودمهُ الكريم.

المطالعة الدينيَّة ضروريَّة جداً ولكن الإندماج بجسد الرب ودمِه هو كمالُ معرفةٍ إلهيَّةٍ يُحوّلها الروح القدس الى التجلّي مع المسيح في جبل ثابور المقدَّس.

أهَّلَ الله كلَّ مسيحيٍ لهذا التجلّي في نور الثالوث القدوس إلهنا.

عيد تجلّي ربّنا يسوع المسيح 6 آب 2016

في مغارة بيتَ لحم[3]

دعاء

اللهمَّ! يا مَن بعِلمِ النجوم فتحتَ أذهانَ المجوس العلماء المتتَّبعين حركات النجوم والكواكب والقمر، الساهرين في الليل لهذا الغرض،

اللهمَّ! يا مَن بالنور الذي أحاطَ بالرعاة الساهرين ليلاً في الفلاء على قطعانهم وبشرى الملاك، أعلمتَهم بأنك “المسيح الرب” الإله المولود في بيتَ لحم مدينة داود، وأعطيتَهم علامةً على تنازلكَ الذي لا يوصَف ألا وهي آية[4] اضطجاعك مقمَّطاً في مذودٍ للبهائم ليفتّشوا عنكَ يا رب المجد لا في الدور والقصور والمنازل، بل في حظيرة البهائم،

اللهمَّ! يا مَن اخترتَ الرعاة الساجدين السُذَّج أول المنادين المبشّرين بربوبيّتكَ، كما اخترتَ فيما بعد صيّادي السمك صيّادي المسكونة، فبشَّروا في المغارة بما رأوا وسمعوا عن الصبي المولود،

اللهمَّ! يا مَن اخترتَ فئة العلماء المشتغلة بالنجوم وفئة الرعاة السُذَّج الساهرين ليلاً مثل اولئك مع القمر والنجوم والكواكب لا سميرَ لهم سواها،

اللهمَّ! يا مَن قبِلتَ من المجوس لا ذهبَ الخضوع فقط لملكيَّتكَ بل لُبان السجود للاهوتكَ ومُرَّ تضميخ جسدكَ أيها المولود سلَفاً لتموتَ من أجلنا صلباً، فأنبأوا سلَفاً أنك آتٍ لتموتَ وأنَّ دم الشهادة يلاحقكَ منذ مولدكَ،

اللهمَّ! يا مَن ولِدتَ فاضجعتَ في مذود البهائم لتقدّس بهيميَّتي أنا الذي بسقطةِ جدَّي آدم وحوّاء لم أتحوَّل فقط الى بهيمة، بل صرتُ أرتكب من الشرور ما لا ترتكبهُ الأفاعي وأضرس وحوش الغاب وأَفتَك الجراثيم والأوبئة،

اللهمَّ! يا مَن لم تجد مكاناً في نزل بيتَ لحم وبيوتها، فاستقبلكَ فيها مزود البهائم، مع أن زكريا أبا المعمدان قد تنبّأَ قبل أقل من ثلاثة أشهر أنك آتٍ لتفتقِدَ شعبَك،

اللهمَّ! يا مَن فرِحَ بمولدِكَ جندُ السماء ونادَوا بمجدكَ في العُلى وبشَّروا يومَ مولدكَ بسلامٍ يحلُّ على الأرض ويغمر الذين يرضوك،

اللهمَّ! إرفع عقول الناس وقلوبهم جميعاً الى السماء ليقرأوا في سجل هذا الكون البديع الذي خلقتَهُ نشائدَ الحمدِ لاسمكَ وليرتفعوا من الإنغماس في الأرض وشؤونها وشجونها الى تأمُّل عظائمكَ التي لا توصَف، واجعل لنا في النجوم وكل إيماء علوي يومىء لنا بهِ جود صلاحكَ آيةً تنتزع من قلوبنا لكَ هياماً ووَلَهاً يشدّان كل أشواقنا إليك،

واسند عقولَنا لئلا تتطاير كالشظايا حين تتأمَّل تنازلكَ المذهل، لتضطجع في مذود البهائم، يا مَن الأكوان جميعاً قامت بكلمة أمره وتوجَد بعنايتهِ وتزول بإشارته، بل اغمرها بالنور الذي أضاءَ حول الرعاة جاعلاً هذا النور منيرها من الداخل لا من الخارج فقط،

وطهّرنا من بهيميَّتنا واسحق رؤوس أهواءنا،

ولا تجعلنا ننام غافلين يوم تأتي لافتقادنا كما غفِلت عنكَ بيتَ لحم، بل اجعلنا على أتم الإستعداد لاستقبالكَ في مذود القلوب بعد أن يكون روحكَ القدوس قد أحرَقَ شرورهُ وزيَّنهُ بالفضائل، فأضحى طاهراً تحلُّ فيهِ على الرحب والسعة ضيفاً كريماً يملك على قلوبنا الى الأبدويسجّلنا في سجل إحصاء مملكتهِ، يا مَن تنازلَ فأُحصِيَ في سجل إحصاء اوغسطس قيصر الأمبراطور الروماني الوثني، فقضيَ بهذا التنازل على ممالك الوثنيَّة،

ولا تمرَّ علينا ضيفاً نسيّاً منسيّاً كما وقعَ لكَ في بيتَ لحم، بل املأنا يقظة روحيَّة لكي نقتنصكَ كصيّادين ماهرين، كلَّما لاحَ في الأُفق انك عازم على المرور على ديارنا، زائراً بيتَ لحم ولبنان والعالم أجمع.

ماراناثا! أيها الرب يسوع تعال! تعال أيها الرب يسوع تعال ولا تبطىء!

اللاذقيَّة، عيد الميلاد 1965 ومغارة بيتَ لحم 6 / 1 / 1966 وميلاد 1965 (حساباً شرقياً أي 7 / 1 / 1966) والبلمند في ميلاد 1978

القسم الأول

تاريخ عقيدة التجسُّد الإلهي

الفصل الأوَّل

ما قبل المجمع الأوَّل المسكوني

يتألَّف الكتاب المقدَّس من قسمَين: العهد القديم والعهد الجديد. العهد القديم خاصٌ باليهود ومكتوبٌ بالعِبريَّة وبعضهُ بالآراميَّة وقد ترجمهُ اليهود قبل الميلاد الى اللغة اليونانيَّة لأن اليهود الذين تفرَّقوا بعد فتوحات الإسكندر الكبير نطقوا باليونانيَّة ونسوا العِبريَّة والآراميَّة. وعلى هامش الكتاب المقدَّس نشأَت عندهم سنَّة جمَعوها بدءاً من القرون الأولى بعد الميلاد وهي المعروفة باسم التلمود. المسيحيّون يأخذون بالعهد القديم ويرفضون التلمود الذي جُمعَ بعد المسيح. العهد القديم يتألف من قسم عَقَدي يتعلَّق بالواحدانيَّة الإلهيَّة والتنزيه وخلق الإنسان ومصيرهُ، وقسم تشريعي دنيوي مطبوع بروحٍ أخلاقيَّة، وقسم أخلاقي، وقسم تاريخي، وقسم نبَوي، وقسم العبادات. أهم أركانه الإيمان بالله الأحد المنزَّه عن جميع المفاهيم الماديَّة، وتنظيم معيَّن لسلوك الإنسان الجيّد، وتسابيحَ روحيَّة أهمُّها “المزامير”، ونبؤات عن مجيء المسيح. يرى الإختصاصيّون أن موسى كتب شيئاً ما. ولكنه ثابتٌ لديهم أنَّ القسم القديم من التوراة جُمعَ في القرن الثامن وبعدهُ ظهرت أقسام أخرى عديدة. عدد الكَتَبة كبير: امتدَّت الكتابة حتى منتصف القرن الأول قبل الميلاد. إذاً، هناك كتابٌ تمَّ تأليفهُ ما بين القرن الرابع عشر والأول قبل الميلاد.

العهد الجديد هو مجموعة أسفار أي كتب. منها الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل ورسائل الرسل ورؤيا يوحنا كاتب الإنجيل الرابع. المسيح علَّم شفويّاً ولم يترك أيّ أثر كتابي. تلاميذهُ بشَّروا وتركوا لنا العهد الجديد في اللغة اليونانيَّة. ورد في التاريخ القديم أن تلميذه متّى كتب أولاً بالعبريَّة بل ربما بالآراميَّة. إلا أنهُ ليس لدينا سوى النص اليوناني. العهد الجديد يتضمَّن مواضيع البشارة الشفويَّة. تناقل المسيحيّون العهد الجديد والبشارة الشفويَّة جنباً الى جنب.

كان يظهر باستمرار مبتدعون فتفرزهم الكنيسة. ومستند الفرز هو مجافاة تعليمهم لتعليم الكنيسة المتناقل كابراً عن كابر. إسم “تقليد” المطلَق من المسيحيّين الأرثوذكس والكاثوليك ليس معادلاً للسنَّة الإسلاميَّة والتلمود اليهودي لأنه يقتصر فقط على التعليم المتسلسل. ولذلك فالعهد الجديد هو القطعة الذهبيَّة المركزيَّة في هذا التقليد، والمبتدع الذي يفسّر العهد الجديد خلافاً لما هو متداوَل في الكنيسة يُطرَح خارجاً.

النظريَّة المسيحيَّة في الوحي تعتمد على أنَّ الله أَلهَمَ كتَبَة الكتاب المقدَّس فتناولوا القلم وكتبوا. اللغة هي لغة الكاتب والموضوع الديني هو ما يقوم االله بإلهامهِ. الإنشاءُ مختلفٌ جدّاً. العهد القديم هو تحفة الأدب العِبري. سفر أيوب منهُ هو رائعة الأدب العبري الفريدة وإحدى روائع الأدب العالمي. في العهد الجديد، لوقا الإنجيلي وترسيوس كاتب الرسالة الى الرومانيّين وكاتب الرسالة الى العبرانيّين، هما من ألمع كتَبَة اللغة اليونانيَّة في عهدهم. بتعبيرٍ آخر، لا ينسب المسيحيّون نص الكتابة الى اللهولا يؤمنون بالإنزال نصّاً ومعنى وليس لديهم حتى إنزال. يؤمنون بإلهامِ الله للكاتب والكتابةُ  هي كتابةَ إنسانٍ.

رفضَ اليهود يسوع وتلاميذهُ بضراوةٍ في فلسطين. إنتقلت الرسالة على أيادي الرسل الى بلدان حوض المتوسّط الشرقي فالشمالي فالغربي حتى اسبانيا. كما غزَت مصر وبلاد القيروان في ليبيا وانتقلت الى شواطىء البحر الأسود. لاقت الرواج في الساحل الشرقي للمتوسّط من قيصريَّة فلسطين (الواقعة بين حيفا ويافا) حتى نهاية الساحل الشرقي فروما. وامتدت الى دمشق وبعض أنحاء سوريا الداخليَّة كحوران وسواها[5].

لغويّاً، تمركزت البشارة حول اللغة اليونانيَّة التي كانت اللغة الدوليَّة حتى في قلب روما. السريان واللاتين هم تلاميذٌ لليونان. بقيَت اللغة اليونانيَّة في قلب روما لغة الكتبَة المسيحيّين حتى منتصف القرن الثالث. ليخرج نسبيّاً عن التأثر بالتراث اليوناني اوغسطين الذي لم يكن يعرف اليونانيَّة فاستعملَ الترجمة اللاتينيَّة للكتاب المقدَّس فاستقلَّ في بعض النقاط عن التراث اليوناني، لا عن سوء نيَّة بل عن جهل. يمتدُّ هذا الأدب المسيحي منذ القرن الأوَّل حتى اليوم. في القرن التاسع عشر صدرت منهُ مجموعة يونانيَّة ومجموعة لاتينيَّة بمئات المجلَّدات بإشراف الأبMigne .

وأخذت تظهرفي هذا القرن مجموعة سريانيَّة وتُطبع جميعاً في باريس. في بلاد اليونان أخذت تظهر طبعة جديدة كاملة للأدب اليوناني المسيحي في مئات المجلَّدات. ولكلِّ هذا ترجماتٍ كاملة أو جزئيَّة الى اللاتينيَّة والفرنسيَّة والإنكليزيَّة والألمانيَّة والروسيَّة وسواها من اللغات الأوروبيَّة.

أرض البِدع المختارة كانت بالدرجة الأولى سوريا الطبيعيَّة. يذكر Larousse القرن التاسع عشر الكبير تحت لفظة “سوريا” أنها أصبحت في القرن الثاني قبل الميلاد خليفة أثينا في بابَي الآداب والفنون الجميلة. وبسبب الفتوحات، كانت سوريا أيضاً الأرض المختارة لتلاقح الحضارات من فارسيَّة ويونانيَّة ورومانيَّة وعراقيَّة ومصريَّة. وبظهور المسيحيَّة، ضمَّت فئة الغنوسطيَّة إليها قشور الفكر المسيحي.

إصطدم الإسلام بهذا الواقع أيضاً. عبد القادر البغدادي في كتابه “الفرق بين الفِرَق” يذكر أنَّ مذاهب الشيعة في العراق كانت مئة في القرن الرابع الهجري. النوبختي (من رجال القرن الرابع) يؤرّخ للمذاهب الشيعيَّة العراقيَّة في زمنهِ ويرى كيف أنَّ وفاة كل إمام من الأئمَّة كانت تفرّخ مذاهب جديدة. القديس ابيفانوس القبرصي (في القرن الرابع) كتب في البِدع المسيحيَّة وأحصاها فبلغت 84 بدعة. طبعاً أغلبيّتها الساحقة نشأَت في سوريا. حتى المبتدع الكبير آريوس (في الربع الأول من القرن الرابع)تعلَّم في أنطاكية عاصمة سوريا. الغنوسطيون يركزون على المعرفة. في العام 1935 تمَّ اكتشاف مكتبتهم في تاج حمادي في مصر. لم تُطبَع إلا جزئيّاً.

ظهر المسيح في منطقة لها تاريخها الطويل. فلسطين ودويلات سوريا كانت في الأَلفَين الأَوَّلَين قبل الميلاد مسرحاً للمنازعات المحليَّة والدوليَّة. في الألف الأوّل دخلَ الصراع المصري – الأشوري، ثمَّ المصري- البابلي. يقول ديبون سومير[6] وسواه إن تشققهنَّ وتناحرهنَّ أودى بدولهن.

وبالفعل مَحَتهنَّ أشور في العام 721 وجرفتهنَّ بابل في العام 586 حتى جاء الفتح الفارسي في العام 539 صديقَ اليهود، إحتلالاً دائماً لا غزواً عابراً فجعلَ سوريا ولايةً خامسة.عقَّمها سياسيّاً الى حدٍ بعيد فنشطت ثقافيّاً حتى صارت لغتها الآراميَّة لغة الدبلوماسيَّة في المنطقة وتوحدَّت في ولايةٍ واحدة بدَلاً من تمزُّقها الى دويلات. أتى الفتح اليوناني في العام 333 فنشطت ثقافيّاً وحلَّ تناحرٌ جديد هو التناحر بين يونان سوريا ويونان مصر. أتى الرومان يؤسّسون أمبراطوريَّة كبيرة، فإذا بأنطاكية والإسكندريَّة تستمرّان في التنافس الثقافي خاصةً.

ظهر المسيح في فلسطين فرفضهُ أبناءَ جنسهِ.

إنتقلَ مركز ثِقَل البشارة من أورشليم الى أنطاكية. كان الرسل يهوداً. نقلوا إلينا البشارة بمنطقٍ يهودي في لغةٍ يونانيَّة كما الأمر ثابتٌ في العهد الجديد كلّه. كان على الإنجيل أن يتحدّى الثقافة اليونانيَّة، وكان على الثقافة اليونانيَّة أن تنتصرَ بجهالة الإنجيل لا بحكمتها. ولكن بقيَ على المسيحيّين أن يقتربوا من أذهان المثقَّفين باليونانيَّة وأن يردّوا على تحرُّضاتهم.

مضمون الوحي الإلهي الجديد بسيط، ولكن وضعهِ على مشرحة العقل اليوناني ليس باليسير: ” الثالوث هو الإله الواحد، يسوع الرب الواحد هو الإله والإنسان معاً “. إنهما عقيدتان تصلبان حتى عقل الملائكة.

في الإسكندريَّة قام مجتهدون كبار، إلا أن طبيعة مصر هي التكتُّل وراء الرئيس سواء كان فرعوناً أم أثناسيوس أم كيرلّلس أم ديوسقوروس أم أي رئيس حتى يومنا هذا.

في سوريا تعدَّدت قِلاع الفكر حتى ذكر Larousseالقرن التاسع عشر أنها حلَّت في القرنَين الثاني والثالث بعد الميلاد في بابَي الآداب والفنون الجميلة محلَّ أثينا القديمة. وبدلاً من تنازع ميكرو-دويلات الآراميّين، وِلدَ صراع رجال الفكر والأساقفة.

روما عاصمة أمبراطوريَّة ضخمة حريصة على السلطة المركزيَّة. يلعب أبو العائلة فيها دوراً حاسماً في حياة الأفراد. فكان بابوات روما رؤساءَ حريصين على الوِحدة واللحمة.

تعثَّر آباء القرنَين الثاني والثالث كثيراً في شقّ الطريق لمفاهيمَ لاهوتيَة تُدني الإيمان من العقل. طرحَ الناطقون باللغة اليونانيَّة شيئاً فشيئاً ألفاظاً: ” الجوهر والأقنوم والشخص والمساوي بالجوهر”.

ترتليانوس نحتَ للغرب ألفاظاً لاهوتيَّة تعبّر الى حدٍّ ما عن كَون يسوع شخصاً في طبيعتَين لاهوتيَّة وبشريَّة متَّحدتَين.

إستعمل الغرب لفظة ” المساوي بالجوهر “. رفضَها ديونيسيوس الإسكندري فكاتبَهُ ديونيسيوس روما فأجابَ الأول بأنَّ اللفظة لم ترِد في الكتاب المقدَّس وعرَضَ لهُ إيمانهُ وأعلن أنَّه لا مانعَ لديهِ من استعمال اللفظة. إستعملها بولس السميساطي أسقف أنطاكية بمعنى سابليوسي. وسابليوس كان ينكر التثليث ويعتبر الثالوث أوجُهاً للإله الواحد. السميساطي وسابليوس كانا في النتيجة متهوّدَين.

وغالباً ما كان السميساطي محميّاًمن الملكة زنوبيا ومن النافذين اليهود في قصرها. إجتمعَ عليهِ الأساقفة ثلاث مرّات تقريباً في أنطاكية، وفي المجمع الأخير في العام 268 إستعانوا بكاهنٍ ضليع اسمهُ ملخيون فغَلَبَهُ. فرزهُ المجمع وشجبَ استعماله للفظة “المساوي بالجوهر” أو بصورةٍ أدق “ذو الجوهر الواحد” Homoousios

الفصل الثاني

الصراع حول عقيدة الثالوث

التوحيد التثليثي والتجسُّد الإلهي صليبان كبيران لرجال الفكر. وما طال الأمر حتى برزَ ناكرٌ جديد في التثليث في الربع الأول من القرن الرابع ألا وهو آريوس الشهيروكان لهُ رُفقاء دراسة كبار يساندوه. دانهُ الكسندروس أسقف الإسكندريَّة. إنعقدَ المجمع الأوّل المسكوني في العام 325 في نيقية للنظر في الخلاف. يرى البعض أن أُسقف أنطاكية القديس افستاتيوس ترأس المجمعوالتقى في الإيمان مع الكسندروس الإسكندريَّة، سلفستروس روما، والشماس أثناسيوس. أوسيّوس أسقف قرطبة في اسبانيا كان مستشاراً دينيّاً للملك قسطنطينوهو ذو الفضل في نجاح المجمع. أقحم لفظة ” المساوي بالجوهر ” في صلب دستور الإيمان الذي شرَّعهُ لنا المجمع.

إستعمل المجمع لفظة جوهر كمرادف للفظة أقنوم وكان ذلك منطلقاً لصراع لفظي عقائدي واسع جداً. ومع أنَّ أثناسيوس في مصالحة 362 في مجمع الإسكندريَة قد رضيَ مع المتصالحين باستعمال عبارة ” جوهر واحد ثلاثة أقانيم ” فإنهُ بقيَ حتى آخر حياتهِ يستعمل لفظتَي جوهر وأقنوم كمترادفَين. ففي رسالتهِ الى الأفريقيّين في العام 369 يقول إنَّ الجوهر هو الأقنوم ولا يعني سوى الكيان نفسه (مين 26 : 1036 ) وبهذا تكون لفظة المساوي بالجوهر تعني أيضاً المساوي بالأقنوم. والترجمة الحرفيَّة الصحيحة ” من ذات الجوهر (الواحد) = من ذات الأقنوم (الواحد)”. وفي ذهن القائلين هكذا تكون لفظة “ثلاث أقانيم” تعني ثلاث جواهر أي ثلاثة آلهة.

في تحديد المجمع الرابع سنرى أن يسوع مساوٍ للآب بالجوهر الإلهي ومساوٍ لنا بناسوتهِ. وفي هذا إشكالٌ أيضاً، فمساواتهِ للآب هي غير مساواتهِ لنا. هو والآب والروح القدس يملكون جوهراً إلهيّاً واحداً بالتمام غير مجزّأ بينهم وبدون أن يكون بينهم أي انفصال أو فراغ. فكل ما في الثالوث جوهر كما قال باسيليوس ( مين 31 : 601 ) وليس فيهِ عرَض. أمّا نحن البشر فأفرادٌ منفصلون عن بعضنا بعضاً. الطبيعة البشريَّة موجودة فينا ولكن يمتلكها كلُّ واحدٍ على حِدة. لا يسكن أحدٌ منا في الآخر سكنى تامَّة. وهكذا نرى في اللغة اليونانيَّة وبكل عبقريَّتها الفريدة عاجزة. كان آريوس تلميذاً لمؤسّس مدرسة أنطاكية لوكيانوس،  وكان تلاميذ هذا جمهرةٌ بينهم افسابيوس قيصيريَّة فلسطين أبو التاريخ الكنَسي وأفسابيوس مطران بيروت سابقاً ثم مطران نيقوميذيّة وسواهم.

يبدو أن لوكيانوس كان رجلاً غريباً جداً وتخريجهُ هذا العدد من رجال الفكر المصارعين يدلُّ على أنهُ قويّ الشخصيَّة والفِكر، إنما غضبُ ثلاثة أساقفة أنطاكيّين متتالين عليه يدلُّ على أنهُ مشاكسٌ كبير. تعصُّبه لابن بلدهِ بولس السمسياطي أسقف أنطاكية (الذي خلعهُ مجمع أنطاكية في العام 268) يدلُّ على أنهُ رجل تحزُّب وعصبيّات رهيب[7]. فبولس جاحدٌ للثالوث ومستهترٌ أخلاقيّاً. وطَّدَ عرشهُ على نفوذ الملكة زنوبيا ونفوذ اليهود لديها. مات لوكيانوس شهيداً في العام 312 فغفرت لهُ الكنيسة واعتبرتهُ شهيداً.

تمزَّق الكرسي الأنطاكي، لا فرق فيه بين أن يكون الحكم آراميّاً أو يونانيّاً أو مسيحيّاً. نجح الآريوسيّون في الوصول الى قسطنطين فنشأت معركة جديدة حول ” المساوي بالجوهر ” وذهب افستاثيوس الى المنفى.

أتى ايرونيموس بريَّة قِنّسرين (طريق حماه – حلب) بعد حوالي خمسين عاماً فلاحظ استعمال عبارة ثلاثة أقانيم وبالتالي ثلاثة آلهة وشعر بأن المضمون صحيح. كتب الى البابا داماسوس في العام 376 و 377 يعرض الوضع وكيف أن أتباع ملاتيوس يستعملون عبارة “ثلاثة أقانيم” ويشرحونها بما يفيد التثليثإلا أنهُ تخوَّفَ من لفظة “أقنوم” وكرهها لأن ترجمتها الحرفيَّة الى اللاتينيَّة تعني “جوهر” فيكون معنا ثلاث جواهر أي ثلاثة آلهة وهذا شرَك. خشيَ أن يكونَ وراء الألفاظ بِدعةٍ ما مبطَّنة.

لم تكن علاقة باسيليوس على ما يرام مع داماسوس بابا روما، فكانا مختلفَين على الألفاظ وعلى مسائل كنيسة أنطاكية، فباسيليوس كان يعترف بملاتيوس، والغرب والإسكندريَّة كانتا تعترفان ببافلينوس أسقف أقليَّة ضئيلة. وكان شرقيّون وبخاصةً إسكندرانيّون يُزوّدون روما بمعلوماتٍ كاذبة حتى أن بطرس أسقف الإسكندريَّة خليفة اثناسيوس الهارب الى روما كان يشحن صدر روما ضدَّ ملاتيوس.

كان باسيليوس في عصرهِ بولُساً جديداً يهتمُّ بالكنيسة الجامعة ولكنهُ لمينجح خلال حياتهِ في مساعيه الحثيثة لمصالحة اثناسيوس وداماسوس مع ملاتيوس بالرغم من تساهل اثناسيوس. فإن مستشاري ملاتيوس كانوا يُعكّرون صفوَ المساعي المبذولة. ولكن روما تجاوبت مع رسالة باسيليوس فعقدَ داماسوس في نهاية 377 وربما في العام 378 مجمعاً حضرهُ بطرس أسقف الإسكندريَّة دانَ فيهِ آريوسيّين وسواهم[8] فوافقت الإسكندريَّة في العام 378. تدخَّل القصر لمصالحة الأسقفَين في أنطاكية فاعترف بملاتيوس ورضيَ ببافلينوس أن يكون تحت إمرتهِ. في ايلول – تشرين الأول 379 عقد ملاتيوس مجمعاً في أنطاكية من 153 أسقفاً أعادَ فيهِ الشركة مع الغرب ووقَّع على رسالة المجمع الروماني في العام 372 وبعض الوثائق اللاحقة. في العام 380 عقدَ داماسوس مجمعاً أعلنَ فيه وحدة الإيمان مع الشرق وترادف لفظَتَي “شخص” و “أقنوم” مهلّلاً للإتفاق الواقع بين الغرب والشرق (مين اللاتيني 13 : 371 حيث الرسالة لداماسوس و 351 و 358؛ في كتاب “الكنيسة والكنائس”، المجلَّد 1 عرض تاريخي في ص 261 – 277 ).

هذا العرض ينقض قول جفنيك في مجلة Messager (آخر 973 ص 160 و حا 35 ) الذي يتَّهم فيه الغرب بالتعامل مع الآريوسيّين والسابليّين والأبوليناريّين.

فدامسوس وقع في ضلالٍ وقعَ فيهِ غريغوريوس اللاهوتي مع الأبوليناريّين ثم تراجعا (رسالتهِ الى ابيكتيوس وترجمتها الفرنسيَّة مع المقدّمة، وأيضاً داليس) إلا أنَّ جفنيك هذا أحسَنَ بإبراز دور غريغوريوس اللاهوتي في تحديد العقيدة.

فهناك خلافات وانقسامات أسقفيَّة لا عقائديَّة أصيلة، لذلك ما تأخَّر السلام. فمنذ صالح أثناسيوس الشرق والغرب في مجمع الإسكندريَّة في العام 362 (الرسالة الى الأنطاكيّين 5 و 6) بلباقتهِ ومرونتهِ وسحر شخصيَّتهِ وبروز باسيليوس في الساحة، هبَّ نسيمٌ جديدٌ على الكنيسة فاعتبرَ غريغوريوس اللاهوتي المعركة على الألفاظ بين الشرق والغرب معركةً تافهة ما دام المعنى واحداً للَفظتَي شخص واقنوم (خطبتاه 39 : 11 و 42 : 16 في العام 381 حيث يبدو أن الأمر مفروغ منهُ قبل هذا التاريخ).

وذكر النيصصي هذا الترادف (مين 45 : 177 و 180 وفي مين 39 : 100 ). إنعقدَ المجمع في أنطاكية في العام 382 وزال الإلتباس (ثيوذوريثوس، التاريخ الكَنسي 5 : 9 في مين 82 : 1212 – 1217 وداليس 41 – 42 وقاموس التاريخ والجغرافيا 3 : 574 و …)

لم يكن الخلاف بسيطاً، فالغرب استعملَ لفظة “شخص” والشرق لفظة “أقنوم”. الترجمة الحرفيَّة من اللاتينيَّة الى اليونانيَّة للفظة “شخص” تعني “وجه، قناع، مظهر، دور مسرحي..”

يتوهَّم اليوناني أن اللاتيني يؤمن مثل سابليوس بثلاثة أوجه للحقيقة الواحدة. الترجمة اللاتينيَّة الحرفيَّة للفظة أقنوم اليونانيَّة تعني “جوهر”. فاليوناني يبدو للاتيني مُشركاً يقول بثلاثة جواهر أي ثلاثة آلهة. إلا أنَّ القرن الرابع هو قرن أبطال ورجالات محترمين. في الغرب كان امبروسيوس أسقف ميلانو ينسخ لاهوت باسيليوس وغريغوريوس، فأتى ايرونيموس القسطنطينيَّة خصّيصاً ليسمع غريغوريوس الذي دوَت خطبهُ في آفاق دنيا المسيحيَّة. حتى في باب عقيدة الروح القدس، قال دي رينيون أن اللاتين كانوا تلاميذ اليونان، فتطرُّف جفنيك وسواه مرفوض. الإنسانُ إنساناً أينما كانَ في الدنيا إلا أن الغيرة على الإيمان كانت متوفرة. لدامسوس عيوبٌ شكا منها باسيليوس إلا أن الخلاف قام على أسسٍ احتاجت معالجتها الى زمنٍ.

بالعودة الى موضوع الفرق بين الجوهر والأقنوم. كتبَ باسيليوس الكبير الى أخيه غريغوريوس رسالةً يشرح فيها لهُ الفرق بين لفظَتَي جوهر وأقنوم فجعلَ الأقنوم شبيهاً بقَولنا شخص بطرس وشخص بولس، وجعل الجوهر شبيهاً بقولنا الطبيعة البشريَّة الواحدة فيهما. وأضافَ أن هذا التشبيه ضعيف وأن الفرق بين اللفظتَين هو الفرق بين الخاص والعام (الرسالة 38).

هاتان الحادثان تدلّان على أنَّ بعض الجهات في الشرق طوَّرت لفظة أقنوم التي تعني أيضاً في اليونانيَّة “الوضع تحت، مسند، support “.

ولكبادوكية علاقات متينة مع الكرسي الأنطاكي بفضل المتاخمة والعرق، فلفظة كبادوكية آراميَّة. كان الفرس واليونان يسمّون الكبادوكيّين “السوريّين البيض” (دائرة معارف Larousse ومعجم التاريخ والجغرافيا الكنسيّين) وكانت علاقة باسيليوس اللاهوتيَّة بأنطاكية متينة فضلاً عن علاقتهِ الشديدة المتانة بأسقفها ملاتيوس. يطول الشرح إن أرَدنا الحديث عن تأثير الكبادوكيّين الثلاثة (باسيليوس وأخوه غريغوريوس النيصصي وصديقهما غريغوريوس اللاهوتي) في الكرسي الأنطاكي لاهوتيّاً وروحانيّاً ورهبانيّاً وشخصيّاً.

هؤلاء الثلاثة لعبوا دوراً رئيسيّاً في تحديد معاني الألفاظ اللاهوتيَّة. اللاهوتي منهم ما زال حتى اليوم المرجع المسيحي الأول في شرح عقيدة الثالوث القدوس وهو النجم اللامع المنير للمجامع المسكونيَّة منذ الثاني وحتى السادس[9].

كان ترتليانوس في الغرب منذ القرن الثالث قد نحتَ بعض الألفاظ اللاهوتيَّة منها “شخص-persona “. إصطدمت في الشرق بترجمتها الحرفيَّة: ” وجه، قناع، دور مسرحي، مظهر،…) بدت رائحتها للشرقيّين سابَليانوسيَّة (سابليانوس) ولكن سرعان ما أدركَ عقلاء القرن الرابع المقصود فقبلوا جعل “شخص” مرادفاً “لأقنوم”. ومن حسن حظ القرن الرابع أن أثناسيوس كان واسع النفوذ في الغرب وأنه كان ينحني إجلالاً لباسيليوس. تعاضد كبار ذلك العصر فمثلاً استنجدَ باسيليوس بأثناسيوس للضغط في الغرب ضد فالانس الأمبراطور الذي اضطهدنا. ونزل أثناسيوس عند رغبة كومنيس، والي أنطاكية، صديق باسيليوس للرضى بمصالحة أسقفها ملاتيوس صديق باسيليوس.

المجمع المسكوني الأوَّل سنَّ “دستور الإيمان” وقال بألوهيَّة الإبن ودحضَ نفي الآريويسيّين وجود روح في ناسوت المسيح (غريلماير، ص 221). ثم انعقدَ المجمع الثاني المسكوني في القسطنطينيَّة في العام 381 فتمَّم الدستور وأوضحَ لنا أُلوهة الروح القدس.

حاول رجال البدع فهم المسيحيَّة على ضوء العقل وأرسطو اليوناني. رفضَ خصومهم أن يكون أرسطو الوثني حكَماً في أمورٍ أوحى بها الله ولا تقبل أن تنزل الى مستوى معادلاتٍ رياضيَّة[10]، فالدين يقوم على الإيمان بأمورٍ غيبيَّة. نستعمل نور العقل لاستجلاء ما يمكن إستجلاؤه من الغموض، فإمّا أن يقبَل المرء الوحي اليهودي-المسيحي ككل وإما أن يرفضهُ ككل. التجزئة مستحيلة. والعهد القديم هو توطئة للعهد الجديد. مَن قَبِلهما قَبِلَ ما فيهما من أمورٍ تفوقُ العقل. في العام 1947 تمَ اكتشاف نسخ من العهد القديم قرب بحر الميت تعودُ الى القرنَين الأول والثاني قبل الميلاد. المسألةُ هي مسألة إيمان بالكل أو رفض للكل، والتدقيق التاريخي والمخطوطاتي يلعب دورهُ في تكوين القناعة.

ما هي الصدمة التي نالها العقل اليوناني؟ لم يستطع أن يفهم كيف أن الله واحد=ثلاثة. علماء الكنيسة في القرن الرابع واجهوا الإمتحان القاسي بصمودٍ كبيرٍ. إنهُ عصر الفحول والأقطاب. إنبرى للمهمَّة أثناسيوس الإسكندري وباسيليوس الكبير والغريغوريوسيّان اللاهوتي والنيصصي (أخو باسيليوس) وسواهم. لم تكن اللغة اليونانيَّة ولا الفلسلفة اليونانيَّة قادرتَين على احتواء مضمون الوحي مع أن اللغة اليونانيَّة هي لغة العلم والفلسفة حتى يومنا، وهي لا تُجاري في باب القدرة على التعبير عن ظلال المعنى كما قال باركلي[11].

الفلسفة اليونانيَّة هي فلسفة ماهيَّات ومنطق ومقولات أرسطويَّة. كدَّ الأقطاب المذكورون أذهانهم فنحَتوا المعاني الجديدة لبعض الألفاظ اليونانيَّة. لم تكن الفلسفة اليونانيَّة تعرف مفهوم “الشخص” بالعنى المعاصر في الفلسفة. فقال الأقطاب إن جوهر الثالوث واحد وأقانيمه ثلاثة.

لفظة “أقنوم” سريانيَّة وهي ترجمة للفظة hypostasisاليونانيَّة. أمّا الّلاتين فقد استعملوا لفظة “شخص” persona. ترجمتها اليونانيَّة تعطي مفهوماً آخر.

أتَّفق الّلاتين واليونان على المعنى وجعلوا لفظة “شخص” مرادفة للفظة “أقنوم” وقالوا صراحةً بأن وحدة الجوهر تتنافى مع تعدُّد الآلهة. فالشرَك يقوم على تعدُّد الجواهر وتعدُّد الآلهة.

الألوهة واحدة. الألوهة هي جوهر (باسيليوس الكبير ضد سابليانوس وآريوس وافنوميوس 3-5 في مين 31: 604-605 و 609 وعن أصل الإنسان ص 175 من مجموعة S.C في الروح القدس 17: 41 في مين 32: 144، النيصصي 45: 33؛ اللاهوتي، الخطبة 31: 15-20 في مين 36: 149؛ راجع ايضاً رسالة باسيليوس ال 38: 4 في مين 31: 332-333 ).

ولما اشتطَّ في القرن السادس يوحنا فيلبون، إنتهى الى القول بوجود ثلاثة آلهة.

التثليث يقوم على اعتقاد بأن الله واحدٌ في ثلاثة أقانيم هم الآب والإبن والروح القدس. وصلاة نصف الليل أيام الآحاد مترعة بهذه العبارة وأشباهها.

وكلمة الإبن لا تعني أبداً أن الله قد تزوَّج. فالآب سرمديٌّ، لا بدايةَ ولا نهاية لهُ والإبنُ كذلك. وولادتهُ كذلك سرمديَّة لا بدايةَ ولا نهايةَ لها. هي ولادة روحيَّة خارج الزمان والمكان.

والكتاب المقدَّس نوَّع التسميات ليسوع وكل تسميةٍ منها توضح لنا جانباً من السر العظيم. فلفظة “إبن” تعني أنهُ من جوهر الآب كما أن الإبنَ من أبيه ولكن الولادة هي ولادة روحيَّة سرمديَّة قبل أن تكون الخلائق جميعاً (باسيليوس، مين 31: 604 وغريغوريوس اللاهوتي، العظة 28: 13 و 29: 2-17 والذهبي الفم، العِظتان 4:2 و 15: 2 على إنجيل يوحنا والدمشقي 1: 8 …)

ويخرج الموضوع نسبيّاً عن نطاق هذا الكتاب فهو شائك ومتشعّب. خصَّهُ الأب تيوفيل دي رينون بأربعة مجلَّدات كبيرة في مطلع العصر، جمعَ فيها نصوص الآباء حول التثليث وقارنها وحلّلها[12].

أما بدعة آريوس، فبعد تمزيقٍ واسعٍ أثارتهُ في شرقنا، إضمحلَّت شيئاً فشيئاً وإنما عاشت حيناً في أوروبا لدى قبائلٍ غُزاة وقد فشلَـت رغم الإضطهادات التي أثارَتها لها سلالة قسطنطين (قسطنديوس، فالنس…)

الفصل الثالث

الصراع حول عقيدة التجسُّد الإلهي:

المجمع الثالث (ابوليناريوس، ثيوذوروس المصيصي، نسطوريوس)

سرعان ما انصرف اللاهوتيّون الى طرح نوعيَّة “الإتحاد” بين جوهر يسوع الإلهي وجوهره البشري. في أنطاكية-على ما يرى داليس-جرى التأكيد على تماميَّة الطبيعتَين (ص 28). رئيس المدرسة الأنطاكيَّة هو ديودوروس المعروف بأسقف طرسوس في كيليكيا. ذهب تلميذُه ثيوذوروس أسقف المصيصة في الأمر الى نهايتهِ تقريباً فصارت العلاقة بين الطبيعتَين أدبيَّة. جاء الردُّ من ابوليناروس اللاذقي في العام 352 وربما في العام 360 (للنقاد آراء مختلفة) منطلقاً من أرسطو فقال إن إتحاد “الكاملَين” مستحيل. فيسوع إذاً لم يأخذ طبيعة إنسانيَّةكاملة. والروح (noûs) باليونانيَّة هو النبرة العليا في الإنسان لدى فلاسفة اليونان. لم يأخذ يسوع روحاً noûsلأن “كلمة” الله حلَّ محلَّهُ. ولذلك ليسوع طبيعة واحدة. ابوليناريوس موحّد من البداية حتى النهاية: طبيعة واحدة، أقنوم واحد، شخص واحد، مشيئة واحدة، فعلٌ واحد[13]. إنزعج صحبه اثناسيوس وباسيليوس والغريغوروسيان من موقفه. في الإسكندرية تعرَّضَ المجمع المنعقد في العام 362 برئاسة اثناسيوس للموضوع. ربما حوالي سنة 370 كتبَ اثناسيوس رسالةً الى أسقف كورنثوس في بلاد اليونان يفنّد فيها ألواناً من البِدَع تدخل فيها بدعة ابوليناريوس وبدعة خصومه وانبرى الغريغوريوسيانلمحاربتهِ برجولة ومتانة (داليس 33).

لم يبلغ أمر الأنطاكيّين درجة مكشوفة من الخطر إلا بعد ارتقاء نسطوريوس تلميذ ثيوذورس كرسي القسطنطينيَّة، فاندلع الخلاف بينهُ وبين سكّان القسطنطينيَّة وامتدَّ الشررُ الى أنحاء العالم المسيحي وهو وصحبه الأرسطويّين. لذلك، بحقٍ، لاحظ داليس أن الأنطاكيّين وأبوليناريوس اللاذقي كانوا يلتقون في أرسطويَّتهم. إنطلقوا جميعاً من قول أرسطو باستحالة إتحاد “كاملَين”. حلَّ المعضلة ابوليناريوس فقالَ بالبَتر، أي أنَّ يسوع لم يأخذ روحاً بشريّاً noûs، وحلَّها الأنطاكيّون بالتطرُّف في التميّيز بين الطبيعتَين حتى صار الإتّحاد أدبيّاً.

إلا أن اللغة اليونانيَّة كانت من جديد عاجزة عن التعبير. نسطوريوس عاد بألفاظ اللاهوت الأساسيَّة الى معانيها في الفلسفة والمعاجم الى حدٍ بعيد. تشدَّد كثيراً في تمسُّكه بالتقليد، يبدو مشبَّعاً من الكبادوكيّين ولكنهُ في الحقيقة والواقع لم يكن ذا كفاءة للهضم ولتمثُّل التقليد. ويبدو من طلبِهِ الى الأمبراطور في إبادة المبتدعين أنه شديد الطِباع وأن في تصرفاتهِ نبوة وفي خلقهِ جِفوَة. كان راهباً متشدداً وهو لا يخلو من الصلَف والإعتداد بالذات. في كتاباتهِ جهود مُضنية للفهم، إلا أنهُ يخرج عن جادة الصواب والتقليد كلَّما حاول أن يفسّر نظريّتهُ القائلة بوجود شخصَين (إلهي وبشَري) في يسوع، وشخص ثالث أسماه شخص الإتحاد. حاول عبَثاً تطبيق رأي غريغوريوس اللاهوتي القائل إن المسيح واحد في اثنَتين كما أن الثالوث هو إلهٌ واحدٌ في ثلاثة أقانيم. لم يستطع أن يفهم النص كما فهمهُ المجمع الرابع المسكوني لا فلسفيّاً ولا لاهوتيّاً. لم يكن الشخصيَّة المؤهَّلة لأن تفصِلَ نقطة لاهوتيَّة بالغة النعومة تتعلَّق بكيفيَّة اتّحاد الطبيعتَين وبنوعيَّة وِحدة يسوع.

بعبارةٍ أخرى، لم تكن لديهِ أنتولوجية antologie قادرة على الكلام الصحيح عن كيان يسوع être وقد جنى على نفسهِ بخروجهِ على تقليد الكنيسة في كل مكان إذ رفضَ تسمية العذراء “أماً لله”. ومهما حاولَ المعاصرون، بحجة مجمع الفاتيكان الثاني (غريلماير مثلاً) أو بأية حجّة أخرى تلطيف الوضع، فإن نسطوريوس يبقى ذا قفزاتٍ خارج تقليد الكنيسة وتعليم الآباء. فبعضهم-بما فيه غريلماير-يعتذر لهُ بالجهل. ولكن غريلماير نفسه يذكر أنه كان عليه أن يعرّف تسمية غريغوريوس اللاهوتي للعذراء “أمّاً لله” من خطبة هذا ذات الرقم 37 وتردُ أيضاً في الخطبة 29 : 4[14]

نسطوريوس كان يعرف مؤلفات غريغوريوس، ويذكر غريلماير أن افسطاطيوس أسقف أنطاكية المخلوع في العام 330 كان يعرف هذه التسميَة ( ص 285) وفي العام 325 أرسل الكسندروس أسقف الإسكندريَّة الرسالة 12 الى زميله الكسندروس في القسطنطينيَّة حيث وردت اللفظة (مين 18: 568) وقد عرف ثيوذوريتوس نفسه هذه الرسالة وأورَدها في تاريخه (1: 3 في مين 82: 908) فهل جهَلَها نسطوريوس؟ وفي ورقة بردي قد ترجع الى أواخر القرن الثالث وردت اللفظة. ومنذ الربع الثاني من القرن الرابع تتكاثر الأدلَّة والشهادات فجأةً على استعمالها (راجع الحاشية 4 ص 43 من الترجمة الفرنسية مع النص اليوناني لرسالة غريغوريوس في العدد 208 من مجموعة S.C) والذهبي الفم أنطاكيٌّ اعتلى سدَّة القسطنطينيَّة مثل غريغوريوس قبل أن يعتليها نسطوريوس وهو يؤمن بأن يسوع هو ابن الله وابن الإنسان الذي صار إنساناً ليُصيّرَنا أولاداً لله. فوِحدة شخص يسوع لديه بندُ إيمانٍ رئيسي (الخطبة 2: 3 على إنجيل متى).

فمن الإسكندريَّة الى أنطاكية الى القسطنطينيَّة الى كبادوكية، اللاهوتيّون والبطاركة كانوا في القرن الرابع مع الرهبان والشعب متعلّقين بلقب “أم الله”: فلا يعقل أن ينفرد نسطوريوس في جهله، ولكن القصر كان معهُ.

جابههُ في البداية المحامي أفسابيوس الذي صار فيما بعد أسقف دوريليوم. تنطَّسَ للمعركة كيرللس الإسكندري، خاضها معهُ شلستينوس بابا رومية. تراشقَ الطرفان التِهم. كيرللس الإسكندري استعمل عبارة أثبتَ التحقيق أنها مدسوسة عليه باسم اثناسيوس بينما هي في الحقيقة من تأليف ابوليناريوس. العبارة هي: “طبيعة واحدة متجسدة للإله الكلمة”. إتهمهُ خصومهُ بأنه ابوليناري. تحوَّلت المعركة الى نوع من الصراع المصري-السوري. إنعقد المجمع المسكوني الثالث في أفسس (431). تأخر أسقف أنطاكية يوحنا فانعقدَ المجمع في غيابهِ (22/7/431) وحرم نسطوريوس. وصل يوحنا فعقدَ مجمعاً معاكساً وحرم مجمع كيرللس. الأكثريَّة الساحقة مع كيرللس (حوالي 200 ثم زادت) بينما ضمَّ مجمع يوحنا 37. توسَّع الإنشقاق وغطس القصر فيه سلباً وايجاباً فكلَّفت العمليَّة كيرللس إفلاسَ كنيستهِ. نجح أخيراً لأن خصومهُ من السوريّين أرادوا إنقاذ نسطوريوس وهم يعرفون أنه انحرف عن الإيمان القويم. في آب 431 بعثوا برسالة الى الى الأمبراطور تدل على أن ايمانهم قويم. وهي نفسها (بعد إضافة فقرة عليها) صارت في العام 433 رسالة المصالحة. وفي نص 431 ونص 433 (أوردناهما دفعةً واحدة في مكانٍ آخر لأنهما وردا في نص 433) يتّضح أن الأنطاكيّين محافظون على تعليم آباء الكنيسة وبخاصة منه رسالة اثناسيوس الى ابيكتوس[15] ورسالة غريغوريوس اللاهوتي الى كليدونيوس وخطبته الثلاثون[16]. وفضلاً عن سعي القصر الدائب لفرض الصلح، لعب أكاكيوس أسقف حلب ووكيله في المجمع بولس أسقف حمص والقديس سمعان العَمودي، أدواراً مجيدة للسلام. إعتبر كيرللس نفسه قد انتصر واعتبر يوحنا وثيودوريتوس أسقف قورش وهيباس أنهم قد انتصروا. والحقيقة التي لا مراء فيها أن المنتصر الأكبر هو الإيمان الأرثوذكسي. فالأنطاكيّون جرّوا كيرللس الى جهدٍ لاهوتيٍ رائع عادت معهُ عباراته الأبوليناريَّة ذات معنى أرثوذكسي لا ابوليناري. وكيرللس جرَّ الأنطاكيّين الى تعمّقٍ واسع في آباء الكنيسة ووضع النبرة على وحدة شخص يسوع. في النص المتَّفق عليه نرى نبرة كيرللس على الوحدة ونرى نبرة الأنطاكيّين على الطبيعتَين[17]. أما لفظة “هيكل” فليست خاصَّة بالأنطاكيّين كما يرى باردي (في فليش ومارتان). فقد استعملها اثناسيوس واستعملَ سواها مثل “بيت”، “أداة”، “ثوب”، “رداء” (الرسالة الى ابيكتوس 2 و 4 و 10 الى اديفيوس 3: 4؛ في التجسُّد، 42، 43، 44؛ نبذة في مين 26: 1240) والذهبي استعمل في شرح المزمور 44: 2 واستعمل لفظة “مسكن” في العظة 11 على يوحنا.

هذا الصلح بين المعتدلين الأنطاكيّين ومصر وروما والقسطنطينيَّة على حرم نسطوريوس وعلى نصٍ لاهوتي رصين (وإن كان غير تام) أخرج من جسم الكنيسة الجامعة المتطرّفين، فنشأت كنيسة نسطوريَّة تقلَّصت شيئاً فشيئاً عبر التاريخ. في العام 589 أغلق الأمبراطور زينون مدرستها في الرها (اورفا). إنتهت الى الإنتشار في العراق وفارس وحتى الصين بديناميكيَّة نادرة يحميها القصر الفارسي ويوغر صدرها على القسطنطينيَّة[18]. ولغويّاً، إنثنَت الى اللغة السريانيَّة حتى بدَت قوميَّة. لعبت دوراً بارزاً في نقل العلوم والفلسفة الى العربيَّة.

نسطوريوس قال بوجود أقنومَين وطبيعتَين وشخصَين وشخص اتحاد ورفض القول إنَّ مريم هي أم الله. قال أيضاً بالمشيئة الواحدة والفعل الواحد، وحرص شديداً على تبرئة لاهوت الإبن من الأَوصاف البشريَّة لدرجةٍ أضعفَ معها الإتحاد. النبرةُ لديهِ موضوعةٌ على الطبيعتَين مهما حاولَ الكلامَ عن الإتحاد. بالمقابل، قال المتصالحون إن يسوع واحدٌ وإن الإتحاد صار من طبيعتَين وإن الّلاهوتيّين يستعملون ثلاث طرق: 1- ينسبون الّلاهوتيّات الى الّلاهوت، 2- ينسبون البشريّات الى الناسوت، 3- ينسبونها جميعاً الى الشخص الواحد يسوع. ولهذا فمريم هي حقّاً أم الله بفضلِ وِحدة يسوع.

الفصل الرابع

المجمع الرابع المسكوني ونتائجه

(اوطيخا، ديوسقوروس)

هذا النص مرحلةٌ فقط، لم يحل المعضلة حلّاً تامّاً. لذلك مقابل انفصال النساطرة الذين يثنون الأقنوم ويوهِنون الإتحاد، أنتجَ التعصُّب لكيرللس الإسكندري بدعة اوطيخا (افتيشيوس) هذا الراهب القسطنطيني المتعصّب لكيرللس ذهبَ الى امتزاج الطبيعتَين. حرمهُ مجمع القسطنطينيَّة في العام 448. كان نفوذهُ على الخصي خريسافيوس النافذ الكلمة في القصر قاطعاً. دعا الأمبراطور الى مجمعٍ في أفسس (برئاسة ديوسقوروس الإسكندري) يمنع فيه ثيوذوريتوس أسقف قورش من حضوره. إرتكبَ ديوسقوروس غلطةً كبرى. أرادَ أن يُقلّد كيرلّلس فأساءَ التقليد. كيرلُّلس لاهوتيٌّ كبيرٌ وعميقٌ جدّاً ولولا اندساس العبارات الأبوليناريَّة عليه لما احتاجت الكنيسة ولاهوتيّوها الى الجهود المضنيَة ونكبات الدهر طيلةَ قرون. تبنّى كيرللس الحقيقة بتطرُّفٍ فاحشٍ وصارمٍ دون أن يخسر كل مرونتهِ. فما أن بدَت بوارق الإنفتاح الأنطاكي حتى أسرعَ في تفهُّم المواقف والعبارات، وسعى الى وحدة الكنيسة بخُطى حثيثة. ديوسقوروس تبنّى اوطيخا تبنّياً أعمى وضربَ عرضَ الحائط برومية والقسطنطينيَّة وسواهما. لم يدُم النصر المزوَّر. ماتَ الأمبراطور ثيودوسيوس الثاني وخلفتهُ أختهُبلخاريا التي ضمَّت إليها ماركيانوس أمبراطوراً. فانعقدَ المجمع الرابع المسكوني في خلقيدونية قرب القسطنطينيَّة في 8/10/451 وحضر من الكرسي الأنطاكي وفدٌ كبيرٌ يُناهزُ الثلاثين والمائة. أدركَ ديوسقوروس أن اوطيخا مبتدع ولكن بعد فوات الأوان. فكانت تصفيةٌ للحسابات شخصيَّة وبئسَ التصفية هذه التصفية.

اوطيخا مزجَ الطبيعتَين بصورةٍ كفريَّة فقالَ بطبيعةٍ واحدة إلهيَّة. المجمع الخلقيدوني تبنّى التطوّرات الّلاهوتيّة التي طرأت منذ ظهور بدعة نسطوريوس. فقد طغى تيار الآباء الكبادوكيّين باسيليوس والغريغوريوسيّين الى تحديد معانٍ جديدة للألفاظ الّلاهوتيَّة المتعلّقة بالمسيح على غرار تحديداتهم لها في شأن الثالوث القدوس. وكان غريغوريوس اللاهوتي بطل هذا التيّار في الأساس بخاصة في رسالتهِ الى كليدونيوس. فجاء تحديد المجمع الرابع تكملةً طبيعيَّة لرسالة المصالحة كما يرى المطالع لكلا النصَّين في مكانٍ آخر من هذا الباب، إلّا أن هذا المجمع أبدى إلحاحهُ الزائد على وحدة يسوع وعلى وحدة أقنومه وجعَلَ لفظة “شخص” مرادفة للفظة “أقنوم”. وقال مثل هذا غريغوريوس اللاهوتي وايسودوروس الفرمي وبروكلوس القسطنطينيَّة ولاون رومية، بأقنومٍ واحدٍ في طبيعتَين[19] وحرمَ اوطيخا وديوسقوروس. وكان حرَمُ الأخير تسرُّعاً كبيراً لأن البحث أثبتَ أن الخلاف شخصيٌّ لا عقائدي كما ذكرنا في مكانٍ آخر. لم يكن في الصف الأرثوذكسي آنذاك خليفة لكيرللس يلجأ الى الحكمة بدَلاً من التشفي. ومصر كتلةٌ واحدة وراءَ رئيسها سواءً كان فرعوناً أو بطريركاً.

كان في أيام كيرللس قد قويَ جداً الإستقلال الكنَسي والسياسي لبطريرك مصر. إنثنَت مصر على نفسها وراء أسقفها وغالت في الإنزواء حتى تحوَّل الإنزواء الى انطواءٍ وانفصالٍ ديني-سياسي-قومي-لغوي. وليس الأمرُ بطارىء في تاريخ مصر، فردَّة فعلها على الصدمات القاسية التي تأتيها من الشرق كانت مراراً في التاريخ إنطواءً صبوراً. أما في مشرقنا فحميَ وطيس الصراع والنقاش. في الفترات الساخنة من التاريخ كان دوماً لمصر أنصار وأصدقاء لكيرللس، فالأوفياء لهُ  كانوا كثيرون[20].

تقلَّصت مصر على نفسها تجترُّ أقوال كيرللس حرفيّاً دون غوصٍ الى ما بعد حرفيَّة أقواله ودون تفريق بين ما قالهُ قبل المصالحة وبعدها. ولذلك جاءت عباراتها اللاهوتيَّة مشابهة تماماً للعبارات الأبوليناريَّة: أقنومٌ واحدٌ، طبيعةٌ واحدة، مشيئةٌ واحدة.

إلا أن المضمون كان غير ابولينارياً. المضمون كان أرثوذكسياً لأن كيرللس قال بوجود روح في ناسوت يسوع وبأن يسوع إلهٌ كاملٌ وإنسانٌ كاملٌ.

القائلون بالطبيعة الواحدة (وقد اندسَّ عليهم ابوليناريّون) (داليس … و 289) كما اندسَّ علينا نسطوريّون (مايندورف 44) إعتبروا مجمع خلقيدونية إنتصاراً نسطوريّاً واستمرّوا دهراً يحكمون على الأرثوذكس بمنظارهم الشخصي. لم يهتدوا الى ارتداء مناظرنا ليفهموا رأينا. قام المجمع الرابع المسكوني بانقلابٍ جذري في استعمال الألفاظ اليونانيَّة فأنقذَها من الغموض والإبهام والإلتباس. وفي موضعٍ آخر من هذا الكتاب تطرَّقنا بدقة للموضوع. فبينما استعملَ نسطوريوس لفظة “شخص” في اليونانيَّة بالمعنى الوارد في المعاجم ( أي “وجه”، “قناع”، “مظهر”، “دور”…) قال المجمع: 1- بترادف لفظَتَي “أقنوم” و”شخص” فليسَ ليسوع أقنومان. 2- بأن يسوع أقنومٌ واحدٌ في طبيعتَين كاملتَين. 3- بإبطال الترادف بين لفظَتَي “أقنوم” و”طبيعة” في اليونانيَّة. فجعلَ لفظة أقنوم ولفظة شخص ذات معنى واحد وصرفَ لفظة طبيعة لتعني جوهر الناسوت أو اللاهوت.

الأرثوذكس اليوم يرفضون رفضاً قاطعاً أن يقول أحدهم إن ليسوع أقنومَين أو إن يسوع واحد يتألَّف من أقنومَين. القول إنَّ لهُ أقنومَين يعني لنا أنَّه اثنان لا واحد، والقول إنه تألَّف من أقنومَين يعني أن الطبيعة البشريَّة أقنوم. وتأليف واحد من شخصَين مستحيل لأن الشخص غير قابل للإتحاد التام مع شخصٍ آخر. هذا فضلاً عن أن الطبيعة البشريَّة لم تكن موجودة قبل البشارة لتدخل عنصراً في التأليف. ولا نقبل أن يُقال إن يسوع كان اثنَين قبل الإتحاد ثم صار واحداً بعده لأن الأقنوم الإلهي وحدهُ كان موجوداً قبل التجسُّد، وفي التجسُّد أخذ من العذراء ناسوتاً ضمَّهُ إليه.

في مصر كان الصراع محدوداً في الزمان والمكان لأنها اختارت الإنفصال فبقيَ الأرثوذكس نسبة محدودة حتى يومنا هذا. في القسم الشرقي من المتوسط حميَ الوطيس. الفرديَّة وعدم الإستقرار واختلال التوازن وتبدُّل المواقف، أمراضٌ عريقة في سوريا. لذلك يرتكب خطأالكتَبة الذين يتوهَّمون أن سوريا خسرت في معركة أفسس. خلقيدونية وما تلاها حتى اليوم أثبتا أنها قادرة دوماً على التمزُّق أحزاباً وشيَعاً ومذاهب، إنما يبقى فيها للخط القَويم أنصار عديدون جداً. قد لا يكونون أهل مغامرة وديناميكيَّة ونضال مرير إلا أنهم أهلَ صمود[21]. شهرة مصر قامت على مدينة الإسكندرية. أما المدن السوريَّة فكانت قِلاعاً للثقافة والفكر. مصر تقفُ صفّاً واحداً وراء رئيسها، والسوريّون مشاكسون عشّاقٌ للإنقسام والتباين[22]. شكري القوتلي عبَّر عن فهمٍ عميق لما قالَ لعبد الناصر: “… شعباً كل مَن فيه يعتقد بأنه سياسي و 50%منهُ يعتقدون بأنهم زعماء و 25 %منه بأنهم أنبياء و10%منهُ بأنهم آلهة ومنهم مَن يعبد الله ومنهم مَن يعبد الشيطان …) (الأهرام 5-10-1961) وأوردَها تييري دي شاردان بعبارةٍ قريبة في كتابهِ “مئة مليون عربي”. قال تشرشل في العام 1963: الشعب السوري لا يعرف كيف يحكم نفسه ولا يدع سواه يحكمهُ. وأذكر أن صديقاً قال لي: “الجنرال كوليه (المندوب الفرنسي في دمشق) قال: “هذا الشعب السوري حيّرنا. يتحرَّك حين نحسب أنه لا يتحرَّك، وينام حين نحسب أنه سيتحرَّك”.

كل هذا يدلُّ على حيويَّتهِ ونبوغهِ من جهة ولكن على صعوبة مراسه وتباين آرائه ومواقفهِ من جهة أخرى. وهذا ما نسَبتهُ يوماً في فصلٍ من كتابٍ ظهر بالفرنسيَّة، الى نوعيَّة التناقض اللاشعوري-ambivalence[23] فنوعيَّتهُخاصَّة جداً وتلعب الدور الرئيسي في تكوين الصعوبات الرئيسيَّة في نفسيَّة السوري ومواقِفهِ مهما أعطَتهُ من جهة أخرى إمكانات للتفتُّح والبروز. ولسنا هنا في معرض تحليل نفسي وإنما أردتُ لفت النظر لفهم طبيعة القِوى النفسيَّة التي حرَّكت تاريخنا في تلك الفترة الخطيرة المصيريَّة من تاريخنا.

ومع كلما جرى، بقيَت أكثريَّة الكرسي الأنطاكي سوراً للأرثوذكسيَّة كما قال المؤرّخ المدقّق الكبير ارنست شتاين. وبقيَ الصراع داخليّاً دون انقسامٍ تام الى كنيستَين مستقلَّتَين حتى العام 543/ 544

إنما قسا الأمر على الأرثوذكس فيه بسبب مساندة زينون (رئيس جيش الشرق أولاً ثم الأمبراطور لاحقاً) بطرس القصار على قلب بطريركنا وتنصيب نفسه مكانه وتنصيب صديقه فيلوكسينوس على كرسي منبج الهام. خلع فاسيليسكوس زينون فترة، فشنَّ فيها علينا اضطهاداً كبيراً. عاد زينون معتدلاً حيناً لينصرفَ فيما بعد الى مراعاة مصلحة الأمبراطوريَّة في وِحدتها على حساب العقيدة الخلقيدونيَّة، فمالَ إليهِ الطرف الآخر وتعرَّضنا لنقماتِه. خلفَهُ انسطاسيوس فأثارها فيما بعد حرباً شعواء. خلع بطريركنا فلافيانوس ونصَّب بدَلاً منهُ سويروس أعمق لاهوتي الفريق الآخر (512). تمتَّع الثلاثة بديناميكيَّة مذهلة حقّاً لا مثيلَ لها في بلادنا في أيامهم. ربما كان كرسينا قد تعبَ طيلة قرنَين تقريباً من صراعات الآريوسيَّة والأبوليناريَّة والنسطوريَّة المونوفيزيَّة التي كان أرضها المختارة. فجاءهُ غرباء ثلاثة يذكّون النار. فبطرس القصّار كان راهباً في خلقيدونية، ترك ديره فجاءنا مع زينون القادم رئيسَ جيشٍ لجيش الشرق. وفلوكسينوس فارسيٌّ وسوريٌّ صرف يجهل اليونانيَّة. وسويروس من بيسيديَّة تعلم في الإسكندريَّة وبيروت واهتدى في بيروت وتنصَّر في طرابلس. في العام 543-544 شقَّ يعقوب البرادعي الكنيسة وأقامَ إكليروساً منفصلاً وكان ذا ديناميكيَّة مذهلة إلّا أنها لم تصل الى حد رسامة مائة ألف شخص كما زعم البعض. المؤرّخون السريان مُغالون كما نرى من الحادثة ومن حادثة الإدعاء أن يوحنا تلة رسمَ 170 ألفاً وأن بابا رومية أغاثون رشى الأمبراطور قسطنطين بمبالغ خرافيَّة من الذهب[24] لأجل المجمع السادس المسكوني (680) فسكان سوريا الطبيعيَّة قبل الفتح العربي كانوا 5 ملايين بحسب تقدير قاموس التاريخ والجغرافيا الكنَسيّين الفرنسي (المجلد 3، العَمود 613) فهل يتحمَّلون مثل هذا العدد من رجال الدين؟ وفي (سوريا) سارت الأمور نحو التباين اللغوي والعرقي. ففي العام 363 أسَّس القديس أفرام في الرها[25] (أديسا قديماً) مدرسة لترجمة التراث اليوناني. مدرستا الرها ونصيبين أنعشتا اللغة السريانيَّة وآدابها ونقَلَتا التراث اليوناني الى فارس ثم العرب. ومن نوافل الكلام أن النهضة الأدبيَّة تجرُّ وراءها النهضة القوميَّة إلا أن أكثريَّة سكان الرها بقوا أرثوذكساً قبل الفتح العربي كما يبين من المخطط المرسوم في كتاب ديسيليه (ص 16).

وبدلاً من النقاش الديني بين الجيل الأول تحوَّل النقاش الى الإنكماش القومي. وهكذا انشطرت سوريا بنسبةٍ لا بأس بها، إلا أنها بقيَت سور الأرثوذكسيَّة[26] حتى ضربَها زينون فنصَّبَ بطرس القصّار أسقفاً عليها في النصف الثاني من القرن الخامس. ومع ذلك تمَّ إسقاطه مراراً وعادَ الى السدَّة أربع مرّات. وكان أصحاب أي قسطٍ من الثقافة في غربي الفرات يعرفون اليونانيَّة. فالمتآخون في الأرثوذكسيَّة من الناطقين فقط بالسريانيَّة أو المثقَّفين بالثقافة اليونانيَّة بقَوا على أرثوذكسيَّتهم ولا صحة لزعم الزاعمين أن المتيونينيّين (أي المثقَّفين يونانيّاً) وحدهم كانوا أرثوذكسيّين. فمعجم التاريخ والجغرافيا المذكور نفيَ ذلك قطعاً فقالَ إن العنصر اليوناني في سوريا كان موظفين إداريّين وعسكر وتجّار. ولكن في الحيرة (العراق) وشرقها كان الناس بأغلبيَّتهم من النسطوريَّين(ثبتَ الآن العكس) بينما انتشرت اليعقوبيَّة في غربي الفرات وحوله. طبعاً لم تكن القِسمة تامَّة. بقيَ للأرثوذكس في العراق رئيسٌ ديني يلقَّب بالكاثوليكوس وكان فيه يعاقبة. أما الأرمن والأحباش فانضمّوا الى اليعقوبيَّة[27].

الفصل الخامس

المجمع الخامس المسكوني

ولم يقف الأمر عند الصراع الديني المبطَّن بالقوميَّة بل تجاوزهُ الى صراعٍ إجتماعي وإقتصادي. فالطبقة اليونانيَّة هي طبقة رأسماليَّة كبيرة عاتية. (رقم 8 مصادر)

ما انقطعت محاولات التوفيق عنفاً أو سِلماً. كان للقصر أدوار سلبيَّة في كثيرٍ من الأحيان. إجتهد الأمبراطور جوستنيانوس في التوفيق في العام 532 فعقدَ اجتماعاً للفريقَين للتحاور. وإن لم يأتِ بالإتحاد، فإنه على ما يبدو، ساعد في النضوج اللاهوتي. فمنذ ذلك التاريخ حتى إدانة المونوفيزيَّة في القسطنطنطينيَّة في العام 536، نلاحظ نشاطاً أرثوذكسيّاً لاهوتيّاً رائعاً. وأخيراً انعقدَ المجمع الخامس في العاصمة في العام 553. يرى النقّاد أن هذا المجمع تأثر جدّاً بكيرللس الإسكندري واستعمل عباراتهِ. إستعملَ عبارة “الإتحاد بحسب الأقنوم”[28] الواردة في الحرم الثاني من حروم كيرللس ضد نسطوريوس. وهذه العبارة مقبولة بعد أن فرَّق المجمع الخلقيدوني بين معنيَيّ أقنوم وطبيعة. وبهذا يكون المجمع قد أخذ عبارة كيرللس الأخرى “الإتحاد بحسب الطبيعة” بمعنى أرثوذكسي لا بمعنى مونوفيزي. ويرَون أنهُ قبِلَ عبارات كيرللس وسويروس الأنطاكي وسواهما المتعلّقة بالتمييز بين الطبيعتَين “نظريّاً، فكريّاً …” فقط[29].

لم يكن سويروس آنذاك على قيد الحياة، وإلّا لقابَلَ المجمع بإيجابيَّةٍ تامَّة أو على الأقل بإيجابيَّة كبيرة. فما كان الطرفان يتوقان إليه دون قدرةٍ على التعبير الكامل عنهُ صار داني القطوف. فالمجمع الخامس عالج كيفيَّة الإتحاد بين طبيعتَي المسيح. قال لاونديوس الأورشليمي إن الطبيعة البشريَّة هي بلا أقنوم ولكن حين التجسُّد صار أقنوم إبن الله أقنوماً لها. فأقنوم إبن الله سرمديٌّ مثل أقنوم الآب. عند ملء الزمان ضمَّ إليهِ طبيعةً بشريَّة كاملة هي بلا أقنومٍ بشري، ولكنها صارت مقنَّمة أي ذات أقنومٍ في يسوع: أقنوم ابن الله صار أقنوماً لطبيعتهِ البشريَّة. إتحاد شخصَين (أي أقنومَين) هو مستحيل ولكن إتحاد جوهرَين كالروح والجسد مثلاً ممكناً. ليسا شخصَين بل شخصاً واحداً. الجوهران ousia اللاهوتي والبشري في أقنوم (أو شخص) يسوع الواحد.

سويروس الأنطاكي، قبِلَ وجود جوهرَين في يسوع وصِفتَين وخاصَّتَين (مين 86، 2: 1848 ولوبون ايضاً ص 215 و 387). وقبِلَ بوجود فرق بين الجسد وكلمة الله (مين نفسه: 1845) ونفى المزج بين عنصرَي يسوع (لوبون 230). سويروس وفيلوكسينوس وقبلهم تيموثاوس الهر قالوا بأن الجوهر البشري موجوداً في أقنوم الكلمة (لوبون 411-412).

أعلن سويروس من صميمهِ استعدادهِ للإعتراف بـأن مجمع خلقيدونية ولاون متفقان مع كيرللس الإسكندري إن صدرَ شرحٌ يُفيد الى أن خلقيدونية ولاون قالا بالتمييز الواقعي بين الطبيعتَين ولم يقولا بالفصل بين اللاهوت والناسوت (حاشية 6 من ص 580 من المجلَّد 1 من Das konzil ). لا شكَّ أن هذا المطلب المشروع لقيَ جوابه في المجمع الخامس، فمناظرو سويروس من الأرثوذكس لم يكونوا فحولاً في اللاهوت بالرغم من كل الحصار الذي حاصرهُ به يوحنا النحوي ليُقرّب تعبيرهُ من تعبير خلقيدونية ولكن لم يحصل التقارب النهائي[30].

أمعنَ يعقوب البرادعي في الرسامات بلا تراجع حتى صرنا كينَين مستقلَّين متناحريَن، ما زادنا تعاقب الأيام إلا مشاحنات وبغضاء وانفصامٍ عرّى باسم المسيح والمسيح من هذا براء. فالأحقاد والمشاحنات والعناد والنعرات القوميَّة والإستقلاليَّة ضريت أطنابها كل مضرب. وإذا استلهَمنا قول ابن العبري (اليعقوبي الشهير في القرن الثالث عشر) في البيزنطيّين والسوريّين والأرمن، إهتدَينا الى قسطٍ وافرٍ من الحقيقة. السوري حسود غَيور، فإذاً، هو مفطورٌ على المناحرات والشِقاقات. البيزنطي متعجرف، وهذا نلمسهُ في معاملة بعض الأباطرة والولاة كما نلمسهُ فيما كتَبَهُ توما أسقف كفرطاب الماروني الى بطريركنا في العام 1089 (رستم 2: 61-62) والأرمني يهودي جديد، ونعرف انكماشه الديني والعِرقي.

ومع هذا، كان المسيح في النتيجة أقوى من هذه الإعتبارات. فقد التقينا في الأعوام 1964 و 1967 و 1970 و1971 و 1972 وأصدَرنا بياناتٍ بعد دراساتٍ جيّدة.

كان لاهوتهم في النهاية لاهوت كيرللس الإسكندري وديوسقوروس وتيموثاوس الهر وفيلكسينوس وسويروس الأنطاكي ويعقوب البرادعي وسواهم يتمسَّكون بحرفيَّة أقوال كيرللس في الطبيعة الواحدة. كيرللس يستعمل اللفظة مرادفاً للفظة أقنوم بينما نحن نفرّق بينهما تفريقاً قاطعاً. ولكن صارت الصورة أكثر وضوحاً للطرفَين.

بعد هذا العرض، لا بدَّ من الملاحظة أن بطاركة أنطاكية منذ دومنوس الثاني (441-449) وحتى أفرام الآمدي (527-545) (آمدي نسبةً الى آمد = ديار بكر) لم يكونوا على مستوى القضية في جميع الأحيان. ولم يكن الأساقفة أيام زينون والمغتصب فاسيليسكوس أفضلَ حالاً، فوقَّعوا للأمبراطورَين كما شاءا، فتهكَّمَ عليهم المؤرّخون (فليش ومارتان 4: 288 و 290 و 294 …) إلا أنهم كانوا أقوى شكيمة في مجمع صيدا (تشرين الأول 512) برئاسة البطريرك فلافيانوس وحضور ايليا بطريرك القدس.

عجز فيلوكسينوس أسقف منبج فيه عن تجميع أكثر من 10 أساقفة من اصل 80 رغم وجود ممثّل للأمبراطور انستاسيوس حاميهم (فليش 4: 313) وهذا كلهُ يذكرُّني بما كتبهُ الكاردينال نيومن عن الأزمة الآريوسية فاعتبر الشعب حامي الإيمان والصراع صراعُ أساقفة. حتى نصر 512 كان نصراً نسبيّاً لأن البطريركَين كتبا الى الأمبراطور أنسطاسيوس يعلنان قبولهما بمنشور الإتحاد الذي كان قد أذاعهُ الأمبراطور زينون (481-482) مهتمّاً بوحدة الأمبراطوريَّة لا بأرثوذكسيَّة الإيمان فأهمل فيه خلقيدونية (فليش 4: 292) هذا بينما كان بطريرك أنطاكية كلانديون قد رفضهُ حين ظهوره. سجَّل الأمبراطور به فشلاً إذ لم تنجح سياستهُ التوحيديَّة وذلك بفضل مقاومتنا لهُ. إلا أن ذلك كلَّف بطريركنا السقوط وحلول بطرس القصار مجدّداً في الكرسي (شتاين 2: 25-26 وفليش 4: 293-294) وشيئاً فشيئاً إنحصر اليعاقبة في مصر وسوريا والعراق وأرمينيا والحبشة: إختلطت القوميَّة والدين الى حدودٍ بعيدة حتى أن اتصالهم ببعضهم بعضاً في عصرنا تمَّ بمساعي بطريركنا المسكوني أثينا غوراس. وفي صيف 1975 عقد بطريرك السريان مجمعاً مسكونيّاً سريانيّاً بدون الأقباط والأرمن والأحباش.

ما مذهب المسيحيّين العرب قديماً؟

في سوريا كان الغساسنة وسواهم من العرب الآخرين على هذا المذهب غالباً بينما كان اللخميون في الحيرة العراقية على مذهب النساطرة غالباً.

إستشرت الأحقاد فالتقى اليعاقبة واليهود على التفاهم مع الفرس، فاجتاحوا المنطقة بما فيه الإسكندريَة بدئاً من العام 604

حاكم اليهود بطريرك الأرثوذكس في أنطاكيا صوَريّاً واغتالوه وجرّوا جثَّته. وخلع الفرس أساقفتنا بأعلى نسبةٍ ممكنة فجاء هرقل وردَّهم على أعقابهم. رغب بطريرك القسطنطينيَّة (السوري واليعقوبي الأصل) أن يخدم الأمبراطور، فطلع بنظرية توفّق بين الأرثوذكس واليعاقبة فكان يقول: للمسيح أقنومٌ واحدٌ وطبيعتان وفعلٌ واحدٌ ومشيئةٌ واحدة.

إتَّفق هرقل في منبج (محافظة حلب) مع بطريرك السريان أثناسيوس الجمال الذي عقد مجمعاً من 12 أسقفاً وهرقل وعائلته مصابون بلوثة. إستعملَ العنف فرفضهُ الأرثوذكس إجمالاً إلا نفَراً منهم. هذا النفَر مع قسمٍ من اليعاقبة ألَّف البدعة المعروفة في التاريخ باسم بدعة المشيئة الواحدة.

قاومها الراهب صفرونيوس الدمشقي الذي صار بطريركاً على القدس واستقبل فيما بعد الخليفة عمر بن الخطاب في العام 638.

وهكذا عرفت سوريا في العام 631 إنقساماً جديداً. حاول هرقل في العام 638 في بيانٍ عقائدي فرضهُ كعقيدةِ دولة ففشلَ في النهاية إلا أنهُ نالنا من سلالتهِ ما نالنا من اضطهاد. وصارت المذاهب أربعة: 1- الأرثوذكس، 2- النساطرة، 3- اليعاقبة، 4- أصحاب المشيئة الواحدة. هذه هي المذاهب الأصليَّة والباقي فروعاً لاحقة. رسم المعجم التاريخي الكاثوليكي الفرنسي شجرةً (المجلَّد 3: 583 و 584) نرى فيها أننا أصلُ جميع المسيحيّين في هذا المشرق. عالج رستم الأمر في المجلَّد 2 جيداً.

الخلاف بين الأرثوذكس واليعاقبة وأهل المشيئة الواحدة كان سطحيّاً أكثرَ منهُ أساسيّاً إلا أن التشدُّد وروح الشقاق السوري المزمن قطَعا الطريق طويلاً على الحوار البنّاء.

من الناحية الفكريَّة العامة، إنعكسَ الصراع اللاهوتي المسيحي على الفكر بإنقاذه من فلسفة الماهيّات، ووضعهُ في إطار مفهومِ الشخص. ولما سارَ توما الأكويني وخلفاؤه على خطى أرسطو، ضلَّ الغرب السبيلَ حتى جاءت الفلسفة الوجوديَّة على يد سورين كيركيغارد تمهّد الطريق للشخصانيَّة التي نادى بها بردياييف الروسي المهاجر ومونييه الفرنسي. وقد استلهما الفكر المسيحي إلا أن شخصانيَّتهما أنثروبولوجيَّة أكثر منها لاهوتيَّة. الشخصانيَّة اللاهوتيَّة لدى كتبَة الكنيسة الناطقين باللغة اليونانيَّة أعمق بما لا يُقاس[31].

كنا نتمنّى لو أن المجال يسمح بالتعرُّض للفرق المسيحيَّة في شبه الجزيرة العربيَّة، ونختصر فنقول: كان فيها نفرٌ من الأرثوذكس والنساطرة واليعاقبة وكان يلجأ إليها مبتدعونَ قدامى جداً من غنوسطيّين وسواهم ممن ورد ذكرهم في التواريخ المسيحيَّة وبخاصة تواريخ البِدع.

الفصل السادس

المدرستان الأنطاكيَّة والإسكندرانيَّة

كذَيلٍ لهذا العرض التاريخي الخاطف تستحقُّ المدرستان المذكورتان نبذة خاطفة.

إعتادَ العلماء المعاصرون على الكلام عن هاتَين المدرستَين كنهجَين مختلفَين. هم يحصرون غالباً “مدرسة أنطاكية” بديودوروس وثيودوروس ونسطوريوس ومن دنا منهم.

لا شكَّ أنَّ هناك مميزات لكلٍ من المنطقتَين. الإسكندريَّة مدينة مصريَّة يقطنها جمعٌ غفيرٌ من اليهود. فيلون اليهودي المعاصر لربنا يسوع نموذج عن عالم ديني يهودي تيونَنَ. في القرن الخامس قبل الميلاد زار هيرودوتوت المؤرخ والجغرافي اليوناني الشهير مصرَ، فقال في أهلها إنهم أتقى شعوب الأرض. وما زالت طبيعة مصر طبيعةَ ميلٍ قوي جداً الى العبادةِ والصبر ساعات طوال على الصلاة وسماع المواعظ. وقد روى لي سامعونَ إن بطريرك الألقباط شنودة الحالي يقف واعظاً ومُجيباً على الأسئلة طوالَ 6-7 ساعات كل يوم خميس. ولا غرابة في بيئةٍ كهذه أن يكون ايثار أفلاطون على أرسطو قاطعاً، وأن يكون لاهوت الإسكندرانيّين حماسياً روحيّاً رمزيّاً، وأن تكون قد أخرجت على يد امونيوس سكاس (والداه مسيحيّان) اوريجنس للمسيحيَّة وأفلوطين للفلسفة العامَّة.

أما سوريا، فقد شغفت بأشياء أخرى من المدنيَّة اليونانيَّة. ليبيانوس أستاذ باسيليوس وغريغوريوس اللاهوتي، والذهبي الفم أنطاكيٌّ(رأي تحت النقاش) تعاطى التدريس في القسطنطينيَّة وبلده أنطاكية وهو أشهر من نارٍ على علم. والآراميّون والفينيقيّون هم من أشهر سكان الأرض (مع اليهود) في فن التجارة.

فلا غرابةَ أن تكون بيروت قد احتضنت أشهر مدرسة حقوقٍ في التاريخ القديم وأن تكون وأنطاكية قد أخرجتا للدولة البيزنطينيَّة رجالات إدارة عديدين جداً.

ولكن لا يمكننا أن نفصل فصلاً قاطعاً بين المدينتَين، فوحدة الإيمان والتقليد ثابتة. شطط الأفراد لا يُعتبَر قاعدة. في أنطاكية، كما مرَّ معنا، كان أثناسيوس محترماً جداً. ثيوذوريتوس أسقف قورش في كتابه “المتسوّل” يستشهد به مراراً وانتهى الى الإستشهاد حتى بكيرللس بالرغم من كل ما كان بينهما من مرارةٍ وتكاتبا.

باسيليوس وصديقه غريغوريوس اللاهوتي أصدرا في شبابهما مختارات من اوريجنّس بعنوان “فيلوكاليا”. غريغوريوس النيصصي كان متأثراً جداً بأوريجنّس. ثيوفيلوس وهو خال كيرللس أقام الدنيا وأقعدَها على الذهبي الفم متَّهماً إيّاه بأنه أوريجنسي. ورهبانيّاً، باسيليوس وأخوه تركا على الكرسي الأنطاكي آثاراً عميقة.

مكاريوس المنحول وديونيسوس المنحول سوريّان في رأي كبار المحقّقين اليوم. تأثرهما بكبادوكية قاطع[32]. ايفاغريوس هو تلميذ غريغوريوس اللاهوتي، عاش في مصر وتأثر بأوريجنّس. ترك أثراً كبيراً في منطقتنا بما اندسَّ من كتاباته تحت أسماء أخرى أو صراحة أو في تفكير إسحق السرياني أشهر المؤلفين الروحانيّين. لاهوتيّاً، الكبادوكيّون هم سادة اللاهوت في الكرسي الأنطاكي ومصر. كتاب “المتسوّل” المذكور لثيوذوريتوس يستشهد بهم وبأثناسيوس والذهبي كثيراً.

والصداقة بين أفسابيوس الأنطاكي والكسندروس وأثناسيوس الإسكندريَّين حتى لاهوتيّاً معروفة، ويعتبر العلماء الأوَّل تلميذاً في اللاهوت للثاني.

الذهبي الفم خليفة غريغوريوس على القسطنطينيَّة (الذي عرف الصداقة التي كانت بين أسقفه ملاتيوس وباسيليوس الكبير) لا يخرج عن الإطار العام. يعتبره غريلماير إسكندرانيٌّ في اللاهوت. ولكن، بوضوح أفكاره ومنطقيَّته وبراعته في الخطابة، تجعلُني أراه قريباً من غريغوريوس اللاهوتي أيضاً. كلاهما شدَّدا على وِحدة يسوع.

أبوليناريوس نفسه هو إبنٌ لمصري (كان كاهناً في اللاذقية واستقبلَ في العام 346 في بيته أثناسيوس). أرسطويَّته واضحة ولكنهُ يشدّد مثل أثناسيوس على وِحدة شخص يسوع. وخلافاً لتركيز غريلماير في كتابهِ على وجود لاهوت أسماه “الكلمة-الجسد” (Logos-Sarks) فإن رسالة أثناسيوس الى ابيكتوس واضحة في ثلاثة بنود: 1- يسوع صار إنساناً ليخلّص الإنسان برمَّته ويُصيّرهُ إلهاً، 2- كلمة “جسد” تعني في الكتاب المقدَّس “الإنسان”، 3- ليسوع نفسٌ كاملة لا جسد فقط وقد تجسَّد وصار إنساناً، ولهُ طبيعة بشريَّة وهو الكلمة الإلهي الذي افتدانا واحتملَ من أجلنا كل شيء بما فيه الآلام. فالآباء القدماء فهموا جيداً أن كلمة “جسد” هي الإنسان برمَّته[33].

كان ابوليناريوس ذا حظوة كبيرة لدى اثناسيوس وباسيليوس لثباتهِ في عقيدة الثالوث ونضاله من أجلها. وقد علَّم في أنطاكية خلال عام 374 واستمع ايرونيموس فيها لدروسه.

ليس هناك حدٌّ فاصلٌ نهائيٌّ. هناك تقليدُ كنيسة يبرز واحداً في كل مكان بقيادة الروح القدس وإن اختلف النسق العقلي لدى الأفراد. فكيرللس في عقيدة التثليث هو تلميذٌ لأثناسيوس وللكبادوكيّين وفي صراعه مع نسطوريوس وصحبه استعمل على نطاقٍ واسعٍ عبارة غريغوريوس اللاهوتي: ما لم يأخذه يسوع لم ينَل الشفاء.

أي أن يسوع أخذ الإنسان برمَّته روحاً وجسداً وإرادةً. وبالرغم من أن خالهُ ثيوفيلوس كان خصماً لدوداً للذهبي، فإنه امتدح الذهبي واستشهد به (داليس) وأخذ عنه وعن الذهبي لاهوت سر القربان وتأليه جسد الرب ودمهُ لنا (قاموس الروحانيَّة 3: 1383-1385). كان مرشده الروحي القديس ايسودوروس الفرمي (الفرم تقع على شاطىء بحر الأحمر) قد ترك عليهِ أفضل الأثر في اتجاه الذهبي.

وايسودوروس هذا هو من أوائل المنادين بوِحدة الأقنوم وبالطبيعتَين في يسوع (غريلماير 496) وبروكلوس أسقف القسطنطينيَّة (434-446) هو تلميذٌ للذهبي الفم ومواطنٌ لنسطوريوس إذ كلاهما من أبرشية منبج،( يميلُ الإعتقاد في يومنا الى ان بروكلس قسطنطيني ) وقد مهَّد للمجمع الخلقدوني تمهيداً جيداً. أما خليفتهُ فلافيانوس فقد سار على خُطاه في المجمع المنعقد في 8-11-448 ضد اوطيخا وفي هذا المجمع استعمل باسيليوس (سلفكيه) وسيلفكوس (امايه) عبارة “في طبيعتَين”. كما أن فلافيانوس استعملها في رسالته الى الأمبراطور ثيودوسيوس. إستعمل باسيليوس (سلفكيه) هذا في المجمع عبارة “الإتحاد الأقنومي”. وفي أعمال المجمع تُليَت عبارة كيرللس “الإتحاد بحسب الأقنوم”[34].

فإذا تذكرنا ما قلنا لجهة تأثير غريغوريوس اللاهوتي على الأنطاكيّين (ثيوذوريتوس أسقف قورش، أندراوس السمسياطي وحتى نسطوريوس) وعرفنا أن بروكلوس استعمل عباراته، وجدنا أن هناك تيّاراً واسعاً بين مجمع أفسس ومجمع خلقيدونية يتَّجه نحو: 1- إستعمال عبارة “أقنوم واحد في طبيعتَين”، 2- الإتحاد الأقنومي، 3- الإتحاد بحسب الأقنوم[35].لاون بابا روما قال مثل هؤلاء: شخصٌ واحدٌ في طبيعتَين. (العبارة هي لغريغوريوس اللاهوتي في رسالته الى كليدونيوس وثيئوذوريتوس في رسالته 4 الى الرهبان التي تُعتبَر توسيعاً مُسهباً لرسالة غريغوريوس. وهكذا يكون ثيئوذوريتوس في خط غريغوريوس لا في خط نسطوريوس كما يتَّهمه البعض خطأً)

كرَّس المجمع الرابع الخلقيدوني إذن عبارة غريغوريوس. جاء المجمع الخامس فكرَّس العبارتَين الأخرييَن الشائعتَين.

ولذلك لم يكن المجمع الرابع تسويةً كما أراد أن يغمزَ باردي (فليش ومارتان 4: 240) بل معجزةً كما قال مايندورف (ص 24) وليس فقط تكريساً لعمق الإسكندريَّة ووضوح أنطاكية كما يرى كواستن (فرنسي 3: 207) وغريلماير (473-474) فالذي نجح بين أفسس وخلقيدونية هو تطوّر اللاهوتيّين نحو استيعاب ما قاله غريغوريوس في رسالته الى كليدونيوس وسواها لجهة تطبيق العبارات اللاهوتية عن الثالوث على التجسد. نقول في الّلاهوتيات: إلهٌ واحدٌ في ثلاثة أقانيم. ونقول في التجسد: أقنومٌ واحدٌ في طبيعتَين (الرسالة 101 الى كليدونيوس والعظات 37 و 38 و 45 المستشهد بهما في هذا الكتاب).

من هذا العرض يتضّح أن كيرللس الإسكندري لم يضرب المدرسة الأنطاكية ضربةً قاضية كما توهَّم مايندورف[36] (ص 11).

وقد استمرَّت أنطاكية على تخريجها اللاهوتيّين الّلامعين وعلى الصمود. فأفرام الآمدي ويوحنا النحَوي وأنسطاسيوس الأول وسواهم هم من فحولِ لاهوتيّي كنيستنا في القرن السادس. صفرونيوس الدمشقي هو أول أبطال الصراع ضدَّ المشيئة الواحدة هو وتلميذه مكسيموس المعترف،ويوحنا الدمشقي نهاية مطاف كبير. فمن المجمع الخلقيدوني الرابع الى المجمع السابع (787) لعب الكرسي الأنطاكي أبرز الأدوار اللاهوتيَّة.

ومن جهةٍ ثانية، نرى مايندورف يعطفُ على مدرسة أنطاكية. وهناك ميلٌ كبيرٌ اليوم الى إنصاف رجالاتها في القرنَين الرابع والخامس. لا غرو أنَّ منهجها في التفسير هو منهجُ دراساتِ الكتاب المقدس المعاصرة في الغرب. وهما أخوان في الأرسطويَّة والإهتمامات التاريخيَّة. فلا غرابة إن فازت إحصائيَّة أميركيَّة بالرقم 300 لعدد الكتب التي صدرت في العصر الحديث كتاريخٍ لحياة ربنا يسوع. ولكنها تخلو (أي الكتب) من النفحة الروحية. طالعت أجودَها وأضخمها لمؤلّفهُ الأب Fillion . إنه سردٌ تاريخيٌّ تفسيري بلغَ ذروة الروعةولكنها لا تغذّي الحياة الروحيَّة أبداً. من حسن حظ المدرسة الأنطاكيَّة (بالمعنى الضيّق لا الواسع) أن حاصرها كيرللس وتحصَّنت بالكبادوكيّين فتمَّ إنقاذ عقيدة إيماننا بوحدة شخص يسوع.

يذهب مايندورف الى أن الأنطاكيّين بقَوا لأسبابٍ فلسفيَّة يرفضون نسبة الآلام الى إبن الله. ويبدو أنه يصنّف ثيوذوريتوس بينهم (ص 45 و95) لقد خصَّ مايندورف الأمر بفصلٍ جيدٍ ذي مصادر جيدة. (كتاب تاريخ الكنيسة الأنطاكية الذي ترجمهُ المثلث الرحمات الأسقف استيفانوس حداد إمتدح ثيئوذوريتوس وذكر أن القديس يوحنا إفخايطة يعتبرهُ الرابع بين آباء الكنيسة العظام. مايندورف ولوسكي وجان فييه الدومينيكاني يضعون ثيئوذوريتوس بين النساطرة. هذه سطحيَّةٌ لا عمقٌ).

إلا أني لا أوافقه على حشر اسم ثيوذوريتوس في زمرة الرافضين. ثيوذوريتوس هذا ألح َّفي مواضَع عديدة على أن الطبيعة الإلهيَّة غير قابلة للتألم والأعراض (الرسائل 85 و 93 و 126 و 145 و …) تبدو هاجساً رئيسيّاً لديه ضد بدعةٍ يحاربها.

ولكنه قال في الرسالة 93 إن “سيدنا المسيح قاسى الصليب” وفي الرسالة 104 (ص 27) نسبَ الصفات اللاهوتيَّة والناسوتيَّة الى الإبن الوحيد الواحد. وفي الرسالة 145 يقول أن جسده هو جسد ابن الله الوحيد الذي يُنسب إليه تألُّم الجسم (ص 168) في الصفحة 169 يقول إن الجسم هو جسم الرب. وفي الصفحة 171 إستشهد بقول لاون بابا روما: “ابن الله تألم” كما كان يستطيع أن يتألَّم، لا بحسب الطبيعة الآخذة بل بحسب الطبيعة المأخوذة. فالطبيعة غير القابلة للتألم أخذت الجسم القابل لهُ وبذلته من أجلنا لتنجز خلاصنا…” وفي مواضيع عديدة من هذه الرسالة والتي تليها (ص 187 و 191…) وسواهما يردد كثيراً عبارات أخذ ابن الله طبيعتنا. وهذا يجعله في خط كيرللس الذي وضع النبرة على ابن الله ولم يقم تناظراً بين الطبيعتَين اللاهوتيَّة والبشريَّة وبهذا يكون ثيوذوريتوس خارج خط نسطوريوس وثيوذوروس المصيصي.

وفي الرسالة 146 قال “إن الله الكلمة صار إنساناً” ليمنح بتألمه عدم القابليَّة للتألم، للطبيعة القابلة له (ص 187) وقال أيضاً إن ابن الله الوحيد كان هو نفسه غير قابل للتألم والموت كإلهٍ ولكن مائتاً وقابلاً للتألم كإنسان (191)[37].

هذا الموقف سليم وتقليدي. فالكتاب المقدَّس ملآن من النصوص المؤيّدة، وآباء الكنيسة منذ أغناطيوس الأنطاكي يردّدون العبارات التي تنسب الآلام الى الرب يسوع الإله (الرسالة الى الرومانيّين 6: 3 وغريغوريوس اللاهوتي واثناسيوس والجميع على هذا بما فيه دستور الإيمان). فليس الأمر محصوراً بكيرللس الإسكندري (مايندورف 93-94).

يركّز يوحنا فم الذهب في كل مناسبة على نسبة الصِفات والطبيعتَين الى شخصِ يسوع الواحد. الفرق بين آباء القرن الرابع وآباء القرنَين الخامس والسادس هو سِعة آفاق شخصيّات الأول وشمول نظراتهم بينما كان خلفاؤهم في القرنَين التاليَين ينطلقون أحياناً من النظرات الجزئية ولو خالفت التقليد المتوارث. فمثلاً إنكار نسطوريوس لأمومة العذراء لله مخالفٌ لتقليد الكنائس حتى في أنطاكية. شاء أن ينزّه اللاهوت عن الأعراض التي تعتري الخلائق فتطرَّفَ. بالإجمال هناك عمليَّة تناضح، تأثير متبادل بين الكتبَة الكنسيّين. فكيرللس نفسه قال بأنه ليس كل ما لدى الهراطقة غلطاً. ولم يخطأ نسطوريوس بتأكيده على الطبيعتَين بل بعدم توحيدهما (الرسالة 44 الى الكاهن ايفلوجيوس، مين 77: 224-228) والقديس برصونوفيوس الخصم العنيد للأفكار الأيفاغريوسيَّة (التي يصفها بأنها يونانيَّة) يعترف بفائدة الأقسام الزوجيَّة منها (مين 86، 893، 897). ثيوذوريتوس يجمع في كتابه “المتسوّل” في العام 447 لاهوت أنطاكية مع مصطلحاتٍ واستشهادات إسكندرانيَّة (مين 83: 177 و 192-193 و 245؛ قاموس الروحانية 3: 1383).

الفصل السابع

المدرسة الأوريجنّسيَّة

يتساءل ايفانس ما إذا كان من الضروري أن يطرح موضوع وجود مدرسة ثالثة غير مدرستَي الإسكندريَّة وأنطاكية ألا وهي المدرسة الأوريجنَسيَّة. أوريجنّس إسكندرانيٌ وكان رفيقَ دراسةٍ وصديقاً للفيلسوف الوثني أفلوطين. كتبَ كثيراً وكان عبقريّاً. هو أبرز شرّاح مدرسة الإسكندريَّة إلا أنه تأثر بأفكار أفلاطون وبخاصة في مسألة سبقُ وجود الأرواح وسقوطها وعودتها وهذا يتنافى مع الكتاب المقدَّس. فالروح والجسد مخلوقان سويّةً بدون أن يكون للروح وجودٌ سابق، ولا أزليَّةَ للأرواح، والسقوطُ تمَّ بالخطيئة التي ارتكبها إبليس أو آدم وحوّاء، والعودة الى الفردوس تكون بتجسُّد يسوع لا بصورةٍ تلقائيَّة كأنَ هناك قدراً محتوماً.

تأثّر بهذه الأفكار ايفاغريوس حتى صارت مسنداً رئيسيّاً في تفكيره. في العام 400 حارب ثيوفيلوس الإسكندري ذلك واتَّهم الذهبي الفم بأنه أوريجنّسي. إمتدَّ الخطر الى فلسطين فغزا الرهبان وبخاصَّةٍ دير مار سابا. أتى مار سابا نفسه الى الأمبراطور جوسيتنيانوس في العام 531 طالباً منهُ مكافحة الآريوسيَّة في الغرب والنسطوريَّة والاوريجنّسيَّة. ويرى بعض في هذا الجمع بين النسطوريَّة والأوريجنّسيَّة في تلك الحقبة إحساساً بالروابط بين الإثنَين. لا شكَّ أن أرسطويَّة الطرفَين واضحة، فأوريجنّسيّو فلسطين هم خلقيدونيّونَ إسماً ولكن على طريقةٍ ايفاغريَّة.

من أبرز ممثلي النزعة آنذاك لاونديوس الأورشليمي المترهّب في دير مار سابا والذي افترق عن مار سابا في القسطنطينيّة. أثَّر على التقي النافذ افسابيوس فتوصَّل الى دفع اثنَين من البارزين الى الصدارة فكان أحدهما ثيوذوروس اسكيداس الذي صار المستشار اللاهوتي لجوستنيانوس.

في الجدَل الدائر منذ مطالع القرن السادس كانت مسألةُ كيفيَّة اتّحاد الطبيعتَين في يسوع الشغل الشاغل للصراع بين الأرثوذكس واليعاقبة. فظهرَ دفاعٌ عن خلقيدونية (514-518) بقلم يوحنا النحَوي وذلك في كيليكيا السوريَّة فكان لهُ بُعدٌ كبيرٌ في التوفيق بين خلقيدونية وكيرللس (مايندورف 96-97). برزَ في الصف الأرثوذكسي أيضاً أفرام بطريرك أنطاكية ولاونديوس الأورشليمي وسواهما.

ولكن لا بدَّ من استطرادٍ حول بداية طرح الموضوع. لم يجد آباء الكنيسة في اللغة اليونانيَّة وعلوم زمانهم ألفاظاً صالحة للتعبير عن كيفيَّة الإتحاد، فاستعملوا لفظة Crasis (المزج) ومشتقاتها المستقاة من الفلسفة الرواقيَّة[38]. كان أغناطيوس الأنطاكي قد استعمل لهُ في رسالتهِ الى الأزميريّين لفظة “حامل الجسد” إلا أن لفظة “مزج” سادت حيناً طويلاً. غريغوريوس اللاهوتي بعبقريَّته الفذَّة لم يقبل اللفظة بحرفيَّتها لدى الرواقيّين، فالرواقيَّة-بالرغم من نبرتها الأخلاقيَّة- مشوبة بالماديَّة. غريغوريوس حاول في رسالتهِ الى كليدونيوس أن يفسّرها تفسيراً روحيّاً متكلّماً عن الإتحاد بين الكائنات الروحيَّة.

ولكن الّلفظة تعرَّضت للنقد. طعن فيها كيرللس (مين 76: 401 و 332) و ثيوذوريتوس (مين 76: 400) وسويروس الأنطاكي نفسه (لوبون 230) وسقطت من الإستعمال فدخلت المعركة ألفاظٌ أخرى أخلدُها “الإتحاد الأقنومي”، “الإتحاد بحسب الأقنوم”.

لاونديوس الأورشليمي أرسطَوي حاول تفسير لفظتَي جوهر وأقنوم (قاموس اللاهوت الكاثوليكي 15: 1994) وحاول أيضاً تفسير خلقيدونيَّة تفسيراً أوريجنَسيّاً ايفاغريوسيّاً. إختلطَ في ذهن الناس دهراً مع لاونديوس آخر هو الأورشليمي. لفتَالأنظار إليه في العام 1887 لوفس ثم تتالت الأبحاث أهمها أبحاث مارسيل ريشار[39].

وصدرت أخيراً أطروحة الدكتور داود ايفانس[40] تناقش السابقين وتعطي تحليلاً وافياً خصَّهُ مايندورف بصفحاتٍ بالإستنادِ الى معلوماتٍ إستقاها من ايفانس. إلا أن هذا يبقى أفضل مرجع. خُلاصة رأيه في الإتحاد هي:

لاونديوس الأورشليمي متأثر بايفاغريوس واوريجنّس. قال بأن كلمة الله موجودٌ سرمديّاً، ويتَّحد بهِ أزليّاً noûs(روح) وهذا “النوس” هو المسيح. كلُّ الأرواح سقطت بدرجاتٍ مختلفة. “نوس” المسيح لم يسقط وإنما اتَّخذَ جسداً. وينصرف الى تحليلاتٍ فيها قرابة من النسطوريَّة وتأثير أرسطَوي. يقول بوجودِ طبائع ذات أقنومٍ وبطبائعَ ليس لها أقنوم وإنما تقنَّمت في سواها. الطبيعةُ الإلهيَّة والجسد مقنَّمان[41]. الأقنوم هو “النوس” أي المسيح. (راجع 14 و 15 مصادر).

طبعاً هذا ضلالٌ مبين، لذلك إعتبرهُ معاصروه وريشار وايفانس ومايندورف وكل المعاصرين الآن اوريجنّيسيّاً هرطوقيّاً. ويتساءل ايفانس عمّا إذا كان إنكار ابوليناريوس لوجود “نوس” في ناسوت المسيح متأثراً برد الفعل على الأوريجنّيسيَّة.

هذا الضلال لقيَ مقاومةً ممتازة من لاونديوس الأورشليمي (الذي يرجع الفضل الى ريشار في اكتشافه لنا) والأمبراطور جوستنيانوس والشجَب القوي من المجمع الخامس المسكوني الذي بدا لآباء الكنيسة التالينَ لهُ (مايندورف) مجمعاً موجَّهاً ضدَّ النسطوريَّة ولكنهُ ضربَ البِدعتَين معاً[42] على ما نرى في المجمع السادس[43]، وانتهينا الى القول بأنَّ كلمة الله الموجود سرمديّاً إتَّخذَ من مريم طبيعةً بشريَّةً لها جسدٌ وروحٌعاقلٌ. وهذه الطبيعة هي بلا شخص ولكنها طبيعة بشريَّة تامَّة كالطبيعة التي نراها في الأفراد. لو كانت شخصاً لما كانت طبيعةً عامَّة ولا نحصر الخلاص بفردٍ واحد، ولما كان يسوع آدم الثاني الذي يتجدَّد ويلِد فيهِ جميع الناس. ولكن هذه الطبيعة تحتاجُ في وجودها الى مسند. فإن كانت بلا أقنوم فإن مسندها الأقنومي هو أقنوم كلمة الله، هذا الأقنوم الأزلي الذي يحوي سرمديّاً الطبيعة الإلهيَّة وصار في الزمن يحوي أيضاً الطبيعة البشريَّة، ومفهوم الإحتواء والتملُّك هذا، مفهومٌ آبائيٌّ قديمٌ نراهُ بخاصة لدى الكبادوكيّين.

الطبيعة الإلهيَّة لا تقبل تأليفاًولكن الشخص يقبلُ التأليف. بعد التجسُّد، يتألَّف أقنوم يسوع من طبيعتَين. لاهوتُه غير قابلٍ للآلام وإنما نستطيعُ أن ننسبَ الآلام الى أقنومهِ الإلهي مع أن ناسوتهِ[44] هو الذي تألَّم. واتّحاد ناسوتهِ بلاهوتهِ إتحادٌ أقنوميٌّ بينما نتَّحد نحن بالله بواسطة النعمة.

وبهذه الصورة ينحلُّ معنا إشكالٌ لاهوتيٌّ كبيرٌ. فالطبيعة الإلهيَّة، الجوهر الإلهي مشتركٌ بين الأقانيم الثلاثة يملكهُ كلٌّ منهم بتمامهِ بدون أي تجزئةٍ بينهم. هو بتمامهِ للآب وبتمامهِ للإبن وبتمامهِ للروح القدس. إن قلنا إنَّ الطبيعة الإلهيَّة تجسَّدت، نكونُ قد قلنا إن الثالوث القدوس قد تجسَّد. ولكن إن قلنا إنَّ أقنوماً من الثالوث القدوس قد تجسَّدَ فإننا نحصر التجسُّد بشخصِ ابن الله[45]. طبعاً نبقى في حدودِ السر الإلهي الذي لا تدركهُ أفهام الملائكة أنفسهم بل تسجد لهُ خاشعةً في سُبحٍ دائم.

الفصل الثامن

نظرة إجماليَّة

يتراءى للمنقّب أنَّ الأدمغة اللاهوتيَّة كانت تشحذ قرائحها شحذاً رائعاً في اتجاهاتٍ مختلفة، متصارعة حيناً ومتنافذة حيناً أخرى، حتى يَبين الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود فتتدخَّل الكنيسة بمجامعها المقدَّسة ومواقفها القاطعة لتقومَ بإلهامِ الروح القدس الكلام الفَصل. وما كان المؤمنون يتركون الأمور فوضى. كانوا رجال عقيدة صلبة، يتجنَّدونَ فوراً لحماية العقيدة من كل زيغٍ وضلال. ولولا ذلك لما كان الأرثوذكس والكاثوليك بعد 19 قرناً يتناقلون ما هو مشترك بينهم رغم كل ظروف الزمان وتقلُّباته. إنقرضت البِدع ورجالها في القرون الخالية وبقيَ العالم المسيحي القديم (عدا ضلال النسطوريَّة في مسألة الأقنوم وتوابعها) كتلةً عقائديَّة مرصوصة لا ينالُ منها الزمان ولا معاول التهديم.

جدول مقارنة

الأبوليناريَّة: أقنومٌ واحدٌ، شخصٌ واحدٌ، طبيعةٌ واحدةٌ إلهيَّة، مشيئةٌ واحدة، فعلٌ واحدٌ، جسدُ يسوع بلا روح. مريم أم الله.

الاوطيخيَّة: تزيد عليها كفراً فنقول إنَّ الطبيعتَين قد امتزجتا.

اليعاقبة: أقنومٌ واحدٌ من أقنومَين، شخصٌ واحدٌ، طبيعةٌ إلهيَّة واحدة من طبيعتَين، مشيئةٌ واحدة، فعلٌ واحدٌ، جسدُ يسوع ذو روح عاقل، يسوع إلهٌ كامل وإنسانٌ كامل، مريم أم الله.

النساطرة: أقنومان، شخصان، وشخص اتحاد، طبيعتان كاملتان، جسد يسوع ذو روحٍ عاقل، يسوع إلهٌ كامل وإنسانٌ كامل، مريم أم الإنسان يسوع.

الأرثوذكس وروما: أقنومٌ واحدٌ إلهيٌ مركَّبٌ في طبيعتَين كاملتَين، مشيئتَين، فعلَين، جسدُ يسوع ذو روحٍ عاقل، يسوع إلهٌ كامل وإنسانٌ كامل، الأقنوم الإلهي قنَّمَ الطبيعة البشريَّة لما ضمَّها إليه، مريم أم الله.

أصحاب المشيئة الواحدة: يختلفون عنا بالقول أن ليسوع مشيئة واحدة وفعلاً واحداً ولم يعودوا اليوم بموجودين إذ انضمّوا الى روما.

البروتستانت: فِرقهم عديدة. يرفضون القول إن مريم هي أم الله ( الأستاد جورج صبرا في كلية اللاهوت في الشرق الأوسط أعلَمني أنهم خلقيدونيون يؤمنون بأن العذراء مريم هي أم الله ولكن لا يؤمنون بشفاعتها. أظن أنهُ لوثري إذ إن دراتهُ العليا كانت في ألمانيا) الى جانب قولهم إن يسوع أقنومٌ واحدٌ في طبيعتَين. لذلك هم مزيجٌ منا ومن النسطوريَّة.

هذا الجدول يوضح تماماً أن مفاهيمنا اللاهوتيَّة عبرت في ممراتٍ ضيّقة وخطرة جداً حتى وصلت في العام 680 (المجمع السادس) الى النضج. فمنذ ظهور بدعة آريوس في الربع الأول من القرن الرابع حتى ظهور بدعة ابوليناريوس (بين 352-360) حتى العام 680 مئاتٌ من أدمغة أساطين الفكر العالمي وأشباههم دخلوا الحلبة حتى خرجنا منها سالمين. وما زلنا من بعدهم نجترُّ تحديداتهم الملهمَة إلهيّاً. الصيغة التي أوردتها احتوَت على 32 كلمة. نحتُها احتاج الى أكثر من 359 سنة. أبطالُ النحت هم ألمع رجال الفكر والروحانيَّة في تاريخ العالم بعد الرسل القدّيسين. هم أخلدُ مَن خلَّدَهم التاريخ بعد الرسل. كتب المسيحيون ووعظوا في هذا القرن لوحده عشرات الآلاف من الصفحات. لو جمَعنا كل ذلك عن 19 قرناً لجَمعنا مئات الآلاف من الصفحات. وما الدافع؟ إنه حرارة الإيمان التي يفتقر إليها فقرا مدقعاً المسيحيون العرب.

ما هي الملاحظات على هذا الجدول؟

كان أقرب الناس إلينا هم أصحاب المشيئة الواحدة ثم اليعاقبة. الاوطيخيَّة كفرٌ، تدنو منها نسبيّاً الأبوليناريَّة. النسطوريَّة شططٌ كبير. التطوّر في الفهم واضحٌ لدى الأرثوذكس. اليعاقبة توقفوا عند كيرللس حرفيّاً. إدخالناالتفريق بين لفظَتَي أقنوم وطبيعة كان انقلاباً في تاريخ اللاهوت قضى على كل التباسٍ وشقَّ الطريق واسعةً نحو الفلسفة الشخصانيَّة المسيحيَّة في حقل الأنتروبولوجيا (علم الإنسان). طبعاً منذ ايريناوس و … واثناسيوس حتى الكبادوكيّين والذهبي، لاهوتُ التجسُّد وآثاره على تقديسِ الإنسان وتأليههِ هامَّة. الكبادوكيّون شقّوا طريقاً واسعاً للاهوت الشخص في اللاهوت مع لمحاتٍ طيّبة بالمقابل نحو الإنسان. الذهبيُّ يتكلَّم بصورةٍ شائقة عن آثار التجسُّد على الإنسان وتحويله الى المرتبة الأولى بين الكائناتِ العقليَّة وارتفاعه فوق الملائكة (الخطب 5 على متى و 11 و 18 على يوحنا و 11 على كورنثوس الثانية وعن انتروبيوس و …) الإنسان كان في صميمِ الحديث عن التجسُّد الإلهي. إلا أن خلقيدونيَة والتهيئة لها والتطوّر اللاهوتي بعدها حتى المجمع الخامس أولاً ثم السادس ثانياً،كانت مراحلَرئيسيَّة نحو إبراز الإنسان كشخصٍ يواجه الله وكشخصٍ في عمليَّة اتحاد. وكان اتحاد ناسوت المسيح بأقنومهِ الإلهي المسنَد اللاهوتي الأعظم لها.

آباء الكنيسة هم مؤسّسو الفلسفة الشخصانيَّة، هم منقذو الفكر من ظلام الفلسفة اليونانيَّة التي تضخّم العقل وتهُمل بِنية الشخص كشخصٍ مخلوقٍ على صورة الله لينمو حتى ملء قامة المسيح الكامل.

الفصل التاسع

أبعاد عقيدة التجسُّد الأخرى

هذا الفصل صالحٌ لأن يكون أيضاً فصلاً في القسم الثاني من هذا الكتاب إلا أن وجودَهُ هنا يعطي المطالع متعةً تاريخيَّة لم أرِد أن أحرمهُ منها. المقارنةُ التي أجرَيتها تساعد على فهمِ ما يأتي. ولا يتوهَّمنَ أحدٌ أن أهميَّة الأمر محدودة، فالصيغة التي صِغتها أعلاه ذات مفاعيل شاسعة وتطبيقاتٍ واسعة في العلوم اللاهوتيَّة.

1- الإلهام الإلهي

فمثلاً، نظريّتنا في الإلهام الإلهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بعقيدة التجسُّد: في يسوع إلهٌ وإنسان. في الإلهام إلهٌ يلهِم وإنسانٌ مُلهَمٌ يقوم بينهما تعاونٌ synergie . الإلهُ يؤثّر في الإنسان ولكن طبعاً الإنسانُ لا يؤثّر في الإله.

2- الحياة الروحيَّة والإتحاد بالله

ومثلاً، الحياة الروحيَّة واتَحادنا بالله يقومان على هذا التعاون (ميندورف 233 وبورودين 26-235).

لولا تجسُّد المسيح لاستحالَ على الإنسان أن ينالَ النعمة الإلهيَّة التي تؤلّههُ[46]. ناسوتُ يسوع اتَّحد أقنوميّاً بالإله الكلمة. فسَحَ لنا المجال لأن ننال نعمة الروح القدس لنتَّحدَ بالله على قدرِ ما نُطيق. هناك الله والإنسان، هناك مشيئتان تلتقيان، هناك إنسانٌ يريد الله وإلهٌ يقبل الإنسان في شركتهِ فيسلّط إرادتهُ الإلهيَّة على إرادة الإنسان ليصنعها إلهيَّةً، ويؤلّه أفعالهُ وشخصهُ حتى يبلغَ ملءَ قامة المسيح.

هناك قربانٌ مقدَّس، نتناول فيه جسد الرب ودمهُ. الجسد والدم متّحدان أقنوميّاً بالإله الكلمة الإبن يسوع وهذا ما لم يحصل عليه الملائكة.

أنا أمتزجُ بدم الرب وجسدهُ وأحصل على التألُّه (الدمشقي، مين 94: 348 وبورودين، ص 43 ومايندورف 259 وفي قاموس الروحانيَّة 3: 1381 و 1382 … نصوص من اثناسيوس وباسيليوس وغريغوريوس).

كثيرون من الآباء قالوا إننا صرنا، بفضل التجسُّد، أعلى الكائنات وارتفعنا فوق الملائكة (غريغوريوس اللاهوتي الخطبة 38: 11 و 13 في مين 38: 322 و 325 وايضاً 45: 9 في مين 633-634 والدمشقي، غريغوريوس بالاماس، نيقوديموس الآثوسي ص 119، بورودين 43، مايندورف 219، والحاشيتان 32 و 259) (الدمشقي وغريغوريوس بالاماس علَّمانا أن الطبيعة البشريَّة التي اتَّخذها الرب يسوع هي وحدها إتَحدت بهِ أقنوميّاً، فلا العذراء ولا الكنيسة ولا المؤمنون اتَّحدوا بهِ أقنومياً. نحن نتَّحدُ بيسوع بالنعمة الإلهيَّة. لوسكي وبوبوفيتش وسواهما أخطأوا التعبير ههنا).

إمتزاجُنا بجسد الرب ودمهُ إنما هو خاصٌّ بنا نحن البشر دون سوانا[47]. وعلى صعيد العلاقات، يمثل القربان المقدَّس أعلى درجةٍ فيها. فالذين يتناولون القربان المقدس يشتركون في الخبزة الواحدة (كورنثوس الأولى 10)، يتَّحدون بالله ليجمعهم الى واحد (الدمشقي 4: 13 وستانيلواي، كونتاكت، العدد 84/ 1973 ص 294 و 295 و 297 و 307 وسواهما).

إمتزاجُنا بجسد الرب ودمهُ، إنما هو خاصٌ بالبشر دون سواهم ومع هذا يبقى اتّحادنا بالله مختلفاً عن اّتحاد ناسوت يسوع بلاهوته على ما أسلفنا (مايندورف، المدخل، ص 254 وسواه). ناسوتُ يسوع متَّحدٌ أقنوميّاً باللاهوت. أقنومُ يسوع الإلهي تملَّكَ الناسوت واحتواه في وِحدة شخصهِ الإلهي التي لا تنفصم أبداً. يسوع واحدٌ في طبيعتَين. كل إنسانٍ شخصٌ. في التجسُّد صار يسوع آدمَ الثاني الذي نولدُ فيه بالمعموديَّة ونصيرُ أعضاءَ جسده الذي هو الكنيسة. وإنما أشخاصُنا لا تتَّحدُ به أقنوميّاً. يبقى عليها أن تمتلكَ الروح القدس بأعلى الطاقات الممكنة لكي نصيرَ بأعلى قدرٍ ممكنٍ للإنسان، مسكناً للثالوث القدوس بنعمة الله غير المخلوقة (في بورودين ومايندورف ولوسكي عبارات كثيرة مشابهة. وأيضاً قاموس الروحانيَّة 3: 1382 و 1386 و 1387).

3- الأنتروبولوجيا

ومثلاً، الرؤية الأرثوذكسية للإنسان. إستعانَ الآباء لتفسير الثالوث أو التجسُّد بتكوين الإنسان (باسيليوس، كيرللس، اوغسطين …)

سويروس الأنطاكي لجأَ الى ذلك كثيراً على ما ذكَر لوبون. المجمعان الرابع والخامس المسكونيّان صارا مسنداً لنظرةٍ أعمقَ بما لا يُقاس. بدلاً من أن نفهمَ الله من وراء فَهمنا للإنسان، صِرنا نفهمُ الإنسانَ من وراء فَهمنا لله. ما دمنا نقول إن يسوع أقنومٌ واحدٌ في طبيعتَين، في جوهرَين، وإن الإنسان مخلوقٌ على صورة الله ومثاله، فمن المنطق السليم أن نقولَ إنَّ الإنسانَ شخصٌ، إنه أقنومٌ يملك روحاً وجسداً وإن اتَّحادهما سرٌ لا يدركهُ العقل. خلقَهُ الله شخصاً واحداً ونضدَ في شخصهِ روحاً وجسداً (غريغوريوس اللاهوتي، الخطبة 45: 9).

غريغوريوس النيصصي ومكسيموس المعترف وضعا الى حدٍ بعيدٍ أسس الأنتروبولوجيا الآبائيَّة الشرقيَّة. مكسيموس وكاباسيلاس والبعض الآخر يذهبون في الأمر الى حدٍ قصي. يرَون في التجسُّدَ الإلهي الغاية التي من أجلها تمَّ خلق البشر، ويرَونَ أن التجسُّدَ كان سيقع ولو لم يرتكب الإنسان الخطيئة[48]. هو البداية والنهاية ولكن بما أن الإنسان ارتكب الخطيئة فقد كان موت المسيح لافتدائنا ضروريّاً.

بعبارةٍ أخرى، كان التجسُّد سيقع في مطلق الأحوال، بينما الصلب وقعَ بسبب الخطيئة[49].

ويسوع هو النموذج الذي تمَّ خلق الإنسان على موجبهِ. فالله خلقَ الإنسان على موجب ما سيكون عليه ناسوتَ يسوع أثناء التجسد الإلهي[50].

الجدير بالذكر هنا أن مكسيموس المعترف نفى أقوال الأوريجنّسيّين القائلين بسبق وجود الروح. فقال إن الروح والجسد يقومان في آنٍ واحدٍ معاً، والروح تُحيي الجسد وهو بحاجةٍ إليها وهي بحاجةٍ إليه (مين 91: 1321-1341 و 517 و 529 و 64). فالمسيحُ اتَّحد بالناسوت منذ الحبَل بهِ. والروح والجسد متَّحدان منذ بداية كلّ منهما. وجودهُما مترافقٌ زمنيّاً، كلٌّ منهما معاصرٌ للآخر.

بورودين ذكرت-دون ايراد المصدر كعادتها- إن مكسيموس قال في الإنسان إنه “الإله المخلوق” وأن سيرج بولغاكوف الروسي قال فيه إنه “أقنومٌ أرضيٌّ لله” حقيقي بينما لدى مكسيموس هو أقنومٌ أرضي للكلمة “الذي بهِ كان كل شيء” (ص 43).

غريغوريوس اللاهوتي قال في الإنسان: “إنه إلهٌ بالتبنّي” (القصائد الأخلاقية 10، 140 مين 37: 690).

كيرللس الإسكندري ذهب الى أنَّ كونَ يسوع إلهاً وإنساناً أتاحَ تحويل إنسانيَّتنا الساقطة الى النبل الإلهي (مين 75: 24-28 و356 و368) وقال: “نحن هياكل الروح القدس…بسببه نحن نسمّى آلهةً… كيف نصير آلهة وهياكل الله..؟ ولكننا، حقيقةً، هياكل وآلهة” (في الثالوث 7، مين 75: 1089).

ديونيسيوس المنحول قال:”وتألُّهنا هو أن نُشبهَ الله ونتَّحدَ به على قدر ما نستطيع…” (الرئاسة الكنسيَّة 1: 3-4 مين 3: 373 – 376 وأيضاً 3:3 مين 429، و 7 مين 436، وألسماء الإلهيَّة 8: 5 مين 893).

صفرونيوس الدمشقي-الأورشليمي قال: “بشرى سارَّة بها، نحن المرذولين، إرتفعنا وتمَّ تأليهنا وتصييرنا آلهةً بالنعمة… لقد تمَّ إظهارنا كلُّنا آلهةً” (مين 87: 3284).

مكسيموس قالَفي نفخة الله لصنع الإنسان إنه الأقنوم المخلوق على صورة الأقانيم الإلهيَّة (مين 91: 1217 وريو ص 75). وقال أيضاً إن الإنسان “شخصٌ مؤلَّف” (مين 91: 488) و “أقنوم” (مين 91: 552 وأمكنة أخرى أيضاً).

اولفييه كليمان قال في الإنسان إنه “إلهٌ صغير” وكرَّر مع صفرونيوس “إلهٌ بالنعمة” … عالمٌ صغيرٌ microcosme (مجلة كونتاكت، العدد 68/1969 ص 304).

بذلَ بعض المعاصرين جهوداً محمودة في ميدان التركيز على أن الإنسان شخصٌ أو أقنوم. بدأت بورودين المسعى الحميدفي العام 1932 بسلسلةٍ من المقالات كان لها أوسعَ الأثر كما ذكر الكاردينال دانييلو، وفيها فصلٌ جيّدٌ بعنوان “الأنتروبولوجيَّة الصوفيَّة” وفي مقالاتها في مجلة oecuménica في العام 1939 تحدثت عن صورة الله في الإنسان بصورةٍ رائعة. ثم برز فلاديمير لوسكي ذو الهاجس الثابت لتحديد معالم الشخص حتى اعتبرهُ البعض “لاهوتي الشخص” أي العالم اللاهوتي في التحدث عن الشخص باختصاصٍ لامعٍ. ركَّز في مؤلفاته اللاهوتيَّة على مفهوم الشخص وخصَّهُ في العام 1957 (العدد 24 من الميساجي) بمقالٍ وردَ فيما بعد في كتابه “على الصورة والمثال”. وقد نشر تلميذه اوليفييه كليمان في المجلة نفسها لعامَي 1964 و1965 (الأعداد 47-50) دروسَهُ اللاهوتيَّة وفيها قسم عن الأقنوم. في المجلة نفسها بعضٌ من دروسه عن الشخص. وقد أجادَ تلميذه اوليفييه كليمان في هذه المجلة، إذ قامَ بعملٍ جيدٍ فنسَّقَ شتات ما قالهُ أستاذه في مؤلفاته أو الدروس التي ألقاها في معهد القديس ديونيسيوس اللاهوتي الأرثوذكسي في باريس، فجاء العرض شاملاً متناسقاً متكاملاً. أحسنَ كليمان فيما بعد بنشرهِ في المجلة نفسها (الأعداد 46-50 لعامَي 1964 و 1965) دروساً للوسكي بعنوان “العقائديَّة الأرثوذكسيَّة” وقد ظهر في العام الماضي بالإنكليزية بعنوان “اللاهوت الأرثوذكسي: مدخل” وهو عرضٌ جيد وأسهل من كتبهِ الأخرى.

غريغوريوس اللاهوتي قال إن الإنسان عالم كبيرٌ كما سيمرُّ معنا، بينما قال مكسيموس إنه عالمٌ صغير microcosmos[51] خلقَهُ الله شخصاً على صورتهِ مدعوّاً لأن يبلغَ في النعمة الإلهيَّة مثال الله في الكمال الروحي. صورة الله فيه هي الشخص (لوسكي نفسه في عدة أمكنة منها “على الصورة والمثال”، ص 135-137) وقال لوسكي أيضاً: “الإنسان هو كائنٌ شخصي مثل الله وليس طبيعةً عمياء. هذا هو طابع الصورة الإلهيَّة فيه… علاقتهُ المطلقة كشخصٍ بالله شخصي يجب أن تسمح لهُ “بشخصَنة” العالم. لم يعد الإنسان يخلُص عبر الكون بل الكون عبر الإنسان لأن الإنسان هو أقنوم الكون كلُّه الذي يشترك في طبيعته. والأرض تجدُ معناها الشخصي الأقنومي في الإنسان. الإنسان، هو للكون رجاء نَيل النعمة والإتحاد بالله (رومية 8: 19-21). فالخليقة إذ أخضَعها الإنسان للبلبلة والموت تنتظر أيضاً من الإنسان، إذ صار ابن الله بالنعمة، انعتاقها” … والشخص … يجد مثله حينما يعطي طبيعتهُ، حينما يتسلَّم الكون ليقرّبه لله … عبرنا نحن فقط العالم، كالجسم الذي هو امتداده، يستطيع أن ينال النعمة. لأنهُ ليست النفس فقط، بل جسم الإنسان هو مخلوق على صورة الله. قال غريغوريوس بالاماس: “معاً قد خُلِقا على صورة الله” … الكائن الشخصي يعني كائناً حرّاً، مسؤولاً … قادراً على أن يحب أحد الناس أكثر من طبيعته الخاصة، أكثر من حياته …” (العقائديَّة الأرثوذكسيَّة، العدد 48 ص 227-228) وهو متأثر بمكسيموس هنا.

في النهاية الإنسان هو أقنوم يحوي طبيعة، أقنومٌ مُطالب بأن يتوجّه بكل شخصه الى الصيرورة إلهاً بفضل نعمة الله، وجهوده هو العملاقة.

فالطبيعة لدى الآباء ذات معنى ديناميكي لا ذات معنى ثابت[52]. وقد قال الآباء أن الله وضع في الإنسان ما يجعل الإنسان يتجهُ الى الله ويرغب فيه ويفتش عنه. وركز النيصصي بصورةٍ واسعة على امتداد الإنسان نحو الله بشوقٍ مضطرم لا يبرد، تركيزاً رائعاً فلا حدود قاطعة. نمتدُّ الى الله بلا انقطاع ولا نهاية، الى الأبد وذلك بدون أن نستطيع نحن معشر المحدودين أن نشبع من الله اللامتناهي. فسعيُنا إليه متواصل، لا يتوقف أبداً[53]، وكذلك الملائكة (بالاماس).

ومكمّلهُ مكسيموس لا يقلُّ عنهُ تركيزاً على الموضوع وكذلك سمعان اللاهوتي الجديد. فالله لديه هو الكلُّ في الكل. هو بدايتنا وهو نهايتنا. ومع كونه لاهوتيّاً متصوّفاً كبيراً، فهو رجل نضال لا تلينُ لهُ قناةٌ. جابَ دنيا المتوسط مكافحةً ضد بدعة المشيئة الواحدة. ولا يهمل العمل الإيجابي في تحاليله اللاهوتية.

يركز على المعرفة الإلهية المقرونة بالفضيلة الإيجابيَّة المناضلة وبالعمل المتقَن المركَّز[54]. وحتى راهب متصوّف نقل الى جبل آثوس حرارة “صلاة يسوع” كغريغوريوس السينائي[55]الذي ركَّز على العمل أوسعَ تركيز. فتراخي الأرثوذكس إذاً، ليس قائماً على التعليم إذ تعليمهم ايجابي كما ذكرنا قبلاً، بل على عيبٍ في النفس.

مكسيموس المعترف قال “إن الإنسان هو كنيسةٌ صوفيَّة… الكنيسةُ إنسانٌ روحيٌّ، والإنسان كنيسةٌ صوفيَّة” (مين 91: 672-684 في كتابه الميستغوغيا حيث يتحدّث عن بناء الكنيسة والخدمة).

باسيليوس قال على ما ذكر غريغوريوس في رثائه لهُ: “أنا خليقة (من خلائق) الله مدعوَّة لأن تكونَ إلهاً” (مين 36: 560).

غريغوريوس بالاماس، على غرار مكسيموس والكبادوكيين، يضع النبرة بقوة على الأقانيم الإلهيَّة (مايندورف، المدخل، ص 292، و 297). وهو يذكر ثلاثة أنواع من الإتحادات: إتحاد الأقانيم الثلاثة في الجوهر الواحد، إتحاد طبيعتَي المسيح في أقنومٍ واحد، إتحادنا بالقوة الإلهية التي تؤلّهنا[56].

في هذا الإتحاد الأخير نشترك في الحياة الإلهيَّة بفضل النعمة الإلهية. النعمة الإلهيَّة هي قوَّةٌ إلهيَّة غير مخلوقة صادرة من الثالوث القدّوس. تسكن فينا وبواسطتها نتَّحد بالله. هذه النعمة تتقنَّمُ فيَّ. الطبيعة البشريَّة تقنَّمت في يسوع، والنعمة تتقنَّم فيَّ. وكلَّما ارتقيتُ في الإتحاد بها، تعاظمَ اتحادي بالله (مايندورف المدخل، ص 254، 297 …)

ديميتري ستانيلوي يقول إن “أنا” الإنسان هو صورةُ “أنا” كلمة الله يسوع المعَد لأن يصيرَ ذاتاً للأشياء وإن يسوع الكلمة نفخَهُ فينا (كونتاك 84/1973 ص 298-302).

باسيليوس والغريغوريوسيان والذهبي ومكسيموس والدمشقي وبالاماس تحدَّثوا عن رئاسة الإنسان على الكون كملكٍ وسيّدٍ وذكروا أن الله خلقَ العالم أوَّلاً فأعدَّهُ كقصرٍ ومملكةٍ للملك الآتي، أي الإنسان[57]. ميَّز الآباء الصورة الإلهيَّة بالعقل والحرية والسيادة والحكمة و… وبعضهم ككباسيلاس (تبعاً للنيصصي) تحدَّث عن صورة الله في الإنسان، فجعلَ مقوّماتها طرقاً للتفتيش عن مثيلاتها في الله (كونتاكت، النص والحواشي 35 وما يليها)[58].

إلا أن أستاذي المرحوم بول افدوكيموف لم يكن موفَّقاً كل التوفيق في هذا الباب. لقد أحسنَ في انتقادهِ شخصانيَّة بعض المفكّرين المعاصرين فاعتبرَها شخصانيَّة كَونيَّة (كوسمولوجية) أو أخلاقيَّة او إجتماعيَّة (الحاشية 102 و ص 94) ذاهباً الى أن انتروبولوجيَّتنا هي اونتولوجيَّة وقائمة على عقيدتنا في الثالوث القدوس. وذكر مثل بورودين أن الإنسان “إلهٌ مخلوق” و”أقنومٌ مخلوق” وقال أيضاً إنه “إلهٌ بحسب النعمة” و”شخصٌ مخلوق”. كما ذكرَ تقنُّم النعمة الإلهيَّة فينا وتقنُّم الكون في يسوع بفضل ناسوتهِ. إلا أنه في الصفحات 68 الى 72 يُقيمُ تفريقاً بين الأقنوم والشخص فيجعل الأقنوم ما نصيرُ إليه، ويقول: “في الحالة الطبيعيَّة يختلطُ الشخص مع الفرد”.

وفي مقالهِ في مجلة كونتاكت، يحاول دعمَ ذلك بتحديد المجمع الرابع المسكوني الذي أقامَ واو العطف بين لفظتَي أقنوم وشخص. إلا أنهُ ذهلَ عن لجوء المجمع الخامس صراحةً الى إقامة المرادفة بينهما، وان المجمع الرابع صرَّحَ بوِحدة الشخص والأقنوم ليقضي على بلبلة القول بأقنومَين وثلاثة أشخاص في يسوع.

ومرَّ معنا أن الكبادوكيّين والكنيسة غرباً وشرقاً قبِلوا في القرن الرابع ترادف اللفظتَين في عقيدتنا الثالوثيَّة. إلا أن الأمر تأخر بالنسبة لعقيدتنا الخريستولوجيَّة في المسيح حتى القرن الخامس. وتنسب لفظة تقنيم الى لاونديوس الأورشليمي (ص 70 الحاشية 111) بينما وردت قبلاً لدى أبوليناريوس وابيفانيوس القبرصي. إلا أن لاونديوس جعلَ منها مصطلحاً لاهوتيّاً أساسيّاً في مذهبه. إنتزعها منهُ لاونديوس الأورشليمي وطهَّرها من أدران الأفلاطونيَّة الاوريجنّسيَّة.

صرنا اليوم نطلقها على تقنُّم الطبيعة البشريَّة في أقنوم ابن الله يسوع[59] وهو يعتبر القلب مركز إشعاع الشخص. ولكن سنرى أن لاهوتنا الآبائي يعتبر هذه الألفاظ مجازيَّة[60]. وفي مقاله في مجلة كونتاكت الفرنسية يحاول إدخال الطبيب النفسي شارل يونغ في عداد الشخصانيّين القريبين من اللاهوتيّين. أتحفّظ حيال ذلك. يونغ مؤمنٌ ومفاهيمه قريبةٌ من الدين نسبيّاً فقط. الأطباء النفسيّون إجمالاً طوَّروا نظريّاتهم باتجاه ال”أنا” و “الشخص”[61] ومع هذا يبقى البَون بيننا كبيراً. يتعاطونَ التحليل والتطبيب على أسسٍ وضيعة وموضوعيَّة. واللاهوتيّون يتجاوزون هذا الواقع النسبي الى المطلق. وإن كان يونغ قد أعطى ال “هو”soi معنى غير الذي اعطاه إيّاه فرويد الذي استعاره من نيتشهes(بالألمانيَّة) . ألفاظنا اللاهوتية أقوىتعبيراً عن المضمون اللاهوتي بمراحل شاسعة.

4- علاقة الجسد بالروح

الجسد هو أداةُ الروح على ما يرى الآباء كيرللس الأورشليمي (4: 23 مين 23: 15) وباسيليوس الكبير (ص 183) وأخوه النيصصي (ص 130). الروح لا تستقرُّ في مكانٍ محدود في الجسد وإنما ترتبط بكل جزء منه، تتَّصل بكل أداته أي الجسد بطريقة اتحادٍ ما غير قابلة للوصف، وبصورةٍ روحيَّة. وحيث يقع عطبٍ ما في الجسد تبقى الروح بلا نتيجة تنتجها ولا نفاذ (النيصصي، ص 129-132 و…)[62].

ويعتبر باسيليوس أن ال”أنا” يطلَق على إنساننا الداخلي. أما ما هو خارجي فلا نسمّيه “أنا”. الخارجي هو شيءٌ أملكهُ، هو مِلكي، هو لي. فيَدي هي جزءٌ من الإنسان وليست “أنا”. أقولُ يدي، أي أن اليد هي ملكي، هي لي، خاصة بي (183). “أنا” هو المالك. يدي هي المملوك.

ويسأل الذهبي الفم في عظته الخامسة ضد الأقنوميّين: ما هو جوهر النفس؟ كيف هي موجودة في جسمنا؟ هل هي منتشرة في كل كتلةِ الجسم؟ هذا مجهولٌ ومبهَم. الإمتدادُ خاصٌ بالأشياء الجسمانيَّة. فإن قطِعت يدا رجل أو رجلاه بقيَت نفسه هي هي. وإذا لم تكن في كل الجسم، فهل هي في قسمٍ من أقسامه؟ لا! لأن ذلك يعني موت الأقسام الأخرى، إذ أن كل ما ليست لهُ نسَمة حياة هو ميتٌ. النفس موجودة في نفسنا ولكن لا ندري كيف هي موجودةٌ فيه[63]. هذا التعليمُ مستمرٌّ في الأرثوذكسيَّة. القديس نيقوديموس الآثوسي في القرن الثامن عشر قال هذا القول مستنداً الى الدمشقي (” … والجسد لا يحوي النفس بل هي تحويه كما أن النار تحوي الحديد”). باسيليوس ومن عباراته الجميلة “الإنسان عالمٌ كبير megalocosmos (غريغوريوس بالاماس ” كل الخليقة كانت لأجل النفس: الناموس، النبوات، الأناجيل قد أعطيَت لأجل النفس … وتألم كتيراً وصُلبَ”[64]. غريغوريوس بالاماس سبقَهُفقال: “النفس هي في كل مكان في الجسد الذي خُلِقَت فيه، لا كأن لها مكاناً أو أنه قد احتواها، بل كممسِكةً للجسد معاً ومُعطيَةً حياةً لهُ”[65].

أما ديكارت الفيلسوف والعالم الفرنسي الكبير فقد ضلَّ السبيل وانطلق يفتّش في الجسد عن نقطة التقاء النفس والجسد. كان هذا الهمُّ موجوداً في الفكر اليوناني القديم، فذكرَ النيصصي أن البعض يجعلون الدماغ مركزاً وأن البعض الآخر يجعل القلب، إلا أنه نسخَ القولَين معاً وسما الى آفاقِالروح الرحبة. فالروح جوهريّاً هي غير الجسد.

إنزلقَ الفكرُ بعد ديكارت في التفريق، فهوى العلماء الى حضيض العلوم الماديَّة وانسلَّ الفلاسفة الى الإجترارات العقليَّة بدون حيويَّة وقيمة حياتيَّة ديناميكيَّة. تحجَّر الفكرُ وابتعدَ عن الحياة وعن تلوينها بألوان العمق الروحي الزاهية. صارت المادة معيار الفكر. فلو كان ديكارت في عهد آباء الكنيسة، لاعتبروه نسطوريّاً في نظرتهِ الى الإنسان. وما زال هناك مَن يرى رأيهُ بعد التعديل العلمي المعاصر. ففي القرن الماضي، قامت محاولات جادَّة لإقامة الدليل على أن الدماغ هو مركز النشاط العقلي. ولكنها فشلت جميعاً وتجدَّدت في هذا العصر فصارت الى الإفلاس التام.

في عدد أيار 1979 عقد جراح أميركي كبير مختص بجراحة الدماغ مقالاً جيداً في مجلة “المختار” (ص 81-84) هو يؤمن بالروح وخلودها ويقول إنها غير الجسد وإن العلم عاجزٌ عن تفسير ظاهرة الحياة وسيبقى عاجزاً. ومع أن الجراح يحمل دكتوراه في الفلسفة، فقد اعتبر الدماغ مركز الروح. فمع احترامي لكفاءتهِ الطبيَّة والعلميَّة، أرفض رأيهُ الفلسفي. الروح جوهرٌ خاص غير جوهر الجسد والحلول مفهومٌ مكانيٌّ، والمكانُ مادةٌ والروحُ غير مادة. فلا حيّزٌ ماديٌّ لها تسكنهُ بصورةٍ تقبل المعاينة المجهريَّة.

إلا أن الفكر المعاصر أُصيبَ بصدمةٍ مع ظهور مؤسس الوجوديَّة المسيحيَّة ككيركيغارد. فاكتشافه في مطلع هذا القرن كان بداية ثورة ضدَّ الأرسطويَّة ليهُبَّ على الفكر نسيمُ الإنجيل والفكر الوجودي العميق. أضف الى هذا، رجوع الغرب بكثافة الى آباء الكنيسة القدامى واللغة اليونانيَّة للتعمُّق اللاهوتي والفكري.

بعض العلماء المعاصرين توصَّلَ الى رأي آباء الكنيسة. فقد أوردَ كتاب Cosmos رأياً للدكتور بول شوشار مؤدّاه أن الدماغ هو أداةُ حياة الروح. فإذا تعطَّل الدماغ كليّاً أو أُصيبَ برجَّةٍ تعييه عن العمل، تلاشت الحياة الروحية أو توقفت[66].

5- الرجل والمرأة متساويان

ويبقى معنا فرعٌ أخير ألا وهو مسألة الجنسَين لدى البشر. فآباء الكنيسة لا يفرّقون بين الرجل والمرأة في الخلق على صورة الله ومثاله، ويعتبرون الرجل أقنوماً والمرأة أقنوماً ويكرّمون طبيعتهما بالتساوي ففضائلهما متساوية ومكافآتهما متعادلة وكذلك دينونتهما. وليست المرأة بضعيفة إذ أن الضعف هو من فِعل الجسد بينما تُقيم القوة في النفس (باسيليوس).

لا يقف باسيليوس عند هذا الحد، فيبدو أنهُ عرف في زمانه تفوّق النساء في الفضيلة على الرجال فتابعَ يقول: هل تستطيع طبيعة الرجل في وقتٍ ما من الأوقات أن تدخل في منافسة مع طبيعة المرأة التي تقضي حياتها في معاناة ألوان الحرمان؟ وهل يستطيع الرجل أن يقتني اثرهنَّ في التجلُّد على الأصوام والحرارة في الصلاة، وغزارة الدموع، والهمَّة في الأعمال الخيريَّة؟ (ص 213)

وإنه لجديرٌ بالذكر أن هذا الإطراء لتقوى لنساء صدَرَ في القرن الرابع، أي أيام العمل بالقانون الروماني الوثنَي الذي لم يكن قد نال سوى بعض التعديلات التي أملَتها الروح المسيحيَّة. (راجع كتابي “المرأة في نظر الكنيسة”)ونعرف أن هذا القانون لا يساوي أبداً بين الرجال والنساء فالسلطةُ فيهِ لرب العائلة. ولكن ذلك يعطينا صورةً واضحة عن التطوّر الذي طرأ على الأفكار وعن الإنقلاب الجذري الذي أجرتهُ المسيحيَّة حتى تفوَّقت النساء في ذلك القرن (قرن انطونيوس الكبير وأمثاله) على الرجال[67]. غابت هذه الرؤية عن الغرب، وبالرغم من التقدم المحرز على يد قانونيي القرن الثاني عشر، جاء تشريع نابوليون يُعيد أحكام القانون الروماني القديم ويقيّد حريَّة المرأة. جاء هذا القرن-وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية- يحرُّر المرأة أسوأ تحرير ليحشوَها بالغرور والبروز الكاذب على حساب الرجل الذي لا يؤمن في عقلهِ الباطن بذلك ، فاستغلَّ غرور النساء للتملُّق والتدجيل وتحويل المرأة الى دمية ومطيَّة لأهوائه المرفوضة القبيحة.

أما تاريخ كنيستنا، فيشهد للنساء بأنهنَّ حاميات الإيمان والتقوى والفضيلة. وهذا هو التفوّق الذي شهدَ بهِ باسيليوس شيخ آباء الكنيسة غير المنازع. أما هذا الإسترجال فمرفوضٌ لدى الأرثوذكس. وعلميّاً، يرى الأطباء النفسيّون[68] اليوم أن الرجال أخذوا يتخنَّثون. وفي حديثٍ مع اسكندينافيَّة في العام 1961 أثبِت لها من الطب النفسي أن قول كنائس اسكندينافيا الليبراليَّة باتفاق العلم والدين وتركيز التربية على الوداعة، واستعلاء النساء، هي التي نسفت الدين هناك وخلقت الأفكار الإنتحاريَّة وتخنُّث الرجال واسترجال النساء.

الفصل العاشر

خلاصة البحث (الثالوث، الشخص)

يجدر بنا في ختام هذا العرض أن نُجمِل القول مجدداً.

في اللاهوت، الأقنومُ يمتلكُ الجوهر. الألوهةُ الواحدة موجودةٌ برمَّتها في كلٍ من أقنوم الآب وأقنوم الإبن وأقنوم الروح القدس. النبرةُ لدى الآباء موضوعةٌ على الوجود الشخصي للأقانيم.

غريغوريوس اللاهوتي قال في يسوع إنهُ: “شخصٌ واحدٌ في طبيعتَين” وقال في الإنسان: “منضدٌ في شخصٍ واحدٍ الروح والجسد” (الخطبة 45: 7 و 9) واضعاً بصراحة النبرة على “الشخص” في أمر يسوع كما في أمرنا نحن البشر.

الآباء هم المؤسسون الحقيقيّون للشخصانيَّة. الشخصُ حرٌّ. بحريَّته يختار أن يكون إلهاً وبحريَّتهِ يهوى الى القاع. والحريَّة مفقودة في الفكر اليوناني القديم. يعتبر جاك شيفالييه الحرية سلاحاً قصمت بهِ المسيحيَّة ظهر الفكر اليوناني. رئيس أساقفة كانتربري وليم تينبل كتبَ مرة أن “خلقيدونية أبرزت إفلاس الميتافيزيكا اليونانيَّة[69]“.

الأقانيم الثلاثة يملكون الجوهر الواحد بالتمام. هم ملكُ كلٍ من الأقانيم مُلكاً تاماً. هو غير منقسم بينهم. هو لا يتجزأ. هم ثلاثة أما هو فواحد.

وبفضلِ هذا، كلٌ من الأقانيم يقيمُ في الأقنومَين الآخرَين بدون امتزاج. يبقى كلُّ أقنوم قائماً بنفسهِ بدون امتزاج بالأقنومَين الآخرَين مع أنهُ مقيمٌ فيهما. كلٌّ منهما يسعُ الآخرين، وهذه الوحدة هي الغاية القصوى التي يسعى إليها المسيحي. هو يسعى في الروح القدس ليكونَ واحداً مع الثالوث القدوس ومع إخوتهِ البشر، لتكونَ محبَّتهُ صورة عن محبة كل من الأقانيم للأقنومَين الآحرَين.

والأقنوم مفهومٌ منفتحٌ خِلافاً لمفهوم الطبيعة.

أقنومُ يسوع ضمَّ إليه طبيعةً بشريَّة فصارَ مؤلَّفاً من طبيعتَين احتفظت كل منهما بخاصَّتها.

في عالم الطبيعة، التأليف هو مزجٌ للطبيعتَين.

أما الآن، فإن يسوع-لأجلنا نحن البشر- فتحَ بالتأليف، الباب على مصراعَيه للطبيعة البشريَّة لأن تتَّحدَ أقنوميّاً بالطبيعة الإلهيَّة إتحاداً عجيباً غريباً لا تدركهُ الملائكة. فسكنَ ملءُ اللاهوت في الناسوت وصار مسحةً لهُ. وبهذا، شقَّ يسوع الطريق أمام البشر لكي يتألَّهوا بحصولهم على نعمة الروح القدس. فقد قال اثناسيوس المنحول: “إن الله نفسهُ صار حاملاً الجسد لكي نصير نحن البشر حاملين الروح” (مين 26: 996) وهذا ما كرَّرهُ كثيراً سمعان اللاهوتي.

هذا المنطلق العقائدي يعني أن الإنسان أقنومٌ منفتحٌ. لاهوتيّاً، هو يستطيع أن يتألَّه عن طريق النعمة الإلهيَّة، أن يكون مسكناً للثالوث القدوس. وبشريّاً، هو مدعوٌّ للإنفتاح على الأقانيم البشريَّة الأخرى في عمقِ محبةٍ لا تُسبَرُ أغوارها. إذاً، هو في موقفٍ ثالوثيٍ بين الله والإخوة وهو مدعوٌّ لأن يكون شريكاً ثالوثيّاً لله وللبشر كما ذكرنا. وقد برعَ مكسيموس المعترف في دفع تفريق الكبادوكيّين بين الأقنوم والجوهر الى نهايتهِ في آفاقٍ منفتحةٍ جداً يبدو فيها الإلحاح على الأقنومِ قاطعاً. الأقنومُ هو مرتكَزُ الجوهر وحاويه وحاملهُ، وهو لا يقبل التبعيض ولا التجزيء ولا التحليل الكيماوي أو البيولوجي أو الفيزيولوجي أو النفسي أو ما سواها، ولا يُعرَف بالحواس أو بالنظرة بل بحدسٍ داخليٍ غامضٍ لأن سر الشخص يدخل في عالم المجهوليَّة. غريغوريوس النيصصي يعتبر صورة الله في الإنسان مجهولة كالله أصلِهِ. والشخص غير قابل لا للتحطيم ولا للذوبان ولا للإندماج ولا للإنصهار كأنه مادة كيماويَّة.

ولدتُ من أبي وأمي، ولكن لكلٍ منا شخصهُ التام وعالمهُ المستقل. والشخصُ موجودٌ حاضرٌ يُشعرنا بحضورهِ بصورة لا تقبل الوصف الدقيق، لا يمكن وضع تعريفٍ لهُ. كلَّما توهَّنتُ أني أمسكتُ بهِ يهربُ مني. حتى حدسي بهِ مشوبٌ بالغموض الكبير. نحن أمام سرٍ اسمهُ سرُّ الشخص. يقول: “أنا”، و “أنتَ”، و “نحن”.

ولحضرتهِ سحرٌ خاصٌ لا يوصف. لا يقبل الدراسة المجهريَّة. عالمهُ عالم الآفاق المفتوحة على المجهول اللامتناهي. يتمتَّع بالحريَّة والعقل والفَهم والإستقلال والعفويَّة والإبداع والتسيّير الذاتي دون أن يستنفدهُ وصفٌ من أي نوعٍ كان. إنهُ كلٌّ قائمٌ بذاته متَّجهٌ الى الشخص المثالي أي الأقنوم الإلهي (الذي هو صورته الحيَّة) للإتحاد بهِ بالحدّ الذي يتحمّله الإنسان من تدفُّقِ أنوار الله عليه، ليكونَ الأقنومَ الأرضي، ليكونَ الإلهَ المخلوق أي الإنسان على مثالِ الأقنوم الإلهي، على مثال الإله غير المخلوق[70]. نعرفُ أننا أشخاصٌ، ولكن هيهات لنا أن نسبرَ أغوارنا كأشخاصٍ.

يوم اعتمدَ الرب يسوع، حلَّ عليه الروح القدس[71]. يوم نعتمدُ، نلبسُ المسيح، نولدُ في المسيح، نصبحُ أعضاءً في جسد المسيح (الكنيسة). ومع المعمودية، ننال مسحة الميرون المقدس أي ننال الروح القدس. باسيليوس وسواه علَّمونا أن الروح القدس يطبعُ فينا يسوع الذي هو صورة الآب. وإذ نراهُ فينا، نرى الأصلَ أي الآب (في الروح القدس 9: 23) ذياذوخس فوتيكي يقول إن النور يسكن في قلبنا بالمعمودية، وبالاماس إننا بالمعمودية نأخذ الروح القدس ونعمة التجلي.

وغني عن الكلام أن الشخصانياّت والوجوديّات في الفلسفة المعاصرة-مع كونها استوحت المسيحية-لم ترتقِ بعد الى هذا المستوى الرفيع. ذكر مونييه في كتابه “الشخصانيّة” أن آباء الكنيسة اليونان هم أول مؤسّسيها ولكن بقيَ نسبيّاً بعيداً عنهم لأنه مفكّرٌلالاهوتيٌ. ومع هذا كان لهُ ولصحبهِ فضلٌ في طرح موضوع “الشخص” حتى دخلَ في برامج تدريس الفلسفة في البكالوريا.

لم نطرح الموضوع من وجهة نظر النسكيّات لأن ذلك يستغرق مجالاً واسعاً وعدد الكتبَة كبيرٌ، ولكن لا بأسَ إن أتيتُ بخلاصةٍ عاجلة.

بالنسك، ينسلخُ الناسك من الشهوات والأهواء عامَّةً “وكل عبء وما يساورنا من الخطيئة” (عب 12: 1) كل طاقاته تنتقل على مراحلٍ من التلَف في الأهواء الشريرة الى الإزدهار المجيد في الروح القدس. تتخلَّصُ إرادتهُ من جميع العوائق الدنيويَّة لتصبحَ على أتمّ تعاونٍ مع الإرادة الإلهيَّة. فالجسدَنانيّات والدنيويّات مكرهةٌ لدى الناسك. يرتقي سلَّم الفضائل حتى تلتحم روحه بالله التحاماً يتقدَّس معهُ الجسد نفسه بعد أن يكون قد أماتَ رغباته الممقوتة. إذاً، من الواضح أن الآداب النسكيَّة تضع نبرةً عاليةً جداً على القيَم الصوفيَّة وعلى نفاذِ نور الله في روح الإنسان. وفي كلّ هذا من التعميق لقيمة الإنسان كشخص نجدُ ما لا تستطيع أن تلحق بهِ الفلسفة لأن الروح هي الأصل. الجسدُ يتقدَّس لأن الروح قد تقدَّسَت. قداسةُ الروح تنعكس على الجسد فتقدّسهُ. فلا غرابةَ إن كان الكاتب الروسي العالمي دوستويفسكي قد قال إن “الرهبان سيخلّصون العالم” فالنسك الصحيح هو الأرض الطيّبة التي يهطل عليها الروح القدس مدراراً ليؤلّهَ الإنسان[72]. ولنا عودةٌ الى الموضوع يوماً، بعد انصرافنا (عقب وفاة البطريرك الياس) الى النسكيّات والصوفيّات[73].

المراجع

إن التراث المسيحي العربي هو في أكثريَّته الساحقة مترجمٌ عن اليونانيَّة والسريانيَّة وقد نجح الأجانب في نقل المخطوطات الى الغرب وروسيا. في العام 1943 أصدرَ الأب الألماني جورج غراف كتاباً ضخماً من 5 مجلدات عن الآداب المسيحية العربية ولكنه تراثٌ مخطوطٌ لا مطبوعٌ إجمالاً. أجوَد ما طبعهُ الأرثوذكس هو كتاب “الأمانة المستقيمة” في العام 1791 لبطريرك القدس انثيموس. ترجم الموارنة “الخلاصة اللاهوتيَّة”لتوما الأكويني وبعض الكتب الأخرى. أصدر الأب يوسف حداد مجموعة بمثابة مدخل الى العهد الجديد ولكنها نقلٌ عن الفرنسيَّة، لذلك نؤثِر الإستشهاد بالمراجع الأجنبيَّة.

(1) المدخل الى الكتاب المقدَّس هو موضوع المجلَّدات الضخمة بالفرنسيَّة والإنكليزيَّة والألمانيَّة. بالفرنسيَّة، المدخل الرصين الموجز العالي السويَّة العلميَّة لكل سفر يتمثَّل في طبعة ال Bible de Jérusalemسفراً سفراً (طبعة 1973). أفضل مدخل عام ككتاب هو:

Robert et Feuillet, Introduction à la Bible (4 tomes)

يُضاف إليها على نطاقٍ علميٍّ أوسع جداً :

Supplément au Dictionnaire de la Bible

عن اليهوديَة يُراجع:

Lagrange, le Messianisme

Lagrange, le Judaisme avant Jésus-Christ

Bonsirven, Le Judaisme au temps de Jésus-Christ, Paris, 1935 (2 tomes)

Art. Judaisme dans Supplément au Dict. de la Bible.

المراجع عديدة أختار منها:

2- Serge Hutin, Les Gnostiques

3- Dupont-Sommer, Hist. des Araméens, p.48

4- William Barclay, New testament Words, p. 17

5-

a- Théophyle de Régnon, Etudes de Théologie positive sur la Trinité.

b- Joseph Tixeront, Histoire des Dogmes (3 tomes).

وقد ظهر في الفرنسيَّة والإنكليزيَّة كتب أرثوذكسيَّة تتحدَّث عن التثليث:

c- Vladimir Lossky, Essai sur la Théologie mystique de l’Eglised’Orient.

d- Trembellas, La Dogmatique de l’Eglise catholique orthodoxe (3 tomes).

اما بالنسبة للنصوص القديمة المنشورة بالفرنسيَّة والإنكليزيَّة، فنختار منها:

1- الأجزاء المختصَّة بأثناسيوس وباسيليوس وغريغوريوس اللاهوتي وغريغوريوس النيصصي وايلاريون ويوحنا الدمشقي وامبروسيوس في مجموعة:

2- The Nicene and Post-NiceneFathers.

Saint Basile, Lettres (3 tomes), éd. Belles-Lettres.

3- Saint Basile, sur le Saint-Esprit, éd. Sources Chrétiennes.

4- Saint Athanase. 4 lettres à Sérapion, éd. Sources Chrétiennes.

5- Grégoire de Naziance (le Théologien), Les Discours Théologiques.

6- Jean Damascène, La Foi Orthodoxe.

في العربيَّة راجع اسبيرو جبور، “يهوه أم يسوع”

6- Jacques Berque et divers, l’Ambivalence dans la Culture Arabe, p 302

7-

a- Fliche et Martin, t. IV p…287,…303,…,309…

b- Ernest Stein, Histoire du Bas-empire, t. II, p 158 et 626 n.1. (éd.de 1949)

c- Louis Duchesne, L’Eglise au VI s, p73.

d- أسد رستم، تاريخ الكنيسة الأنطاكيَّة 1. 352، 435 و 2: 56

8-

a- Stein, t. I, p 456, 459 ; t. II, p 37 (éd. De 1949).

b- Stein, t. I, p 298-300 (éd. de 1959); t. II, p 33-39.

c- Alain Ducellier, Miroir de l’Islam, p. 9-13.

d- Dict. d’Histoire et de Géographie ecclés. t III col 586, 587, 588, 602 et 612.

9- النواحي العقائديَّة مطروحة في المراجع العقائديَّة المذكورة آنفاً. أما المسائل التاريخيَّة فعلى نوعَين: تاريخ العقائد والتاريخ العام. لجهة تاريخ العقائد، تيكسرون المذكور أنفاً جيّد. أضيف إليه:

a- Jean Meyendorff, Le Christ dansla Théologie byzantine.

b- Aloîs Grillmeier, Le Christ dans la Tradition Chrétienne.

c- Aloîs Grillmeier, Das Konzil von Chalkedon (3 tomes).

d- A. d’Alès, le Concil d’Ephèse ; Le c. de Nicée.

e- Fliche et Martin, Histoire de l’Eglise, t. I-VI.

f- Prestige, God in Patristic Thought (Dieu dans la Pensée patristique).

g- Joseph Lebon, Le Monophysisme sévérien.

لجهة التواريخ العامَّة:

a- Fliche et Martin, ….

b- Vasiliev, The Bysantine Empire, (1952) ترجمة مصري بركاكة عن الطبعة الأولى القديمة

c- Ostrogorsky, Histoire de Byzance. مؤلفاته عن بيزنطية جميعاً

d- Charles Dhiel,

e- Stein

f- Louis Bréhier, La Civilisation byzantine (3 tomes).

وبالعربيَّة:

أ- الدكتور أسد رستم، تاريخ الروم (جزءان).

ب- الدكتور أسد رستم، تاريخ كنيسة أنطاكية (3 أجزاء).

ج- نبيه عاقل، الأمبراطوريَّة البيزنطيَّة، جامعة دمشق.

10- طرق لويس غارديه وج. قنواتي. المواضيع المطروقة هنا في الجزء الثاني من كتابهما “فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحيَّة” إلا أن الكتاب لا يخلو من أغلاطٍ عديدة. ولكن راجع الصفحة 294 ما قاله عن “الشخص” ترى أن اللفظة العربيَّة مثلها مثل اللفظة اليونانيَّة لا ترُد المعنى اللاهوتي إلا بعد معالجةٍ خاصَّة.

11-

Louis Bouyer, Histoire de ls Spiritualité chr.t.I

12- راجع نصوصهم في غريلماير 182، 183، 184، 185، 201، 376، 387، 485، 518، 578 وتيكسرون، المجلد 2:

Héfélé-Leclercq, Hist.des Conciles, t.II, p 219.

وعن الرواقيّين ونظرة المزج في فيزيائهم، الصفحة 27 من الكتاب التالي نقلاً عن أفضل كتاب معاصر في فيزياء اليونان:

a- Michel Spanout, Permanence du Stoïcisme, p.27.

b- S. Sambursky, Physical World of the Greeks, p162.

13- مقالات ريشار هامَّة لأنها اكتشفت لاونديوس الأورشليمي الذي كان لوفس قد خلطهُ مع لاونديوس البيزنطي فتناقلَ الخطأ كثيرون. وهي مع مقال غروميل في قاموس اللاهوت الكاثوليكي (المجلد 9: 400-426) Daz konzil

وكتابَي مايندورف وايفانس ومقالات هذا في دائرة المعارف الكاثوليكيَّة الأميركيَّة من أفضل ما ظهر حديثاً عن لاهوت القرن السادس ريثما يظهر الجزء الثاني من كتاب غريلماير، وهذه أهم مقالاته:

Marcel Richard, Le traité “De Sectis” et Léonce de Bysance”, Revue d’Hist.éclés.XXXV (1939), 695-723.

Marcel Richard, « Léonce de Jérusalem et Léonce de Bysance », Mélanges de Science religieuse, I (1944), 35-88.

Marcel Richard, « L’Introduction du mot Hypostase dans la théologie de l’Incarnation », dans Mélanges de Sciences religieuses, 2, 1945, p. 12-17.

Marcel Richard, « Le Néo-chalcédonisme », Mélanges …, III (1946), p 156-161.

Marcel Richard, « Léonce de Bysance était-il originiste ? » Revue des études Bysantines, V (1947), 31-66.

14-

David Beecher Evans, Leontius of Bysantium.

15- البروفسور والآنسة غيومون هما أكبر المهتمّين الآن بنشر المؤلفات الكاملة لإيفاغريوس الذي اختفى بنسبةٍ واسعة من اليونانيَّة فتقمَّص في السريانيَّة والأرمنيَّة حيث لم يضربهُ حرم كما ضربهُ المجمع المسكوني الخامس لدينا.

في الجزء الأول من الكتاب دراسة واسعة جداً عنهُ. وفي الجزء الثاني ترجمة لأحد كتبهِ. وفي قاموس الروحانيَّة يطالع المرء أفضل المقالات عن المؤلّفين الروحيّين وأبحاثهم.

Evagre le Pontique, 2t. Sources chr., n 170 et 171.

Dictionnaire de Spiritualité

16- مايندورف، الفصلان 3 و 4 ومؤلفات لاونديوس الأورشليمي (مين 86: 1399-1900) وأفرام الآمدي (فوتيوس، المكتبة، المجلد 4 ص 114-174 في مين أيضاً 103: 957-1024) و

Homélies pascales, p. 341-2 (sources chr.)

ويستطيع القارىء العربي أن يقرأ عن المجمع الخامس والمجامع إجمالاً في “مجموعة الشرع الكنَسي”. وقد انتقد مايندورف بحق ٍفي حاشية الصفحة 113-114 بعض العلماء الغربيّين الذين يتنكرون اليوم للمجمع الخامس المسكوني. وأضيفَ عليه أنَّ مجمع لاتران في العام 649 ضد المشيئة الواحدة انعقد برئاسة البابا مرتينوس الشهيد. وفي جلسته الثالثة (17/10/649) تُليَت حرومات المجمع الخامس وتُليَت في الجلسة الخامسة (31/10) خلاصة من إقرار إيمان المجمع الخامس (راجع ص 440 من هيفيلية-لي كلير). وقد ثبَّتهُ المجمعان المسكونيّان التاليان السادس والسابع ودخلت تحديداته في صلب التعليمَين الأرثوذكسي والكاثوليكي والترانيم الأرثوذكسيَّة تكريسٌ يومي له.

17-

a- Myrrha Lot-Borodine, La déification de l’Homme.

b- Constantine Cavarnos, St Nicodemos the Hagiorite, p 119 ; 115-120.

18- L. Thunberg, Micrososm and Mediator, Lund 1965.

19- Messager de l’Exarchat … no 30-31 (1959) p 152-174 et …

20- Jean Daniélou, Platonisme et Théologie mystique

21- Hans Urs von Balthasar, Liturgie cosmique (1ère éd. 1947) ; 2e éd. Allemande 1961.

22-

a- Alain Riou. Le Monde et l’Eglise selon Maxime le Confesseur.

b- Juan – Miguel Garriques, Maxime le Confesseur.

c- Christophe von Schonborn, Sophrone de Jérusalem. La Charité, avenir divin de l’Homme.

23- Paul Evdokimov, L’Orthodoxie ; Contacts, n68 et 37.

24-

a- Basile de Césarée, Sur l’Origine de l’Homme (Sources ch.).

b- Grégoire de Nysse, Création de l’Homme (S.C).

25- Jean Chrysotome, sur l’Incompréhensibilité de Dieu (S.C) p.295.

26- in Cavarnos, p 153.

27- Sacha Nacht et divers, La Psychanalyse d’Aujourd’hui, 2t. ; 1956.

28- Jacques Chevalier, Hist.de la pensée, t. II.

29- موضوع تأله الإنسان لدى آباء الكنيسة الشرقيَّة من أروع المواضيع. هو مطروق لدى الكتبة المذكورين أعلاه (بورودين، لوسكي، افدوكيموف، مايندورف). كتابا بورودين (تأله الإنسان، ونيقولا كاباسيلاس) ثمينان جداً في هذا الباب. كان غروس Gross قد جمع النصوص الآبائيَّة اليونانيَّة في كتابٍ صدرَ في العام 1938 ونفد كليّاً منذ سنوات عديدة. خصَّهُ قاموس الروحانيَّة بفصلٍ جيّد تحت كلمة divinisation (المجلّد 3: 1375-1389…)

30-

a- The Greek Orthodox Theological review; Brooklyn.

b- Wort und Wahreit, Dec 1971; Vienna, p. 11-181; Communiqué, p. 182-3.

أيُّها الآب السماوي

أيُّها الآب السماوي القدوس الذي منهُ صدرَ الإبن الوحيد بالولادة والروح القدس بالإنبثاق في كيفيَّتَين وحدَكَ وهما تعرفونها؛

يا أبتِ القدوس الذي مجدُكَ يفوق كل إدراكٍ ولا تدنو منكَ الأفهام إلا بالقدر الذي يسمح بهِ شعاع لاهوتكَ لمن يشاء الإبن الحبيب أن يكشفَ لهُ بنعمة روحكَ القدوس طرَفاً مما حول لاهوتكَ من نورٍ ومجد؛

يا أبا المراحم التي لا توصَف ولا تُحَد، يا مَن خلقتَ الأكوانَ بكلمة أمرك، فقلتَ لها: كوني فكانت؛ يا مَن خصَّصتَ الإنسان وحدهُ من دونها بعنايةٍ فائقة فاشتركتَ مع ابنكَ الحبيب وروحكَ القدوس كفخّاريٍّ حكيمٍ في إبداعهِ خِلقة حسَنة الصورة متقنَةَ الصنع، فرسمتهُ صورةً جميلة يسطعُ فيها جمالكَ أيها الجمال المطلَق. يا مَن جمَّلتهُ وحدكَ بين المرئيّات. بنفخةٍ منكَ منحتَهُ الروح وجعلتهُ نفساً حيَّةً وشخصاً، أقنوماً على صورة أقنومكَ الإلهي؛ يا مَن لم تشأ أن يبقى وحدهُ في وحشةٍ وعزلة وانطواءٍ على الذات، فخلَقتَ لهُ كخاتمة ِخلقكَ من لحمهِ ودمهِ حوّاءَ ليكونَ وإيّاها الإنسانَ الكامل في جسدٍ واحدٍ رباطهُ الوثيق المحبة على صورة محبَّتكَ للإبن والروح القدس ومحبَّتهما لكَ؛

يا مَن لم تهملهما حين سقطا من نور مجدكَ، بل وعدتهما بالمخلّص الذي يسحق رأسَ إبليس، فعبّأت التاريخ من الأفعال والألغاز والإيماءات والنبوات والمعجزات كشحنةٍ كبرى إعداديَّة لمجيء ابنكَ الوحيد في الجسد، فأتانا لما حان ملءَ الزمان، ليُخرجنا من عجز شريعة موسى ووهدة اليأس من أنفسنا ومن كل شيءٍ وينقلنا الى ملكوتِ نعمتهِ؛

أيُّها الآب القدوس، أنتَ القادر على كل شيء، الصانع هذه المعجزات التي يعجز العقل عن إدراكها، أمدِد ساعدكَ الرفيع والمس عقلي العاجز واسند قلبي المحطَّم. فقد تجاسرتُ على التكلُّم في لاهوتكَ بينما أنا إنسانٌ ملوَّثٌ بالإثم برمَّتي. إني بجاجة الى شعاعكَ ليدعمني ضدَّ هذه الجسارة الوقحة. فالنظرُ إليكَ يحتاجُ الى عيونٍ طاهرة، والتكلُّم في مجدِكَ الى لسانٍ نقي، وفكرٍ محميّ بالروح القدس وقلبٍ صار مقرّاً لابنكَ الحبيب. وأنا قد تعرّيَتُ بخطاياي التي لا تحصى من هذا المجد. وإلا لكنتُ بدَلاً من الكلام والتحليل، أذوب هياماً بكَ يا مَن النطق في شأنهِ عسيرٌ على الملائكة أنفسهم. ولكني أطمعُ في رحمتكَ ولطفكَ. فانقلني من الكلام الى الأفعال واغمر عقلي وقلبي بفَيضٍ منكَ ينسّيني كل شيء ما عداك، يا رجاءَ كل الذين لا رجاءَ لهم.

إرحمني بأعظم ما لديك من مراحم. وأيَّة رحمة أعظم من إرسالكَ ابنكَ متجسّداً مصلوباً! إرحمني إذاً بتجسُّده، بصلبهِ، بدفنهِ، بقيامتهِ، بصعودهِ. إجعل ذلك خاتم محبَّتكَ في قلبي، خاتماً مغروزاً غرزةً لا زوالَ لها أبداً. فحبيبُكَ هذا ابنكَ الوحيد الذي أفضتهُ على الكون بصورةٍ ملموسة في جسدٍ، ملأَ الكَونوجمعهُ في ذاته. هذا نفسُه اجعلهُ حظّي ونصيبي والمالىء الأوحَد لكل كياني في تطهيرٍ كاملٍ من كل رجاساتي التي لا تُحصى أبداً. فإنهُ ما من حائلٍ قطُّ يستطيع أن يقفَ في وجهك. فحطّم الحواجز وأَسكن ابنكَ فيَّ، وليس فيَّ فقط بل في جميع إخواني أحبائي بني الإنسان لأنهم لكَ. فاسكب تجسُّدَ ابنكَ فيهم واقدُد منهم هياكلَ لهُ ليكونوا جميعاً قدّيسينَ كما انك أنتَ قدوس.

فارحم وبارك وقدَّس ولا تصرف وجهَكَ عن أيٍّ من خلائقكَ، يا مَن بمحبَّتكَ تشمل كل الموجودات ورحمتكَ تسَع كل المخلوقات. فيا لطيف أُلطُف بعبادكَ أجمعين واغمرهم بنوركَ وحنانكَ، فأنتَ السميع المجيب الرحيم. آمين.

القسم الثاني

التجسُّد الإلهي

قال الذهبي الفم في يسوع إنهُ “أقرب إلينا من قرب الجسم من الرأس” (العظة 19: 3 على يوحنا)

وقال نيقولاوس كاباسيلاس إنهُ ” أقرب إلينا من نفسنا ذاتها” (مين 150: 712)

الفصل الأوَّل

1- مدخل

بعد أجيالٍ وأجيال من تخليص شعب العهد القديم من الأفكار الوثنيَّة وترسيخه في الإيمان بوحدة الله، وبتنزُّه الإله عن المادَّة والحصر، وفي الإعتقاد بأن الله روحٌ غير متناهٍ وكلّي الإقتدار، إنكسرَ سير الفكر والتاريخ بأعجوبةٍ جديدة من أعاجيب السماء: ملاكٌ في الناصرة يبشّر مريم الكليَّة الطهر والقداسة، حوّاء الجديدة، بأن الله آتٍ الى العالم بواسطتها.

لقد اختار الله قبلها كثيرين من الشعب المختار، فمنحَهم البركة وفوَّضَ المهام الإلهيَّة إليهم. ولكن ملء الزمان واكتمال القداسة والطهارة لم يبلغا المرام إلا في الفتاة المختارة مريم البتول: “لما حانَ ملء الزمان أرسلَ الله ابنهُ مولوداً من امرأة”[74].

مَن هي مريم؟ لا نعلم تاريخ حياتها بالدقة. ولكن بشارة الملاك واختيار الله لها أمّاً للإبن الحبيب يسوع يُنبئان عن جوهرها السامي.

ماذا كانت تعمل حين دخول الملاك؟ وفي أية حالةٍ كانت؟ هل كانت تصلّي؟ هل كانت في حالة اختطافٍ روحي؟ لا ندري بالدقَّة ولكنها كانت حتماً في قمَّة من قمم الإقتراب من الله.

كيف قابلت الملاك؟ إن رواية الإنحيلي لوقا[75] تدلُّ على أن عمق تواضعها قد استغرب السلام والبشارة وأنها خافت. لم يكن التجسُّد عملاً قسريّاً بل قبولاً منها إراديّاً، لذا فحديث الملاك معها تدرَّج نحو جوابها: “ها أنذا أمَةُ الرب فليكن لي بحسب قولكَ”[76].

سألت الملاك عن كيفيَّة الحبَل لأنها استغربت أن تصبح حبلى وقد عزمت على عيش البتوليَّة الدائمة، فطمأنها الملاك الى أن “الروح القدس يحلُّ عليكِ وقوَّة العلي تظلّلكِ، ولذلك فالقدوس المولود منكِ يُدعى ابن الله”[77].

الله يعرض بواسطة الملاك على مريم أن يتَّخذ ابن الله من جسدها جسداً، من بطنها مستودعاً لهُ وهو الذي لا تسعهُ السماوات والأرض.

وتوقَّف سير التاريخ هنيهة: فإما تردُّ مريم بالنيابة عن البشر بنعم، وإما أن تردُّ بلا. وكان على ضمير مريم الطاهر أن يحلَّ الموقف فاختارت مريم مرضاة الله وخلاص بني البشر.

هي باكورتنا، هي تقدمتنا لله. بها صارت السماء أرضاً والأرضُ سماءً فأضحى بطنها “أرحب من السماوات” “وظهرَ فردوساً عقليّاً فيه الغرسة الإلهيَّة التي نأكل منها فنحيا ولا نموت مثل آدم”.

أمام عرض الله، كان جواب مريم: “ها أنذا أمةٌ للرب”. إنها خادمة، أمَةٌ للرب مستعدَّة لقبول إرادته وتنفيذ مشيئته. “ها أنذا” هي حاضرة جاهزة، تعرض نفسها للرب، تستسلم لرغبته، تقبل تدبيره لخلاص بني البشر: “فليكن لي بحسب قولك”، إني أريد أن يكون ما أرادهُ الله.

وفي هذه اللحظة، بعد هذا الجواب الحاسم، تمَّ السرُّ الخفي منذ الدهور، سرُّ اتحاد الله والإنسان، فاتَّحدَ ابن الله بالإنسان وتمَّ تجسُّد الكلمة: “والكلمةُ صار جسداً وحلَّ فينا”[78].

فما هو سر التجسُّد؟ إنهُ سرُّ الحبل بابن الله في أحشاء العذراء وذلك أن الإبن الأقنوم الثاني من الثالوث القدوس ضمَّ الى أقنومهِ الإلهي طبيعتنا البشريَّة التي نحتَها لنفسهِ من الكليَّة الطهارة مريم “من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا”.

وقد حدَّد دستور الإيمان وكرَّر المجمعان الرابع والسادس المسكونيّان هذَين السببَين: “ومن أجلنا نحن البشر” “ومن أجل خلاصنا”.

إنَ آدم قد زلَّ في الفردوس وفارق الله وطُردَ من الجنة. وفي وقتٍ كانت فيهِ قِواه الطبيعيَّة جيدة ومتَّجهة نحو الله، إختارَ المعصيَة والشر فدخل الإنحلال والفساد إرادتهُ وجرى عليهِ حكم الله بالموت روحيّاً، فكان الموت الجسدي والبِلى نتيجةً لموتهِ الروحي.

لقد قال الله لهُ: “يوم تأكل منها تموت موتاً”[79]. فالموت الآتي كان روحيّاً إذاً (ثم بعد شيخوخة طويلة حصل الموت المعلوم) فانتقل إلينا الفساد[80].

ولكن محبة الله التي تفوق كل عقلٍ وفهم، ويعجز عن حسنِ تمجيدها وشكرها والإنسحاق لها كل قلبٍ ولسان، لم تشأ أن نهلك وأن نبقى بعيدين عنها حتى النهاية وأن يبتلعَ الموت والهاوية بني البشر دون رجاء.

لذلك، فإن الثالوث القدوس سُرَّ بغنى فيض مراحمهِ، أن يظهر في الزمن المعيَّن ما أرادهُ قبل الدهور لأجلنا ولأجل خلاصنا، ليُعيدُنا الى الإتحاد بهِ ويصيّرنا شركاءً في الطبيعة الإلهيَّة[81]، فارسلَ الأقنومَ الثاني، الإبن الحبيب كلمة الله الأزليَّة “الخروف المذبوح قبل الدهور”، الذي وهو في صورة الله أخلى ذاتهُ آخذاً صورةَ عبدٍ وصائراً في شبه البشر وموجوداً كبشرٍ في الهيئة، فوضعَ نفسَهُ وصار يطيع حتى الموت موت الصليب[82]. فهذا الخضوع للمشيئة الإلهيَّة، هذا الإخلاء، حملَ الرب يسوع على أن يصيرَ “رجل الأوجاع”[83] من أجلنا فيُقاسي كل ما جلبَهُ علينا سقوط آدم ما خلا الخطيئة.

إن الطبيعة البشريَّة التي أخذها قابلة لمعاناةِ ما نُعانيه بسبب السقوط، فإنهُ أخضعها لذلك من أجلنا فكان فيهِ قبل القيامة، القابليَّة للبلى والألم التي أرادَها حبّاً بنا.

وقد حُجبَ نورهُ الإلهي إلا يوم التجلّي على جبل ثابور مع أن نورهُ الإلهي موجودٌ دائماً في جسده[84]. وبما أن العطب الذي أصابَ آدم أقامَ ثلاثة حواجز بيننا وبين الله: الطبيعة والخطيئة والموت، فقد تغلَّبَ عليها المسيح الواحد تِلوَ الآخر. تغلَّبَ على الطبيعة بتجسُّدهِ الذي ضمَّ الناسوت الى الّلاهوت، وعلى الخطيئة بموتهِ، وعلى الموت آخر الأعداء بقيامتهِ[85].

فالمرحلة الهامَّة كانت التجسُّد. ولما تخطّى الله هذه المرحلة، أضحى الإنتصاران الأخيران مضمونَين وأمرَين طبيعيَّين واقعَين حتماً.

“منذ أن لبسَ الكلمة الجسد، كل سم الحيَّة قد انطفأ فيهِ (في الجسد)…وفي الوقت نفسه، الموت نتيجة الخطيئة قد مُحيَ”، كما يقول القديس اثناسيوس[86] إن لاهوتَنا الأرثوذكسي يؤكد على التجسُّد كثيراً.

وكان التجسُّد تدبيراً صادراً عن إرادة الله لا عن جوهره. لذلك لم يطرأ على جوهر الله أي تغيير بسبب التجسُّد، فبقيَ لاهوت الثالوث بما فيهِ لاهوت الإبن هو كما كان قبل التجسُّد[87].

فليس لدى الله تبدُّل أو ظل دوران. فهو منذ الأزل والى الأبد. أما التجسد فقد قصدَ الله بهِ أن يُخلّصنا وأن يُعيدُنا ويضمُّنا إليه.

وفي لاهوتنا الأرثوذكسي (المتَّفق مع تعاليم آباء الكنيسة) يظهر الخلاص عملاً سلبيّاً كإنقاذٍ من شيءٍ ما[88] فيتعدّاه التجسُّد ليبدو عملاً خاصّاً اتَّحدَ فيه الإله بالإنسان.

ونؤكّد على أن الإله صار إنساناً ليصيرَ الإنسانَ إلهاً من القديس ايريناوس (القرن الثاني) بل منذ العنصرة ومع بطرس (1 بط 1: 4) وأغناطيوس الأنطاكي حتى يومنا هذا[89]. وفي دفاع آباء الكنيسة ضد الآريوسيَّة والأبوليناريَّة والنسطورية والمونوفيزيّة (الطبيعة الواحدة) والمونوثوليتيَّة (المشيئة الواحدة)، كان المستند الرئيسي أن تألُّهنا وتقديسنا وخلاصنا وصيرورتنا أبناءَ الله بالتبني هي أمورٌ لا تتمُّ بواسطة يسوع المسيح إلا إذا كان يسوع وسيطاً كاملاً يجمع كل اللاهوت وكل الناسوت في وحدة الأقنوم[90]. وقد عبَّر القديس مكسيموس المعترف عن عقيدة الآباء هذه أحسنَ تعبير فتعادلَ في نظرهِ التجسُّد وعمل تأليهنا. فقال “إن التجسُّد يصنع من الإنسان إلهاً بمقدار ما صار الإله إنساناً”[91]، فنتحوَّل[92]، فيُحكم نوعٌ من التعادل بين كياننا وبين المسيح[93]. فيسوع إلهٌ تامٌّ وإنسانٌ تامٌّ في طبيعتَين متَّحدتَين في أقنومٍ واحدٍ.

وهذه العقيدة واضحة في الكتاب الإلهي وتاريخ الكنيسة.

2- نبذةٌ تاريخيَّة[94]

ظهرت المسيحيَّة في بيئةٍ موحِّدة منزِّهة، وانتشرت فيما بعد في محيطٍ وثَني مساهم في الحضارات الشرقيَّة واليونانيَّة والرومانيَّة، فاصطدمت مع الذهنيَّة اليهوديَّة من جهة ومع المذاهب الدينيَّة والفلسفة اليونانيَّة من جهةٍ أخرى. فظهرت البدع المنكرة للاهوت المسيح (الابيونيّون) والمنكرة لطبيعته البشريَّة الحقيقيَّة (الذوكيتيون) منذ العهد الرسولي.

وقد جاهد يوحنا الإنجيلي ضدَّ ذلك، ثم القديس أغناطيوس الأنطاكي، ثم آباء القرن الثاني حتى ظهر آريوس في القرن الرابع حيث أخذت البدعة اتساعاً وأساليبَ غير معهودة. فأنكر آريوس لاهوت الإبن وقال إن كلمة الله حلَّ محلَّ روح الناسوت وبذلك يكون يسوع غير مساوٍ للآب ولا لنا.

وتمسَّكت الكنيسة بعقيدتها في أنَّ الله واحدٌ في الجوهر وثالوثيّ الأقانيم أي الأشخاص. قال البعض بما يشعر بثنائيَّة شخص يسوع. ردَّ في العام 352 (بحسب رأي ليتزمان و 360 برأي غيره) ابوليناريوس أسقف اللاذقيَّة ببدعتهِ القائلة بأن يسوع إلهٌ تامٌّ إتَّحد بجسدٍ ونفسٍ حيوانيَّة فصار كلمة الله قائماً مقام الروح[95].

فأسرع آنذاك جهابذةُ الإيمان الى دحضِ أقواله وتوضيح تعليم الكنيسة عن التجسُّد وطبيعتَي المسيح واتّحادهما، فشجبَ تعليمهُ اثناسيوس الكبير بواسطة مجمع الإسكندريَّة سنة 362 وتبرّأ منهُ القديس باسيليوس، وانبرى الغريغوروسيّان الى الكفاح وتوضيح العقيدة، فكانت رسالتا غريغوريوس اللاهوتي الى كليدونيوس نبراساً أنارَ الكنيسة حتى المجمع الرابع المسكوني (الخلقيدوني) إذ لعبت فيه دوراً بارزاً. وقد أطلقَ عبارتهُ الشهيرة “ما لم يتَّخذه (الإبن) لم يخلُص”[96]. ويعني بذلك أنَّ المسيح أخذ طبيعةً بشريَّة كاملة ذات نفسٍ عاقلة: فالخطيئة من فِعل النفس ولذلك كان لا بدَّ من مُداواة النفس في التجسُّد. فالجسد بدون نفسٍ لا يخطأ. فكل إنقاصٍ للطبيعة البشريَّة في المسيح يجعلُ الخلاصَ والتأليه ناقصَين واللقاء بين الإله والإنسان غير تام.

لذا أكَّد آباء الكنيسة على تماميَّة الطبيعة البشريَّة في المسيح. فإن فُقِدتِ النفسُ أو العقل أو الإرادة (أي المشيئة) كان لقاء الإنسان بالإله غير تام. فكان لا بدَّ للإنسان بتمامه من أن يُلاقي الإله بتمامه في وحدةٍ منسجمة لكي تتمَّ المصالحة بين الله والإنسان.

إن نقُصَت الطبيعة أو فُقِدَت المشيئة أو الفعل، كان الإنسان في موقفٍ غير كامل مع الله.

كردِّ فِعل ابوليناريوس، أسرف ديودورس أسقف ترسيس (في سوريا) رئيس المدرسة الأنطاكيَّة وثيوذوروس أسقف موبسيَسته (المصيصة) ونسطوريوس في مقاومة الأبوليناريَّة فقالوا بالتأكيد على تماميَّة الطبيعة الإنسانيَّة حتى جعلوها أقنوماً. ولما تجاسر نسطوريوس بطريرك القسطنطينيَّة على حماية كاهنهِ الأنطاكي أنستاسيوس الذي تهجَّم على تسمية سيّدتنا مريم بوالدة الإله ابتدأت معركةً لاهوتيَّة جديدة إنتهت بنصر القديس كيرلّلس الإسكندري (المجمع المسكوني الثالث عام 431) ومصالحته مع يوحنا البطريرك الأنطاكي عام 433.

ولكن المشكلة اندلعت من جديد حينما أخذ الراهب افتيشيوس (اوطيخا) يعلّم بامتزاج الطبيعتَين. وتطورَّت الأحداث ولعبت المسائل الشخصيَّة دورها كما لعبت من قبل منذ بدعة آريوس. فتبنّى ديوسقورس بطريرك الإسكندريَّة اوطيخا واختلف مع القديس لاون بابا روما وفلافيانوس بطريرك القسطنطينيَّة.

تطوَّرت الأمور بصورةٍ سيّئة حتى عام 451، فانعقد في تشرين الأوّل المجمع الرابع المسكوني. فاعترفَ فيه اناثوليوس بطريرك القسطنطينيَّة في 22/10/451 إنه لا خلافَ عقائدي مع ديوسقورُس، ولكن الخلافات الشخصيَّة لعبت دورها في الفرقة، فليس ديوسقورُس اوطيخاً.

حدَّد المجمع الرابع المذكور العقيدة نهائيّاً في الأقنوم والطبيعتَين ثم كمَّل التحديد المجمع السادس المسكوني. وكان الخلاف دائراً ضدَّ نسطوريوس على مسألة طبيعتَي المسيح وطريقة اتّحادهما فتقول النسطوريَّة “بوجود طبيعتَين وأقنومَين وشخص النبوَّة وإرادة واحدة وسلطة واحدة” وتجعل الإتحاد بين الأقنومَين رابطة معنويَّة لا حقيقيَّة تتمُّ في الشخص لوحده لا في الأقنوم. وهي تُقيم فارقاً بين الشخص والأقنوم وبذلك يبيح ثانويَّة الإتحاد وبالتالي ضعفهِ. وتقول الاوطيخة الكافرة بامتزاج الطبيعتَين.

يقول أصحاب الطبيعة الواحدة (الأقباط والسريان والأرمن والأحباش) بوجود طبيعتَين متَّحدتَين بطبيعةٍ واحدة تجتمعُ فيها الصفات والخصائص الإنسانيَّة أو الناسوتيَّة وجميع الصفات والخصائص اللاهوتيَّة بدون امتزاجٍ وبدون تغييرٍ وبدون استحالة. والأقنومُ واحد هو أقنوم كلمة الله المتجسّد.

لا يؤمنون بطبيعةٍ واحدة إلهيَّة صِرفة كما يشاع عنهم بل بطبيعة واحدة إلهيَّة لها صفات اللاهوت والناسوت. وعقيدتهم صحيحة في الأساس وخلافهم معنا “مجرَّد خلاف في التعبير”[97] مبعثهُ التمسُّك بحرفيَّة بعض عبارات القديس كيرللس الإسكندري وعدم الإنتباه الى أن رسالة المصالحة بينه وبين يوحنا الأنطاكي والمجمع الرابع الخلقيدوني قد وفَّقا بين العبارات اللاهوتيَّة الإسكندريَّة والأنطاكيَّة، وحدَّدا كلمة physisبالطبيعة دون الأقنوم.

هم ما زالوا يأخذون كلمة “طبيعة بمعنى أقنوم[98]” وتاريخ القرون الرابع والخامس والسادس حافل بالخلافات المرَّة على أهم ألفاظنا اللاهوتيَّة[99].

الفصل الثاني

المجامع المسكونيَّة

أ- المجمع الأول والثاني

إنعقد المجمع الأول في نيقية (تركيا) في العام 325 برئاسة افَستاتيوس الأنطاكي (على ما يرى محقّقون معاصرون) وشاهد بطولة الشماس اثناسيوس الإسكندري حامي حمى الأرثوذكسيَّة طيلة 48 سنة بعد ذلك وهو أسقف الإسكندريَّة بعد المجمع. المجمع الثاني المسكوني انعقد في مدينة القسطنطينيَّة في العام 381 برئاسة ملاتيوس الأنطاكي. توفيَّ فخلفَهُ غريغوريوس اللاهوتي وحضره غريغوريوس النيصصي وشهد لهما المجمع بأنهما قاعدتا الإيمان وقد خلَّفا لنا دستور الإيمان وإن كان معلوماً إلا أننا نورده هنا لكي يكون العرض تامّاً:

ب- دستور الإيمان النيقاوي

سيردُ الدستور وتحديدات المجامع موزَّعين على فقرات عديدة لسهولة الفهم.

“أومن بإلهٍ واحدٍ: آبٍ ضابط الكل، خالقِ السماءِ والأرض، كلِّ ما يُرى وما لا يُرى، وبربٍ واحدٍ يسوع المسيح، إبن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نورٍ من نور، إلهٍ حق من إلهٍ حق،

مولودٍ غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر،

الذي بهِ كان كلُّ شيء،

الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسَّد من الروح القدس ومن مريم العذراء وتأنَّس،

وصُلِبَ عنا على عهد بيلاطس البنطي، وتألم وقُبِرَ وقام في اليوم الثالث على ما في الكتب،

وصعِدَ الى السماء وجلس عن يمين الآب،

وأيضاً يأتي بمجدٍ ليدينَ الأحياءَ والأموات، الذي لا فناءَ لملكهِ،

وبالروح القدس الربُّ المحيي المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والإبن، مسجودٌ لهُ وممجَّد،

الناطقِ بالأنبياء،

وبكنيسةٍ واحدة جامعة مقدَّسة رسوليَّة،

وأعترف بمعموديَّة واحدة لمغفرة الخطايا،

وأترجّى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي، آمين. (راجع كتابي “التجليات في دستور الإيمان”(

طبعاً هذه الترجمة ليست سليمة مئة في المئة لغويّاً ولكن المعنى واضح. فعبارة “مساوٍ للآب في الجوهر” لا تردُّ لطافة اللفظة اليونانيَّة homoousiosهذه تعني انه من ذات جوهر الآب الواحد[100]. وإسم والي فلسطين آنذاك هو بونتيوس بيلاتوس لا بيلاطس البنطي. إسمهُ الصغير بونتيوس بينما لفظة “البنطي” تعني أنه من بلاد البنطس على البحر الأسود.

والأصل اليوناني لعبارة إنبثاق الروح القدس مأخوذة من إنجيل يوحنا (15: 26) وقد ترجمَتهُ الطبعة الكاثوليكيَّة التي نقَّحها المرحوم إبراهيم اليازجي “الذي من الآب ينبثقُ”. هذا التركيب في اليونانيَّة والعربيَّة يحصر الإنبثاق في الآب. إستُبدلَت لفظة “العتيد” بلفظة “الآتي” لأن كثيرين صاروا يستعملونها وهي أصح لغويّاً. وفي اليوناني جاء: “وبكنيسةٍ واحدة قدّوسة جامعة رسوليَّة” وإن يكن هذا النص مقتضباً جداً، فهو خُلاصة إقرار إيماننا. فهو يعلّمنا: 1- بأن إلهنا هو الآب والإبن والروح القدس (غريغوريوس اللاهوتي العظة 45 وسواها)، 2- بأن يسوع إله من ذات جوهر الآب وبأنه تجسَّد وتأنسَ وتألم وصلِبَ وقُبرَ وقامَ وصعد الى السماء لأجلنا ولأجل خلاصنا و …، 3- بأن الكنيسة تدخل في الدستور كبندِ ايمان. فالدستور مفتَتَحٌ بلفظة “أومنُ ب…” وتتبع واو العطف. فالمعنى هو “اؤمن بالآب… وبرب واحد يسوع… وبالروح القدس… وبكنيسة واحدة…” ونستعمل اللفظة بالمفرد لا بالجمع أي نقول “اؤمنُ” لا “نؤمن”. فالشخص الذي يتلو دستور إيمان يُعلن إقرارَ ايمانهِ. هو شهادةٌ شخصيَّة تصدر عن كل مؤمن على الإشهاد، إلتزاماً شخصيّاً منهُ بالحقيقة التي اعتنَقَها. 4- بأننا نعترفُ بمعموديَّة واحدة. 5- بأننا نرجو القيامة والحياة الأبديَّة.

ج- المجمع المسكوني الثالث

إنعقدَ هذا المجمع برئاسة كيرللس الإسكندري في مدينة أفسس الواقعة الى الجنوب من مدينة إزمير على في تركيا. كانت آنذاك قاعدة المنطقة المسمّاة “آسيّا”.

حرمَ المجمع نسطوريوس ونشأ عنهُ صراعٌ بين الإسكندريَّة وأنطاكية إنتهى في النهاية الى مصالحةٍ على نصٍ لاهوتيّ كتبهُ الأنطاكيّون المعتدلون ورضيَ بهِ كيرللس الإسكندري ووافقت عليهِ دنيا الأرثوذكسيَّة جمعاء شرقاً وغرباً باشتثناء المتطرّفين الذين تشنَّجوا ورفضوا الصلح الواقع وانشقّوا عن جسم الكنيسة الجامعة، وهم المعروفون تاريخيّاً بالنساطرة.

والصلح الواقع وصل إلينا في الرسالتَين 38 و 39 من رسائل كيرلّلس الإسكندري وهذا هو النص الذي كتبَهُ الأنطاكيّون ووقَّعَ عليه كيرلّلس: (أغلب الظن أن كاتب النص هو ثيئوذوريتوس ووقع يوحنا أنطاكيا على رسالةٍ وأكاكيوس على رسالةٍ ثانية حملهما بولس حمص الى كيرلّلس)

“نعترفُ إذاً بأن ربنا يسوع المسيح ابن الله الوحيد، هو إلهٌ كاملٌ وإنسانٌ كاملٌ (يتألف) من نفسٍ عاقلة وجسمٍ،

بأنهُ مولودٌ من قبل الآب قبل الدهور بحسب الألوهة، وبأنه بعينه، في آخر الأزمنة-لأجلنا ولأجل خلاصنا- (مولود) بحسب الناسوت من قِبَل مريم العذراء بحسب الناسوت،

وهو بعينهِ مساوٍ للآب في الجوهر بحسب ألوهتهِ ومساوٍ لنا في الجوهر بحسب ناسوته، لأنه من طبيعتَين حصل الإتحاد بينهما dyo gar physeon enosis gegoneلهذا نعترف بمسيحٍ واحدٍ وابنٍ واحدٍ ورب واحد.

وبحسب هذه الطريقة لتصوُّر الإتحاد المنزَّه عن الإمتزاج[101]، نعترفُ بأن القديسة مريم العذراء هي والدة الله theotokos لأن الله الكلمة تجسَّدَ وتأنَّسَ وضمَّ الى ذاتهِ منذ الحبَل، الهيكل الذي أخذهُ منها.

وبالنسبة للعبارات الإنجيليَّة والرسوليَّة المتعلّقة بالرب، فإننا نعرف أن اللاهوتيّين يعتبرون العبارات التي توحّد تنصرف الى شخصٍ وحيد، والعبارات التي تفرّق تنصرفُ الى الطبيعتَين: ما يليقُ منها بالله فللمسيح بحسب ألوهته، الأكثر تواضعاً فيه بحسب ناسوته”. (راجع نص الرسالة بتمامه في مجموعة التشريع كما سيجيء).

وقد راعيتُ في هذه الترجمة وترجمة القرابة بين النصَّين فوردت العبارات في الترجمة الواحدة كما هي في الأصل اليوناني. ومقارنة عادية بين النصَّين تدلُّ على أن نص خلقيدونية إزدردَ نص المصالحة وأن خلقيدونية تكملة طبيعيَّة للمصالحة ولدستور الإيمان، وقد راعت التطورات في الفهم اللاهوتي بين المجمعَين.

ونُبدي هنا الملاحظة السابقة نفسها حول “المساوي للآب في الجوهر…” أما “والدة الإله” فهي في اللغة اليونانيَّة لفظة واحدة لا لفظتان. وقد ترجمتُ الفعل اليوناني الذي عَنيَ الإتحاد بالفعل “ضم” لفقدان المقابل العربي من فعل اتَّحدَ. فالمعنى اليوناني موجودٌ بهذا الفعل لا بباقي مشتقات جِذره العربي. وفي النص جاء ذِكر الإتحاد والفعل المتعدّي منهُ فاستعملت “ضم”.

د- المجمع المسكوني الرابع

إنعقد المجمع المسكوني الرابع في خلقيدونية قريباً من القسطنطينيَّة في 8/1/451 وحضرهُ مئات الآباء (630 أباً).

لم يكن الوضع فيه بالهيّن. فالحزازات ضد ديوسقوروس أسقف الإسكندريَّة قويَّة جداً وبارزة منذ الجلسة الأولى. فصدرَ الحكم عليهِ بالخلع في الجلسة الثالثة في 13/10/451 ولكن نص الحكم لا يتضمَّن أبداً أي اتهامٍ لاهوتي، فالخلاف شخصيٌ والتهم تتعلَّق بمخالفاتٍ قانونيَّة[102]. ويؤيّد هذا تصريح اناتوليوس أسقف القسطنطينيَّة في جلسة 22/10/451 من أن الخلاف مع ديوسقوروس ليس خلافاً لاهوتيّاً.

وفي الجلسة الثانية في 9/10/451 تُليَت في المجمع رسالة كيرللس الإسكندري الى نسطوريوس المتلوَّة في مجمع أفسس[103] ورسالته الى يوحنا أسقف أنطاكية التي احتوت نص المصالحة[104] ورسالة لاون بابا روما الى فلافيانوس أسقف القسطنطينيَّة المعروفة باسم طوموس لاون[105]، وسط تهليلٍ واسعٍ لكيرللس أولاً ثم للاون واناتوليوس[106]. في الجلسة الأولى نوَّه الحاضرون بكتابات الآباء القديسين غريغوريوس وباسيليوس واثناسيوس وايلاريون وامبروسيوس وكيرللس[107] ثم نوَّهوا في هذه الجلسة الثانية بالآباء القدّيسين اثناسيوس وكيرللس وشيلستينوس بابا رومية وايلاريون وباسيليوس وغريغوريوس[108].

وفي الجلسة الخامسة أصدرَ المجمع تحديداً للإيمان[109]، بدأهُ بمقدّمة طويلة نوَّه فيها برسالتَي كيرللس الى نسطوريوس ويوحنا الأنطاكي المعروفة برسالة المصالحة وطوموس لاون وقبوله هذه الوثائق الثلاث[110]، وخَلُصَ الى التحديد العقائدي التالي[111]:

المجمع الرابع المسكوني المنعقد في خلقيدونية قرب القسطنطينيَّة في العام 451 شجبَ الاوطيخيَّة وأصدر التحديد التالي المتعلّق بالإيمان:

” تبعاً للآباء القدّيسين نعلم جميعاً بالإجماع معترفين بالإبن الواحد بعينه ربنا يسوع المسيح، الذي هو بعينه تام في ألوهته، وبعينه تام في ناسوته،

الذي بعينه (هو) إلهٌ حقّاً وإنسانٌ حقّاً، يتألَّف من نفسٍ عاقلة وجسمٍ،

مساوٍ للآب في الجوهر[112] بحسب ألوهته، وهو بعينه مساوٍ لنا في الجوهر بحسب ناسوته، مشابهٌ لنا في كل شيء ما عدا الخطيئة،

مولودٌ من قِبَلِ الآب قبل الدهور بحسب الألوهة، وهو بعينه في آخر الأزمنة –لأجلنا ولأجل خلاصنا-مولودٌ بحسب الناسوت من قِبل مريم العذراءوالدة الإله.

مسيحٌ واحدٌ بعينه، إبنٌ، ربٌّ، إبنٌ وحيدٌ، معروفٌ في طبيعتَين بدون امتزاج، بدون استحالة، بدون انقسام، بدون انفصال، بدون أن يزول بأي وجهٍ من الوجوه-بسبب الإتحاد- فرق الطبيعتَين، بل بالأحرى احتفظت كل منهما بكيفيَّة وجودها الخاصة، والتقت بالأخرى في شخصٍ واحدٍ وأقنومٍ واحدٍ، (المسيح) غير منشطر أو منقسم الى شخصَين، بل هو الرب يسوع الواحد بعينه، الإبن الوحيد، الإله الكلمة،

كما أنبأ عنهُ الأنبياء قديماً، وكما علَّمنا أيّاه يسوع المسيح نفسه، وكما سلَّمنا إيّاه دستور الآباء”[113]

تحليل هذا النص

في القسم التاريخي أوضحنا أن هذا النص معجزةٌ لاهوتيَّة أنقذت العقيدة الأرثوذكسيَّة من التمزُّق بين تياراتٍ لاهوتيَّة متضاربة. فأيُّ مؤمن يتضلَّع من تاريخ اللاهوت والعقائد بتقوى الله، يُصابُ بالذهول أمام هذا النص المعجزة الملهَم إلهيّاً. فما هي خطوطهُ الكبرى؟

1- في البداية والنهاية، حَرُصَ النص على القول إنهُ تعليمُ الأنبياء والرب يسوع نفسُه، ودستور الإيمان الذي وضعهُ آباء المجمعَين الأول والثاني المسكونيَّين، والآباء القدّيسين.

2- ويعترف آباء المجمع الرابع بهذا التعليم جميعهم بالإجماع.

أ- ترِدُ عبارة “بعينه” ثماني مرات.

ب- تتكرر لفظة الواحد بصوَرٍ شتّى كما يلي بالتتالي: (الإبن) الواحد، (مسيح) واحد، إبن وحيد، (شخص) واحد، (أقنوم) واحد، (الرب يسوع) الواحد، الإبن الوحيد

ج- نحن أمام ثماني مرات من التكرار للفظة “بعينه” وسبع مرات للفظة “الواحد”. هذا “الواحد بعينه” هو مدار النص كله.

د- يعطي النص هذا “الواحد بعينه” الأسماء التالية بتكرارٍ أحياناً:

الإبن ربنا يسوع المسيح، مسيحٌ (واحدٌ)، إبنٌ، ربٌّ، إبنٌ وحيدٌ، الرب يسوع، الإبن الوحيد، الإله الكلمة، يسوع المسيح.

ه- يركز النص على الوحدة بصورةٍ قاطعة ويستبعد كليّاً الثنائيَّة في شخص يسوع التي يقول بها النساطرة لجهة الأقنوم والشخص ويعلن الترادف بين هاتَين اللفظتَين. جاء فيه: “… في شخصٍ واحدٍ وأقنومٍ واحدٍ، (مسيح) غير منشطر أو منقسم الى شخصَين، بل … الواحد”.

وهكذا قضى هذا النص على كل انفصامٍ في شخص يسوع الواحد.

4- ومع كونهِ واحداًلا يقبل الإنفصام ولا الإنشطار ولا الإنقسام، فإنهُ إلهٌ وإنسانٌ معاً.

أ- هو إلهٌ تام في ألوهتهِ. هو إلهٌ حقّاً لا مجازاً ولا خيالاً.

ب- ولدَهُ الآب قبل كل الدهور. فليس مولوداً في زمانٍ ومكان. ولادتهُ سرمديَّة تجري خارج الزمن لأنه ليس في الله ماضٍ وحاضرٍ ومستقبلٍ. هو الحاضرُ سرمديّاً أي منذ الأزل الى الأبد. لا بدايةَ لهُ ولا نهاية. هو دائماً مولودٌ. بالأمس هو مولود، واليوم هو مولود. هو مولودٌ بدون أن ينفصل من أحضان الآب السماوي.

ج- وما دامَ الآب قد ولَدَهُ، فجوهرهما الإلهي واحدٌ بعينهِ. فليس الإبنُ أعلى من الآب ولا الآبُ أعلى من الإبن. وِحدة الجوهر بينهما تعني وِحدة الألوهة. لدى البشر، الإبن هو أصغرَ عمراً من أبيه. في الثالوث لا يوجد زمانٌ كان فيهِ الآب بدون الإبن والروح القدس.

د- هذه الولادة هي ولادتهُ بحسب الألوهة.

ه- ولكن لهُ ولادة ثانية بحسب البشريَّة (الناسوت).

بشريَّتهُ

أ- هو إنسانٌ تامٌّ في بشريَّتهِ (ناسوته). هو إنسانٌ حقّاً لا رمزاً ولا خيالاً.

ب- ولدَتهُ العذراء مريم لا أزليّاً بل لما حان ملءُ الزمان. فهذه ولادة في الزمن منذ كذا سنوات، في آخر الأزمنة كما جاء في النص.

ج- وما دامت مريم العذراء قد ولَدتهُ، فجوهره البشري هو مثلُ جوهرها. هو مُساوٍ لها في الجوهر ولكن الفرق كبيرٌ جداً بين مساواتهِ للآب في الجوهر اللاهوتي ومساواتهِ لنا في الجوهر البشري. جوهره لاهوتيّاً، هو جوهر الآب الواحد بينهما بدون انقسام. أما نحن البشر فأشخاصٌ متعدّدون منفصلون في الزمان والمكان وفي طريقة امتلاكنا للطبيعة البشريَّة. فبولس وبطرس ويوحنا…أشخاصٌ والطبيعة البشريَّة موجودةٌ في كلٍ منهم على انفراد. كلٌّ منهم منفصل عن الآخر، كلٌّ منهم بمعزِلٍ عن الآخرين. لا أحدَ منهم يُقيم في الآخرين ولذلك لا توجد ملكيَّة مشتركة بينهم للطبيعة. أما في الثالوث، فالآب في رمَّتهِ موجودٌ في الإبن والروح القدس وكذلك العكس. وكلٌّ منهم يمتلك كل الطبيعة الإلهيَّة. هي برمَّتها لكل واحدٍ منهم.

د- مريم هي العذراء الدائمة البتوليَّة.

ه- ولدت ابناً مشابهاً لنا في كل شيء ما عدا الخطيئة. هو ابنُ العذراء. أخذَ منها طبيعةً بشريَّة تامَّة كالتي نراها في كل فردٍ من أفراد البشر باستثناء الميل الى الخطيئة. فقد أخذَنا بكليَّتنا ما عدا الميل الى الخطيئة. هو طاهرٌ وكليُّ الطهارة. لهُ جسدٌ ونفسٌ عاقلة خلافاً لقول ابوليناريوس.

و- هذا التنازل الإلهي ذو غايات. ما هي؟ إنها “لأجلنا ولأجل خلاصنا”.

5- ولكن مع التشدُّد القاطع على وِحدة الشخص والأقنوم والإبن والمسيح والرب، يسوع يحوي الإله والإنسان معاً. فما هي الوحدةُ فيه وما هي الثنائيَّة؟

6- الوِحدةُ هي وحدةُ الأقنوم أي الشخص.

7- الثنائيَّة هي ثنائيَّة الطبيعتَين.

8- الأقنوم الواحد هو في الطبيعتَين. لفظة “في” هامَّة جداً. إستعملَها غريغوريوس اللاهوتي أولاً ثمَّ أخذها عنهُ اللاهوتيّون اللاحقون. إنها تغلق الباب أمام القول بوجود الطبيعتَين أولاً ثم الإتحاد الأقنومي ثانياً. فالطبيعة البشريَّة لم تكن موجودة قبل يوم البشارة. الطبيعة الإلهيَّة سرمديَّة. يوم البشارة، أقنوم الإبن نحتَ لنفسهِ من العذراء مريم طبيعةً بشريَّة. لسنا أمام عمليَّة جمع اثنَين موجودَين قبل جمعهما. نحن أمام تنازلٍ إلهيٍّ. تنازلَ أقنوم الإبن واتخذَ من العذراء مريم طبيعةً بشريَّة ضمَّها الى أقنومهِ الإلهي بفعل الروح القدس.

9- ما لون الإتحاد؟ الله وحدهُ يعلم. إستعملَ الآباء الملهَمون عبارات تنفي عنهُ وقوع أي اختلاط بين الطبيعتَين أو استحالة الألوهة الى بشريَّة أو البشريَّة الى ألوهة. وهما غير منقسمتَين ولا منفصلتَين. كلاهما قائمٌ في اتّحادٍ وثيقٍ عجيبٍ.

10- كيف يتّحدُ إنسانٌ بالله بدون أن يطغي الله على الإنسان؟

11- قال الآباء إن الإتحاد لم يُزِل ولا بوجهٍ من الوجوه فرق الطبيعتَين. فبقيَ الإلهُ إلهاً تامّاً والإنسانُ إنساناً تامّاً. إحتفظت كلٌّ من الطبيعتَين بكيفيَّة وجودِها الخاصة.

12- أين تمَّ اللقاء بينهما إذاً؟

13- في شخص يسوع الواحد.

14- فالطبيعة الإلهيَّة ليست بشخصٍ. والطبيعة البشريَّة ليست بشخصٍ ولكنهما ليستا بلا شخصٍ.

15- الشخصُ الواحد يمتلكُ كلتا الطبيعتَين.

16- بهذا قضى الآباء على البلبلة الناتجة عن الألفاظ اللاهوتيَّة. لم يعد سائغاً أن نقول إن ليسوع أقنومَين أو شخصَين أو إنه يتألَّف من أقنومَين أو شخصَين لأن ناسوتَهُ لم يكن موجوداً قبل الإتحاد ليكون ذا شخصٍ أو أقنوم. هو أخذ ناسوتَهُ يوم البشارة. أخذهُ بدون أن يكون لهُ أقنومٌ، إنما ضمَّهُ الى أقنومهِ الإلهي فصار أقنومهُ الإلهي أقنوماً لناسوتهِ منذ قالت مريم للملاك: “فليكن لي بحسب قولكَ”. أقنومُ الناسوت الوحيد هو منذ لحظة التجسُّد، هو أقنومُ الإبن الوحيد يسوع. فلا أقنومٌ ولا شخصٌ لهُ غير ذلك لا نظريّاً ولا في الواقع.

17- يركّز النص على عدم الإنشطار أو الإنقسام الى شخصَين، فالشخصُ لا ينشطر ولا ينقسم، هو كلٌّ لا يتجزّأ.

18- الآباء الإلهيّون فرّقوا في المعنى بين لفظتَي شخص (أو أقنوم) وطبيعة. الشخص أو الأقنوم هو المالك الذي يحوي الجوهر. في يسوع أقنومٌ واحدٌ يمتلكُ جوهرَين: الألوهة والبشريَّة. الأقنومُ موجودٌ في كلَيهما.

19- مريم العذراء هي والدة الإله: الأقنوم واحد. بسبب وحدة الأقنوم نقول مع الإنجيل إنها أمُّ عمّانوئيل، أم إبن الله ، أم ابن العلي، أمُّ يهوه الذي يخلّص شعبَهُ من خطاياهم (متى 1: 21)

20- يسوع أخذ منها ناسوتاً. لم تحبَل أولاً ثم بعد حبَلِها ضمَّ مولودها إليه. كانت مريم غائبة عن مسرح إتحاد الإله بالإنسان. يسوع أخذ منها ناسوتاً ضمَّهُ فوراً الى أقنومهِ الإلهي. هو الآخذ. هي المأخوذ منها.

21- يسوع أقنومٌ واحدٌ غير منشطر أو منقسم. مريم هي أمُّ هذا الواحد بعينه. بفضل وحدة الأقنوم، هي أمٌّ ليسوع الإله-الإنسان. جسدُ يسوع مأخوذٌ منها. لاهوتُهُ صادرٌ عن الآب فقط. ولكنها أمُّ الله يسوع بما أن يسوع واحدٌ لا يتجزأ أبداً.

22- يسوع الواحد، مولودٌ سرمديّاً ومولودٌ زمنيّاً. والعذراءُ والدة الإله هي التي أخذ منها ناسوتهُ. لذلك نستطيع أن نقول “صلبوا رب المجد”، آلام ربنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح، دم الله، أم الله. فهل يتألَّم جوهر الألوهة ويقطرُ دماً؟ لا. إنما بفضلِ وِحدة الأقنوم هذا الكلامُ صحيحٌ.

23- يوحنا الدمشقي وترانيم الميلاد للدمشقي صريحة: الإبنُ وحدهُ تجسَّد بمسرَّة الآب وفِعل الروح القدس. ولذلك يجب تأكيد على هذا البند لأن هناك مَن قالوا إن الجسد هو في النهاية جسد الثالوث القدوس. هذا كلامٌ غيرُ صحيح.

ما هي البِدع التي قوَّض هذا النص الملهِم أركانها؟

أولاً- الأبوليناريَّة إذ قال بأن ليسوع جسداً ونفساً عاقلة.

ثانياً- النسطوريَّة، إذ أصرَّ على وحدة أقنوم يسوع وسمّى العذراء “والدة الإله”، ونفى وجود أي انقسام أو انفصال أو انشطار.

ثالثاً- الاوطيخة إذ أنكرَ أي لون من ألوان الإمتزاج أو الإستحالة.

رابعاً- أُلوهة يسوع التامَّة وبشريَّته التامَّة، ألوهتهُ حقّاً وبشريَّتهُ حقّاً. هذا القول يرفض الأبوليناريَّة وقبلها البِدع التي تنكر حقيقة الناسوت كالدوكينيَّة القائلة بأن الناسوت مظهر خيالي فقط. فآريوس رفضَ لفظة “المساوي في الجوهر”.

وإذا قارنّا النص بدستور الإيمان على ضوء تاريخ العقائد، وجدنا أن هذا النص الملهَم قد أوضحَ معنى الدستور على ضوء ما جدَّ من بِدع إقتضت من الكنيسة أن تتدخَّل لتقولَ بالروح القدس كلمتَها الفصل.

مَن المنتصر الأكبر في هذا المجمع؟ غريغوريوس اللاهوتي وكيرللس الإسكندري والمعتدلون الأنطاكيّون ولاون بابا رومية وكل مَن قال قولهم قبل العام 451 من آباء الكنيسة.

وقد لاحظنا في نهاية الكلام عن المجمع الثالث أن رسالة المصالحة دخلت في نص خلقيدونية. فحتى القرابة اللفظيَّة بينهما واسعة. وما نص خلقيدونية إلا امتدادٌ وتوضيحٌ لرسالة المصالحة وتكريس ٌللاهوت غريغوريوس اللاهوتي أمام القائلين بتطبيق مبادىء لاهوت الثالوث على لاهوت التجسُد. فكما نقولُ ثالوثيّاً إن الله واحدٌ في ثلاثة أقانيم، نقولُ تجسديّاً، يسوع أقنومٌ واحدٌ في طبيعتَين.

وهكذا أنقذَ الله الكنيسة الجامعة من الغرَق في الأبوليناريَّة وسقطها أي الأوطيخيَّة ومن الغرق في النسطوريَّة. فما بين الإفراط والتفريط، كان طريق الأرثوذكسيَّة تمحُّضاً عسيراً جداً في الروح القدس لوضع الأمور في نصابها القانوني. أليسَ تدبيراً إلهيّاً أن تكون أنطاكية واسعة التمثيل في هذا المجمع (حوالي 100-130 مندوباً) وأن يصدر عنهُ هذا التشديد الثماني-السباعي على عبارة “الواحد بعينه”؟ ألم يكن هذا التشديد مخلاً لاهوتيّاً طرد فيه كل أشكال النسطوريَّة من الأرثوذكسيَّة مهما حاولَ أن يندسَّ المندسّون على ما ذكرَ المؤرّخون عن الإندساس؟

هذا فضلاً عن القضاء على بلبلةِ المصطلحات اللاهوتيَّة. ومع هذا تعثَّر طريق هذه المعجزة حتى أواسط القرن التالي. فمن العام 451 الى العام 532، تفشَّت البلبلة اللاهوتيَّة والجدَل الحامي الوطيس أحياناً والفاتر أحياناً أخرى. ولكن السنوات 532-536 شَهدت نشاطاً لاهوتيّاً واسعاً في الصف الأرثوذكسي لمعَ فيهِ نجم لاونديوس الأورشليمي وأفرام الأنطاكي وانتهى في المجمع المسكوني الخامس الى نجاحٍ باهر.

ه- المجمع المسكوني الخامس

كان نسطوريّون قد زوَّروا مستنداً وأخذوا ينشرونهُ للدفاع عن ثيودوروس المصيصة ونسطوريوس، وكانوا يستندون الى كتابات ثيوذوريتوس ضدَّ كيرللس والى الرسالة المنسوبة الى هيباس أسقف الرها المعروفة باسم الرسالة الى ماريس الفارسي، فشوَّهوا بذلك سِمعة خلقيدونية. كما أن خطر الأوريجنسيَّة كان قد استفحلَ لدى رهبان فلسطين.

فانعقدَ المجمع في العام 553 في القسطنطينيَّة وضربَ ضربةَ معلّم، التشويش النسطوري والأوريجنّسي.

إفتتحَ حكمهُ بمقدّمة مطوَّلة طعنَ فيها بإسهابٍ في ثيودوروس واتَّهمهُ بالجحود[114] وطعنَ في كتاباتٍ معيَّنة من ثيوذوريتوس[115] وهيباس. وحصرَ الطعن بهما فقط دون التعرُّض لشخصَيهما بسوءٍ[116] بل بالأحرى دافع عنهما ضدَّ الذين يستندون اليهما للدفاع عن ثيئوذوريتوس ونسطوريوس والإساءة الى سِمعة خلقيدونية. فذكرَ صراحةً أن المجمع الرابع المسكوني قد قبِلَهما بعد أن شجبِهِما للنسطوريَّة وشخص نسطوريوس[117].

البنود المعاديَة للنسطوريَّة

خصَّ المجمع النسطوريَّة بأربعة عشر بنداً[118] وهي تعرض بإيجاز الإيمان الأرثوذكسي في الثالوث القدّوس والتجسُّد الإلهي بحسب آخر التوضيحات الأرثوذكسيَّة وهي تكرّس في باب الإتحاد الأقنومي آراء لاونديوس الأورشليمي.

1- يقتفي أثر خلقيدونيَة في الإلحاح القاطع على وِحدة الشخص والواحد في يسوع، وحدة في طبيعتَين متَّحدتَين اتحاداً أقنوميّاً وثيقاً لا ينفصل. ويبسل كل مَن يجعل من الطبيعتَين شخصَين أو أقنومَين (3  و 5 و 7).

2- يُصرُّ على ما جاءَ في خلقيدونية لجهة ترادف لفظتَي “شخص” و “أقنوم” والتفريق بين معنيَي “أقنوم” و “طبيعة” (5 و 7 و 3).

3-  يبرز قضيَّة الإتحاد الأقنومي أشد البروز في عدَّة بنود (4 و 5 و 7 و 8 و 13).

4- في البند 7 إستعمل العبارة التي تدلُّ على أن التفريق بين الطبيعتَين مستحيلٌ إلا في نظرةٍ عقليَّة، في مجال الفكر الصِرف theoria

5- ينسُب الآلام الطوعيَّة الى شخص ربّنا وإلهنا يسوع[119]

6- يستعمل كلمة “جسد” للدلالة على الطبيعة البشريَّة (2 و 3 و 4 و 5 و 6 و 7) وسنرى مثل ذلك في المجمع السادس وهذا يؤيّد نقدنا أعلاه لمايندورف وغريلماير.

البنود المعادية لأوريجنيس

شجبَ المجمع الاوريجنسيَّة في 15 بنداً وهي تتعلَّق بأمورٍ مستوحاة من الوثنيَّة اليونانيَّة الفلسفيَّة ومدهونة بطلاءٍ مسيحيٍّ[120] وقد طرقنا الموضوع في القسم التاريخي مما يكفي لفهم الموضوع.

و- المجمع المسكوني السادس

إنعقد المجمع السادس المسكوني في القسطنطينيَّة في العام 680 للنظر في مسألة القائلين بالمشيئة الواحدة والفِعل الواحد. كانت المسألة قد نضجت بفضل نضال صفرونيوس الدمشقي أسقف أورشليم ومكسيموس المعترف الراهب السوري[121] الشهير الذي جالَ دنيا المتوسط يُفحِم القائلين بها شفهيّاً وخطيّاً فتركَ لنا تراثاً لاهوتيّاً ثميناً جداً وإن كان عسيرَ الفَهم. سافر الى رومية وترك خير الأثر على البابا الشهيد مرتينوس. إنعقدت في الغرب المجامع العديدة تدين البدعة، وحضر مرتينوس مجمع لاتران في العام 649 الذي شجب الهرطقة[122].

يقوم تفكير مكسيموس ووثائق المجمع السادس وتحديده اللاهوتي على موضوع رئيسي ذكرناهُ في موضعٍ آخر، ألا وهو أن الآباء القديسين نسبوا الفعل والمشيئة الى الطبيعة لا الى الأقنوم. وما دام يسوع ذا طبيعتَين فهو ذو فعلَين ومشيئتَين وحريَّتَين، وكلُّها طبيعيَّة. أي إنهُ ذو فعلٍ إلهي وفِعلٍ بشري ومشيئة إلهيّة ومشيئة بشريَّة وحريَّة إلهيَّة وحريَّة بشريَّة.

في المجمع وثيقتان رئيسيَّتان طلب جاورجيوس أسقف القسطنطينيَّة في الجلسة الرابعة في 15/11/680 تلاوتهما[123]. وهما رسالة البابا أغاثون الى الأمبراطور[124] ورسالة مجمع الأساقفة الغربيّين ال 125 اليه. فوافق عليها جاورجيوس[125] ومعاونوه من الأساقفة في الجلسة 8.

وكلاهما على ما يُرى في الأصل اليوناني دراسةً لاهوتيَّة مستفيضة جداً من الآباء القديسين. لم يورد المترجم العربي إلا نبذةً فقط من أقوالهم وأهملَ الباقي (الأصل في المجلد 11 من مانسي أو 6 من لابيه).

يدور الموضوع على العقيدة وما حدَّدتهُ المجامع السابقة. وقبل ايراد التحديد العقائدي الخاص بالمجمع السادس نُبدي الملاحظات التالية:

1- البابا اغاثون يحترم المجمع الخامس كسلَفهِ الشهيد مرتينوس. ذكرهُ مرَّتَين[126] وأورد النص البند 7 منهُ المتعلّق بالتفريق الفكري فقط بين الطبيعتَين[127] واستعمل عبارة “الإتحاد الأقنومي في الشخص الواحد” مرَّتَين[128] وهي عبارات كرَّسها المجمع الخامس كما مرَّ.

2- في رسالة الأساقفة استعملَ الأساقفة اللفظة الخاصة بالتفريق الفكري بين الطبيعتَين فقال المترجم: “ولا ندرك إلا بالتأمل الفرق بين الطبيعتَين…”[129]

3- التحديد المجمعي ذكر المجمع الخامس مرَّتَين[130].

4- في رسالة أغاثون جاء تكراراً عن طبيعة يسوع البشريَّة أنها تالَّهت[131] والمجمع قال إن جسدهِ تألَّه ومشيئتهُ تألَّهت[132] فأفكار التأله اللاهوتيَّة لم تكن إذاً غريبة عن روما في ذلك التاريخ. ألم يترك فيها مكسيموس المعترف المهندس الأخير والأكبر في القرن السادس لهذا التفكير اللاهوتي بصماتَ فكرهِ الديناميكي؟

5- ترِدُ لفظة “جسد” بمعنى الطبيعة البشريَّة كلها في رسالة الأساقفة وفي تحديد المجمع[133].

وفي الجلسة الثامنة عشرة في 16/9/681 أصدر المجمع تحديداً مطوَّلاً [134] ذكرَ فيه الهراطقة وشجبَهم. أوردَ نص دستور الإيمان و ذكر رسالتَي اغاثون ومجمعهُ المؤلَّف من 125 أسقفاً الى الأمبراطور. أوردَ نص تحديد خلقيدونيَة وتمَّمهُ رأساً بما يلي:

” ونجاهر، بالمثل، بحسب رأي الآباء القديسين (بأنه موجود) فيه مشيئتان أو إرادَتان طبيعيَّتان وفِعلان طبيعيّان بدون انقسام، بدون استحالة، بدون انفصال، بدون انشطار، (ونجاهر) بإرادتَين (لهُ) طبيعتَين غير متضادتَين-لا كان ذلك-كما قال الهراطقة غير الأتقياء. ولكن إرادتهُ الإنسانيَّة مطيعة وغير مقاومة وغير ثائرة، بل بالأحرى خاضعة للمشيئة الإلهيَّة والكليَّة القدرة.

فكان على مشيئة الجسد أن تتحرَّك ولكن أن تخضعَ للإرادة الإلهيَّة على ما قال اثناسيوس الكليّ الحكمة”[135].ويتابع التحديد على نفس الوتيرة زيادةً في الإيضاح وتبيان تبادل الصفات بين طبيعتَي يسوع ونسبة ما هو إلهي وما هو جسدي للشخص الواحد[136].

وقد راعينا في الترجمة الدقَّة والقرابة اللغويَّة في تحديد المجمع الرابع المسكوني، فترجمنا اللفظة اليونانيَّة الواحدة بمقابل عربي واحد.

ونلاحظ على النص ما يلي:

1- يسند الأمر هنا كما في خلقيدونيَة الى الآباء القدّيسين ويختصُّ بالذكر منهم اثناسيوس. ثم يعود في تكملة النص الى ذكر غريغوريوس ولاون وكيرللس.

2- يركّز النص على نسبة المشيئة والفعل الى الطبيعة. فما دام يسوع ذا طبيعتَين، فهو ذو مشيئتَين وفعلَين طبيعيَّين.

3- الفعلان والمشيئتان لا يتعاكسان، لا يصطدمان. مشيئة الجسد تتحرَّك ولكن باتفاقٍ تام مع المشيئة الإلهيَّة الكليَّة القدرة وبخضوعٍ لها.

4- يكرّر أوصاف الإتحاد الواردة في خلقيدونية وإن لم يحافظ على الترتيب نفسه، واستبدل لفظة بلفظة أخرى ورَدت في النص وهي لفظة “بدون انشطار” بدلاً من “دون انقسام”.

الفصل الثالث

تعليم الآباء

هذا هو ايمان الكنيستَين الأرثوذكسيَّة والكاثوليكيَّة.

وقد جاء تحديد المجمعَين الرابع والسادس سلبيّاً لأن العقل البشري قاصر عن فهم سر إتحاد اللاهوت والناسوت. إستعملا ألفاظَ نفي لا ألفاظَ إيجاب. نفياً عن الإتحاد أن يكون اتحاد مزجٍ أو انقسامٍ أو… أما ماهيَّة هذا الإتحاد فهي سرُّ التقوى. اللاهوت الآبائي والمجمعي يقومُ على الإيمان لا على العَيان البصري أو العقلي. لذلك يلعب اللاهوت السلبي الذي ينفي الصفات عن الله دوراً رئيسيّاً لدى الأرثوذكس. فكلَّما دنَونا من الله، اقتنعنا وزدنا ايماناً بأنهُ غير معلوٍم، غير مدرَك، غير منظور، غير ملموس، غير محدود، غير مقترَب إليه، غير قابل للوصف و…

وهذا الموقف اللاهوتي واضح في تحديدات المجمعَين الرابع والسادس. نفى عن اتحاد اللاهوت والناسوت الإختلاط و… ولم يقل ما هو نوع هذا الإتحاد العجيب. وهكذا نعلم أن اللاهوت السلبي أصيلٌ لدينا قبل ظهور كتب ديونيسيوس المنحول في مطلع القرن السادس.

ولكن المجمع الرابع كان نقطةَ انطلاق لمشاداتٍ لاهوتيَّة ما زالت قائمة حتى اليوم. وكان الجدَل الرائع في الثلث الأول من القرن السادس مُجدياً وايجابياً، فانتهى الى عرضٍ لاهوتيٍّ بارع على يدَي لاونديوس الأورشليمي ومكسيموس المعترف[137] واللاهوت الأرثوذكسي-الكاثوليكي حتى يومنا هذا.

وقبل أن نبدأ التحليل نؤثرُ أن نستشهد ببعض نصوص آباء الكنيسة القدامى ذات المدلول الكبير.

لدينا من القرن الثاني نصوصٌ باليونانيَّة من ميليتون مدينة سرديس الواقعة الى الشمال الشرقي من أفسس وابوليناريوس مدينة ييرابوليس القريبة من كولوسي ولاذقيَّة آسيا الصغرى.

لقد جمعَتها وعلَّقتَ عليها مطوَّلاً في مجلّدٍ واحدٍ مجموعة الآباء الفرنسيَّة الحديثة (المجلد 123) . وماذا نقرأ فيها؟

إنها شهادةٌ ناطقة بوضوحٍ ما بعدهُ من وضوح بأنَّ يسوع المسيح الواحد هو الله والإنسان، هو خالقُ كلَّ شيء الذي صار إنساناً وقاسى الآلامَ والموتَ وقام من القبر. وأيُّ استشهادٍ لا يُغني عن مطالعةِ كامل النص. علِمنا أن نحتَ المعنى الغني للفظة أقنوم تأخرَّ حتى القرنَين الرابع والخامس. لا نعثُر هنا على تعريفٍ فنيٍّ، ولكن النص برمَّته يدور حول واحدٍ أحد هو الله المتأنّس المتألم المائت القائم من القبر. وقد أكثرَ ميلتون من استعمال يوحنا الإنجيلي عبارة “والكلمة صار جسداً” (1: 14) وهكذا يستغرب مطالع هذا الكتاب نُشوب الصراع النسطوري حول وِحدة شخص الرب يسوع، وكذلك تردَّد ثيوذوريتوس أسقف قورش (ولو فلسفيّاً بحسب رأي مايندورف) في استعمال عبارات مثل “الله تألَّم” وعبارات ميليتون تُنافي زعم مايندورف أن لفظة “جسد” لم تكن تعني الإنسان برمَّته، وتنافي أيضاً نظريَّة غريلماير القائمة على “الكلمة-الجسد” فميليتون أفاضَ في استعمالِ لفظة التأنُّس فغلبَ لديهِ مفهوم “الكلمة-الإنسان”.

لقد أطلقَ ميليتون لفظة “طبيعة” على لاهوت المسيح في كلمةٍ لهُ عن الصليب بقيَ لنا منها الترجمة السريانيَّة المترجمة في الكتاب المذكور الى اللاتينيَّة والفرنسيَّة (الصفحتان 240 و 241).

وأطلقَ لفظة “طبيعة” أيضاً على ناسوت المسيح. فقال: “… حقيقة نفسه وجسمه وواقعيَّتهما، وطبيعته الإنسانيَّة “physis” المشابهة لطبيعتنا… ألوهتهُ المختفية في الجسد… إذ كان إلهاً وإنساناً تامّاً معاً هو نفسه الذي عرفنا بجوهرَيه ousiai: ألوهتهُ… إنسانيَّنهُ… ألوهتهُ… مع أنهُ الله منذ الأزل” (ص: 226)

في الصفحتَين 240 و 226 المذكورتَين نرى ميليتون يقول:

1- ليسوع طبيعة physisإلهيَّة وطبيعة بشريَّة.

2- ليسوع جوهرانousias إلهي وبشري.

3- يسوع إلهٌ وإنسانٌ تام. هو الله منذ الأزل (أيضاً ص 63، 65، 228، 245)

4- ناسوت يسوع ذو نفسٍ وجسمٍ.

5- هو نفسه o autos (باليونانيَّة المستعملة 8 مرات في تحديد المجمع الرابع) عرفنا بجوهرَيهousias

ونضيف نتَفاً أخرى من أقوالهِ واسعة الدلالة. قال: “قام من بين الأموات كإلهٍ، إذ أنهُ بالطبيعة إلهٌ وإنسانٌ. الذي هو الكلُ: الكلمة logos … الإبن… الخروف، كمتألّم، الإنسان كمدفون، الله كقائم، هذا هو يسوع، المسيح” (ص: 64) “دم الرب” (ص: 76) “الرب… إذ ارتدى المتألم يرفعهُ الى أعالي السماوات” (84) “إتخذ على ذاتهِ آلام مَن كان يتألم، بالجسم القابل للتألم أبادَ آلام الجسد، وقتلَ بروحهِ الذي لا يموت الموتَ القاتل…” (ص: 96 وكل الصفحة 98 أيضاً) “لماذا يا إسرائيل ألقيتِ بربكِ في آلام …” (ص: 106) “الذي علَّق الأرض هو معلَّقٌ، الذي ثبَّتَ السماوات هو مثَبَّتٌ، الذي وطَّدَ الكلَّ هو ممسَكٌ على الخشبة، الذي هو السيّد يُهان” (ص: 116) “إذ هو الرب، إذ ارتدى الإنسان، وإذ تألَّم من أجل الذي كان يتألَّم…” (ص: 121) “هذا هو الذي صنعَ السماء والأرض… الذي تجسَّد من عذراء، الذي عُلّقَ على خشبة… هو الألف والياء… هو الرب” (ص: 124).

أما ابوليناريوس ييرابوليس فقال: “الضحية الكبرى هي ابن الله بدلاً من الحمَل. الذي تمَّ تقييدُهُ هو الذي قيَّدَ القوي، والذي دينَ هو ديّانُ الأحياء والأموات” (ص: 245).

فإلى جانب هذا الوضوح اللاهوتي، نرى في النص أساساً متيناً للترانيم الدينيَّة الأرثوذكسيَّة. وربما كان ميليتون نفسه واقعاً تحت تأثير الترانيم الدينيَّة. فنفَحات عِظتهِ نفحاتَ إنشادٍ وترنيمٍ فصحيّ.

أما اثناسيوس الكبير فقال: “مساوٍ في الجوهر للجسد الذي هو من طبيعةٍ أرضيَّة ومُساوٍ في الجوهر للآب… فمن الأرض طبيعة كل الجسد… المولود من مريم كان بشراً بالطبيعة… وصارَ إنساناً…”[138]

وأيضاُ “تمَّ الإتحاد بين الطبيعة الحقيقيَّة للاهوت والطبيعة الحقيقيَّة للناسوت، بصورةٍ يتأمَّنُ معها الخلاصَ والتألُّه”[139].

وقال غريغوريوس اللاهوتي: “المسيح إنسانٌ تامٌ وإلهٌ تامٌ، لأجل الإنسان الذي سقطَ برمَّته، لكي يعطيكَ أنتَ بكليَّتكَ الخلاص… وذلك إذ صارَ إنساناً مثلك بمقدار ما عليكَ أن تصيرَ إلهاً بواسطتهِ”[140] “توجد طبيعتان (في المسيح) الله والإنسان[141]“، ويستعمل هنا “طبيعة physis للناسوت” وأيضاً “شخص واحد في طبيعتَين”[142] وأيضاً “لقد تنازلَ الى أن يكونَ واحداً مصنوعاً من اثنَين. طبيعتان تلتقيان في ابنٍ واحدٍ لا اثنَين”[143]“إتحاد الطبيعتَين”[144].

وقال امبروسيوس: “الإرادة التي سمّاها إرادتهُ هي لي لأنهُ كإنسانٍ حملَ كآبتي وقال: “ليس كما أشاءُ أنا بل كما تشاءَ أنتَ… وإذ يملك الطبيعتَين الإنسانيَّة واللاهوتيَّة فقد تحمَّل الآلام َفي ناسوتهِ بصورةٍ أنهُ بدون تمييزٍ يسمّى الذي تألَّم ربُّ المجد وابنُ الإنسانِ معاً”[145] وأيضاً: “أخذ (يسوع) إرادتي، أخذ كآبتي”[146].

وقال امفيلوشيوس: “ميّزوا لي الطبيعتَين physis ، طبيعة الله وطبيعة الإنسان! لأن يسوع لم يستحل من الهٍ الى إنسانٍ بعمليَّةِ سقوط” وأيضاً :” يسوع المسيح احتفظَ (بعد القيامة) بخاصيَّة الطبيعتَين المختلفتَي الجنس hétérogènesوذلك بدون امتزاج”[147]

وقال كيرللس الإسكندري: “نرى أن الطبيعتَين اتَّحدتا فيما بينهما باتحادٍ لا ينفصم بدون امتزاج أو استحالة، لأن الجسد هو جسدٌ وليس الألوهة وإن كان قد صار جسد الله”[148]، “في المسيح، إرتفعت طبيعة المسيح الى جدّة الحياة. إن كلمة الله ضمَّ إليهِ تمامَ طبيعة البشر لكي ينقذَ الإنسان برمَّته. فما لم يؤخَذلم يخلُص… طبيعةُ الإنسان في المسيح لكي يباركها الله الآب فيهِ ولكي تعلَن بهِ منتصرة على الموت”[149]، ” صار الكلمةُ إنساناً بصورةٍ لا توصَف ولا تُدرك وأخذَ لقب ابن الإنسان… وبالرغم من اختلاف الطبيعتَين المجتمعتَين في وحدةٍ حقيقيَّة فلا يوجد إلا مسيح وابن وحيد. فلا تلغي الوحدة فرق الطبيعتَين، ولكن بالعكس اللاهوت والناسوت يؤلّفان الرب يسوع المسيح الوحيد بالتقاءٍ سرّي لا يوصَف”[150]، “المسيح الوحيد الواحد ليس مضاعفاً بالرغم من أننا ندركهُ مؤلَّفاً من جوهرَين متميّزَين متَّحدَين بلا افتراق. كما أننا لا نتصوَّر رجلاً مؤلّفاً من جسمٍ ونفس كأنهُ مضاعف بل وحيد بالرغم من أنهُ مؤلّف من هذَين العنصرَين”[151]، “إن الكلمة المتَّحد على موجب الإتحاد بحسب الطبيعة (الطبيعة هنا بمعنى أقنوم في مفهوم كيرللس) enosis kata physin وغير المتحوّل الى جسد، قد حقَّق سُكنى مشابهة لسكنى النفس مع الجسد”[152]

وقال في عِظتهِ الفصحيَّة: “الطبيعة الإلهيَّة المحييَة والطبيعة البشريَّة التي هي أرضيَّة. من الطبيعتَين ظهرَ عمّانوئيل واحد” ويتابع شرح عدم استحالة الطبيعتَين[153]ويستشهد بأثناسيوس الكبير: “في كائنٍ واحدٍ ذاتهُ يتمُّ إتحاد عنصرَين مختلفَين في جوهرهما، أعني الألوهة والإنسانيَّة. من هذَين العنصرَين لا يوجد إلا مسيحٌ واحدٌ”[154]. بيوليوس أسقف روما يقول: “إن ابن الله لم يأخذ إنساناً بصورةٍ أنه يوجد آخر الى جانبهِ، ولكن مع كونهِ إلهاً كاملاً صار بالوقت ذاته إنساناً كاملاً “[155]

وقال داماسوس بابا روما (366-384): “إذا كان الله لم يتَّخذ إلا إنسانيَّة غير كاملة فتصير عطيَّة الله غيرَ كاملة وكذلك خلاصُنا لأنه لا يتخلَّص آنذاك الإنسان برمَّته… فكيف يمكن أن نتصوَّر أن لا يكون العقل sensusبحاجةٍ الى الخلاص في ملء الأزمنة، هذا الذي خطىءَ قبل أي شيء آخر؟… الله بتمامهِ اتَّخذَ الإنسان بتمامهِ”[156].

الفصل الرابع

تعليم الكنيسة في الطبيعتَين

والآن لندخل الى صلب الموضوع ولنتكلَّم عن الطبيعتَين:

أننا نؤمن بأن الرب يسوع الأقنوم الثاني من الثالوث القدوس قد اتَّخذ من السيدة والدة الإله طبيعةً بشريَّة كاملة مساوية لطبيعتنا في كل شيء ما عدا الخطيئة. وهذه الطبيعة مزوَّدة بنفسٍ عاقلة ومشيئةٍ حرَّة وفعلٍ. وهي في الأصل كان يجب أن تكونَ غير قابلة للآلام والفناء وسائر الأعراض التي تعتري طبيعتنا بسبب سقوط آدم. فهي طبيعةٌ عذراء متّخذة من امرأةٍ عذراء ومضمومة الى أقنوم ابن الله.

ولكن يسوع بفرط حبّهِ ورحمتهِ لنا، تحنَّنَ فاختصَّ لنفسهِ أسقامَنا وأوجاعنا وحالة الترك “إلهي إلهي لماذا تركتَني” (متى 27: 46) وخضع لشروط طبيعتنا الفاسدة لكي يخلّصَ الإنسان منها ويهدمها ويحوّلها الى غلَبة ومجد ويؤلّه طبيعتنا.

فبوتهِ أماتَ الموت، وبآلامهِ أزالَ الآلام، وباتّضاعهِ محا حقارتنَا، وبصيرورتهِ لعنةً، (غلاطية 3: 13) أبطلَ الَّلعنة وجلبَ لنا البركة[157].

قال غريغوريوس اللاهوتي: “إنه يحملُني بجملتي، بكليَّتي في ذاتهِ، مع شقائي لكي يحرقَ في ذاتهِ ما هو رديء” (مين 36: 121)، إذ “ليس الجسد الذي يخطأ من تلقاء ذاته بل النفس بواسطة الجسد”، “فالجسد أداةُ النفس” كما يقول كيرللس الأورشليمي (عظة 4: 23 في مين 33: 484)

الطبيعة البشريَّة لها مشيئة بشريَّة، وفعل بشري، وحكمة بشريَّة، وعلمٌ بشري، وحريَّة بشريَّة وإلا فلا تكون الطبيعة البشريَّة في المسيح تامَّةً (الدمشقي 3: 13). وبالتالي لا يكون الشفاء تامّاً: “لقد أخذَ ما هو مريضٌ بتمامهِ ليشفيه بتمامِه. وما هو المريضُ إن لم يكن الروح وشهيَّتهُ العقليَّة التي هي الإرادة. فالخطيئةُ هي داءٌ للإرادة. فإن لم يكن قد أخذَ نفساً عاقلة روحيَّة وإرادتها، لا يكونُ قد شفى سِقَم الطبيعة البشريَّة. لقد أخذ على ذاته العقوبات المتوجّبة على الإثمِ الأول لكي يفيَ دينَنا وينقذنا من الدينونة”[158]

وقد ضمَّ (الإله) الإبن الطبيعة البشريَّة الى أقنومهِ الإلهي فصار أقنوم الكلمة الإله أقنوماً للطبيعة البشريَّة. لم يتَّخذ إبن الله أقنوماً بشريّاً لأن الإتحاد يضحي غير كامل وينحصر الخلاص بهذا الشخص الذي اتّخذهُ.

ولم يأخذ طبيعة مجرَّدة غير كائنة في حقيقةٍ واقعيَّة، وإلا يبقى التجسُّد وهماً.

ولم يأخذ طبيعةً عامَّة لأن الطبيعة العامَّة تتمثَّل في أفرادٍ عديدين.

ولكنهُ أخذ طبيعةً بشريَّة حقيقيَّة كالتي تُرى في الفرد والتي تُعادل الطبيعة الملحوظة في الأجناس. ولكن ليس لها وجودٌ مستقل، وليست في الأصل فرداً ضمَّهُ الإبن إليهِ بهذه الكيفيَّة، وإنما هي طبيعة موجودة في أقنوم الإبن. هو إنسانٌ كاملٌ وإلهٌ كاملٌ ولكنها ليست أقنوماً وليست بلا أقنوم.

هي موجودة قائمة في أقنوم الإبن الذي هو أقنومٌ للطبيعتَين معاً. الأُلوهة تجسَّدت في أقنوم الإبن، لا الآب والروح القدس. أحد الأقانيم فقط تجسَّدَ وتألَّمَ بمسرَّة الآب السرمدي وفعل الروح القدس يوم البشارة[159] ويسوع إنسانٌ كاملٌ عاش كإنسانٍ كاملٍ صائراً مثلنا في كل شيء ما عدا الخطيئة (عبرانيين 4: 15)[160].

أ- مفهموم التقنيم

كيرللس الإسكندري تعرَّض لموضوع اتحاد الطبيعتَين ولكنهُ لم يتوصَّل الى مفهوم التقنيم كلفظةٍ فنيَّة. إستعملَ مفهوم الإختصاص. وأقطاب اليعاقبة تيموثاوس الهر وفيلوكسينوس وسويروس نسَجوا على منواله بوضوحٍ أوفر. رفضوا أن تكون الطبيعة البشريَّة أقنوماً ولكنهم اعتبروها قائمةً في أقنوم ابن الله، فيهِ تألَّفت ودخلت الوجود وحظيَت بالوجود والإتّحاد[161].

لاونديوس البيزنطي استعمل لفظة “التقنيم” ولكن شرحُهُ لها ملوَّث بالأفلاطونيَّة الاوريجنّسيَّة –الايفاغريَّة. لاونديوس الاورشليمي نقّاها من ذلك ودخلت في اللاهوت الارثوذكسي على يد المجمع الخامس والآباء الّلاحقين.

ما هو التقنيم؟ طبيعة المسيح البشريَّة ليست أقنوماً. أقنوم ابن الله تجسَّد. ننسب التجسُّد الى أقنوم الإبن. هذا الأقنوم صار أقنوماً للطبيعة البشريَّة. هو أقنومٌ للطبيعتَين بالتمام الى الأبد.

التقنيمُ هو حالةُ وسط بين الكينونة بلا أقنوم Anhypostatos والكينونة أقنوماً.

فمَن هو مقنَّم enhypostatos (الأصل اليوناني أقوى تعبيراً) إنما هو موجودٌ لا في ذاته بل في غيره مشاطراً هذا الغير أقنومهُ.

هذه الحالة الأخيرة هي حالة تجسُّد ابن الله. صار أقنوم الإبن أقنوماً للناسوت. تلاقت الطبيعتان في أقنوم ابن الله السرمدي. بعد التجسُّد هو أقنومٌ مؤلَّفٌ من الطبيعتَين.

لم يحصل أي تغيير في أقنوم الإبن. أبن الله هو أقنومُ الطبيعتَين معاً في آنٍ واحد. فالطبيعة البشرية التي هي بلا أقنومٍ بشري صارت مقنَّمة، أي ذات أقنومٍ باتّحادها بأقنوم ابن الله.

إذاً: يسوع اتخذ طبيعةً بشريَّة وجعل أقنومهُ الإلهي أقنومها. لقد صار الإله إنساناً والإنسانُ إلهاً. الكلمة صار جسداً والجسدُ صار كلمة[162] بفضل الإتحاد ولكن لم تصِر الألوهة بشراً لأن الألوهة لا تتحوَّل ولا تستحيل. هي جوهرٌ ثابتٌ لا يعتريه ظلُّ دوران. الذي جرى هو أنَّ الأقنوم الثاني (لاالأقانيم الإلهيَّة الثلاثة) ضمَّ إلى الطبيعة الإلهيَّة جسداً[163]. طبيعة الألوهة في أقنوم الإبن تامَّة وكاملة إتّحدت بالطبيعة البشريَّة وباتّحاد الطبيعتَين صار اللاهوت مسحة للناسوت فألَّهَهُ ساكباً فيه مجده الأسني، ساكناَ فيه سُكنى تامَّة.

فالإتحاد الأقنومي يعني أن أقنوم الإبن اقتنى الناسوت ملكاً خاصاً بهِ يؤلّف معهُ أقنوما ًواحداً[164].

ب- نوعيَّة الإتحاد

لم يعترِ اللاهوت أي تغيير. وبقيَ الناسوت ناسوتاً ولكن مملوءاً بسكنى ملء اللاهوت فيه.

فلا اللاهوت استحالَ وصارَ ناسوتاً ولا الناسوت صار إلهاً. لم يمتزجا وإنما اتَّخذ الإبن طبيعةً أخرى لم تكن لهُ من قبل هي طبيعتنا البشريَّة[165] بدون أن يطرأ عليهِ أي تغيير أو تحوير، فضمَّها الى أقنومه.

كان قبل التجسُّد كلمة إلهيّاً بلا جسد. بعد التجسُّد صار كلمة متجسّداً. طبعاً بقيَ اللاهوت كما هو بدون تغيير ولكن مبدأ السيادة هو في الكلمة الذي لم يتغيّر ولم يستحِل ولم يكتسب شيئاً ما في كيانه، فبقيَ كما كان قبلاً.

“لم ينَل منا أي شيء يمكن أن يمنحهُ كمالاً لأن كلمة الله هو بلا عيب، هو كاملٌ: ولكنهُ صيَّرنا كاملين”[166].

وقد حصلَ بعد التجسُّد ما يلي: “شخصُ الإبن الذي كان قبلاً بسيطاً وغير مركَّب وغير جسدي وغير مخلوق،صار جسداً، صار أقنوماً للجسد وصار مؤلّفاً syntheton من الألوهة (التي هي قنيتهُ من الأزل الى الأبد أي سرمديّاً) من الجسد الذي اتَّخذهُ. وهو يحملُ خواص الطبيعتَين بما أنه معروفٌ في الألوهة ومخلوقٌ في طبيعتهِ الإنسانيَّة، منظورٌ وغيرُ منظور. وإلا فنحن مُلزَمون إما بتجزئة المسيح والتكلُّم عن أقنومَين، أو أن ننكر التمييز بين الطبيعتَين فندخِل آنذاك التبديل والإختلاط”[167].

ج- كيفيَّة الإتحاد

ليست كيفيَّة الإتحاد خلطاً للطبيعتَين كما نخلط الحبوب ونثرات المعادن. وليست مزجاً كما نمزج الحليب والماء. وليست تجاوراً كما يتجاور الزيت والماء في إناءٍ واحد دون تفاعلٍ بين المادَّتَين.

لقد شبَّهَ اوريجنّس وسواه باتّحاد النار بالفحم أو الحديد. فالنار لا تتحوَّل الى فحمٍ أو حديد. ولا هذان يتحوَّلان. ولكن الفحم والحديد يكتسبان من النار حرارتها وتألُّقها وتغلغل النار الى أجزائها كافَّةً وهذا تشبيهٌ ناقصٌ.

وشبَّهَ كثيرون (منهم كيرللس الإسكندري) باتّحاد النفس والجسد في الإنسان وهذا أيضاً تشبيهٌ ناقصٌ لم يُرضِ اثناسيوس (في التجسُّد 19).

لا شيء في الكون يُصلح لإعطاء صورة تامَّة عن كيفيَّة اتّحاد الطبيعتَين. نستطيع أن نقول إنهما لم تختلطا، لم تتحوَّلا، لم لم …

كل هذا تعريفٌ بالسلب لا بالإيجاب. يسوع علَّمنا أنهُ وحدهُ يعرفُ الآب. لا نعرف عنهُ إلا ما يجودُ بهِ على عقلنا القاصر. ويبقى ايماننا أقوى من عقلنا على اليقين الراسخ والإعتقاد الثابت بما كشَفهُ لنا يسوع وعلَّمَنا إيّاه الروح القدس.

للعقلِ حدود. معرفتُنا ناقصة جداً. الثالوث القدوس يلطِفُ بنا فيسُدُّ بعض عجزنا فقط، إذ نحن عاجزون عن اجتياز الخط المحظور الذي أمامهُ نعترف خاشعين بأننا أمام المجهول الأكبر أي الله. فكلَّما غُصنا في هذا البحر ازدَدنا يقيناً اننا نغرق في الجهل، ولكنَّهُ جهلٌ ألمعَ من الشمس.

الدمشقي قال إن الإتحاد هو غير التجسُّد لأن الإتحاد يُرينا الإرتباط فقط لا الشيء الذي تمَّ الإرتباط معهُ. أما التجسُّد أو التأنُّس (وهما واحد) فيدلُّ على الإرتباط بالجسد أي الإنسان[168]. فإن ذكرنا حميَ الحديد، عنَينا اتّحاد الحديد بالنار. إن قلنا تجسَّد ابن الله، عنَينا دفعةً واحدة أنهُ ضمَّ إليهِ طبيعتنا[169].

د- نتائج الإتحاد

1- وبسبب الإتّحاد الأقنومي المتين غير القابل للفصل أو للتجزئة، يكون أقنوم الإبن بكليَّته أقنوماً للاهوت وبكليَّتهِ أقنوماً للناسوت دون تخلُّل زمن يكون فيهِ أقنوماً لهذا تارةً ولذاك تارةً أخرى[170]:

هذا الإتحاد المتين هو سبب خلاصنا. فيهِ اتّحدت البشريَّة بالألوهيَّة بأكمل صورةٍ ممكنة وهذا ما أرادهُ الله لهُ المجد. ما أتى إلينا لكي يلمسنا بحذر، بل لكي يضمَّنا إليهِ على أحسن ما يليق بمحبَّتهِ وقدرتهِ التي لا تُحَدّ. فكان إحسانهُ إلينا بتجسُّدهِ أعظمَ بكثير من إحسانهِ إلينا حين خلقَنا كما يقول غريغوريوس اللاهوتي[171]. من جهةٍ، الله تجسَّدَومن جهةٍ أخرى صيَّرَ الإنسان إلهاً[172].

2- تبادل الصِفات- وبسبب الإتّحاد الأقنومي، يجري تبادل الصفات بين الطبيعتَين، فنُضفي على الناسوت أوصافاً إلهيَّة، وعلى اللاهوت أوصافاً إنسانيَّة بما أن أقنوم الإبن يجمعهما في اتحادٍ تخشعُ لهُ الملائكة وتذهلُ بهِ الألباب.

فحينما نتكلَّم عن لاهوتهِ، لا ننسبُ إليهِ خصائص الناسوت. فلا نقول إن لاهوتهِ قابل للألم ومخلوق، ولا نقول عن ناسوتهِ إنهُ غير مخلوق.

ولكن حينما نتحدّث عن الأقنوم، فنعطيه إسماً يتضمَّن الطبيعتَين أو إسماً يتعلَّق بإحداهما، فإننا ننسب إليه خصائص الطبيعتَين.

فكلمة “المسيح” تدلُّ على الإله والإنسان، على المخلوق وغير المخلوق.

وحينما نسمّيه ابن الله أو الله بالرجوع الى إحدى طبيعتَيهِ فقط، فإنهُ أيضاً يحتفظ بخصائص الطبيعة الأخرى الموجودة معهُ coexistante(الدمشقي) لذا نقول: تألم الإله وصلبوا رب المجد.

وكذلك حين نسمّيه إنساناً و”ابن البشر” (يوحنا 3: 13)، “وصبياً قبل الدهور ورجلاً لا يعرف ابتداء، يحتفظ بخصائص وأمجاد الطبيعة الإلهيَّة” (الدمشقي).

ويُلاحظ أن إسمَي الله والإنسان يُطلقان على الجوهر كما لو قلنا “الله جوهرٌ غير مُدرَك” و “اللهُ واحدٌ” ويُطلقان على الأقنوم كما قيل “مسحَكَ الربُّ إلهك” (مزمور 14: 7 ) أو كان “رجل في أرض عوص” (ايوب 1: 1)، فهذا ينصرف الى ايوب لوحده.

تبادُل الأوصاف هنا مستطاع بسبب سُكنى اللاهوت في الناسوت والتصاق الناسوت باللاهوت إلتصاقاً لا يعرف ذرَّة من الوهن في الإلتحام.

ولهذه الأسباب نستطيع أن نقول في سيّدتنا مريم إنها أم الله[173]، وإن الله عاشَ وتحرَّكَ وتألمَ وماتَ وقُبرَ وقام وصعدَ وأكلَ وشربَ، مع أن طبيعتهُ البشريَّة وحدها قاسَت ذلك[174] ونقول بالمقابل إن ابن البشر هو في السماء[175].

الفصل الخامس

تعليم الكنيسة في المشيئتَين

وجود الطبيعتَين الكاملتَين في الرب هو أساس وجود مشيئتَين وفعلَين وعملَين وحِكمتَين إلهيَّة وبشريَّة.

فالفعل والمشيئة من خصائص الطبيعة العاقلة الرئيسيَّة بل الطبيعة هي مصدر الفعل والمشيئة لا الشخص. هذا هو رأي الآباء كما سيجيء في موضعٍ آخر. وقد أصرَّ بقوَّة مكسيموس المعترف على أن الآباء قالوا بهِ وإلا لكان الثالوث القدوس ثلاثة أفعال وثلاث مشيئات[176]

وبما أن الفاعل المريد في الطبيعتَين هو الإبن الوحيد فلا يمكن أن تصدرَ عنهُ مشيئتان أو فعلان متضاربان. فالطبيعة البشريَّة (بما فيها الإرادة) متألهة فيه. ولذلك توافق المشيئة البشريَّة الإلهيَّة بفعلٍ حرٍ تلقائي.

فلا تناقضَ أبداً بين الفعلَين والمشيئتَين. وليس أي زوج منهما منقسماً.

ولا تفعل الطبيعتان مفترقتَين، بل تفعل كلٌّ منهما فعلها الخاص بالتوافق مع الأخرى في شركة تامَّة. فاللاهوت مقيمٌ حالٌّ بملئهِ في الناسوت يوعبهُ من فيض إشعاعه صائراً مسحةً لهُ، فقدَّسهُ وأنارهُ وألَّههُ ومجَّدَهُ وأحياه، ومنحَهُ القدرة على الإحياء وصنع المعجزات وإقامة الأموات بما أنهُ جسد الرب.

وظهرَ نور اللاهوت مشعّاً في الناسوت يوم التجلَي على جبل ثابور. وتألَّهت الإرادة والفعل البشريّان فيه فصارت أفعاله جميعاً أدواتٍ لخلاصنا. فدُفنا معهُ للموت وقُمنا معهُ للحياة. فأقامَ لاهوتهُ جسدهُ من القبر ونفذ اللاهوت الى الناسوت ولكن لا عكس في ذلك. فاللاهوت غير قابل للتاثُّر باي عرَضٍ accident من أعراض الناسوت.

قال غريغوريوس اللاهوتي: “… إن الخير ألَّهَ الأوَّل” أي الله ألَّهَ الجسد … “… مسحَ بالألوهة ما أخذهُ وإذ صار أحداً مع مَن مسحَهُ…” (الخطبة 45: 9 و 13).

وبسبب الوحدة الأقنوميَّة، المريد والفاعلُ واحدٌ. لذا نرى الرب يسوع يبكي على لعازر بينما يصنع لاهوتهُ معجزة الإقامة من القبر. أدَّت كلُّ طبيعةٍ ما خصَّها. يسوع يفعل بحسب طبيعتهِ. ولم تكن مشيئة الرب مبتلاة بالفساد كمشيئتنا. لذلك لم يعرف الرب التردُّد وموازنة الأمور وسائر ألوان الضعف الطارىء على إرادتنا بسبب ولادتنا من آدم الساقط. فإرادتهُ تتوجَّه الى الخير بدون عائقٍ وتطيع الإرادة الإلهيَّة بحريَّة كما نرى في جهادهِ وآلامه الطوعيَّة في الجثمانيَّة[177]. ترتبطُ بهذا مسألة الجهل لدى يسوع.

لفصل السادس

الجهل لدى يسوع

للقضيَّة تاريخٌ لاهوتي. بعض الآيات الإنجيليَّة (مرقس 13: 32 ويوحنا 11: 34 ولوقا 2: 52) قابلة لأن تُفسَّر تفسيراً يعني جهل يسوع. غريغوريوس اللاهوتي تعرَّض لنص مرقس ضد الآريوسيَّة. تساهلَ، وقبِلَ أن نتصوَّر فصلاً بين الطبيعتَين فننسبَ معهُ الجهلَ الى الطبيعة البشريَّة (الخطبة 30: 15) إلا أنهُ جنحَ الى تفسير صديقهِ باسيليوس الكبير (مين، 32: 877-880) للآية 13: 32 من مرقس، فجعلَ المعرفة منوطة بالآب كعلَّةِ اللاهوت كلهُ. وبهذه الصفة يعود الإبن يعرف يوم نهاية العالم وساعتها بالصورة نفسَها التي يعرفها الآب. يوحنا فم الذهب في خطبتهِ عن إقامة لعازر، لا يخرج عن هذا الإطار في شرح يوحنا 11: 34. طُرحَ الموضوع بجديَّة في النصف الأول من القرن السادس في صفوف السويريّين في مصر، فقيلَ إن يسوع يجهل بعض الأمور ما دام قد عرفَ حاجات البشريَّة وضعفاتها. فقامت في العام 540 بِدعتهم فسُمّوا ب agnontai . قاومهم الأرثوذكس والسويريّون (الأقباط). الآباء القدامى ذوو آراءٍ متضاربة في الموضوع إلا أن أكابرهم الثلاثة على ما ذكرنا. مايندورف لم يطرح الموضوع برمَّته وذكر أن مؤلّف كتاب “في البدع” يقول بوجود جهلٍ لدى يسوع ويذهب الى أن المؤلّفين البيزنطيّين الذين كتبوا في القرنَين الثامن والتاسع ضد محاربي الأيقونات، تبنّوا وجهة نظر صاحب “في البدع” ولكنهُ في فصلهِ عن يوحنا الدمشقي (أبي المعركة) ذكرَ رأي هذا الذي سنوردهُ فيما يلي[178].

يقول الدمشقي إن يسوع اتَّخذ الطبيعة الجاهلة والمستعبدة. طبيعُة الإنسان عبدةُ الله خالقها والتي لا تعرفُ الغيبَ الاتي. ولكن بفضل الإتّحاد ووحدة الأقنوم في يسوع، إمتلأت نفسهُ من المعرفة. وبولس قال عنا أننا لم نعُد عبيداً بل أبناءً (غلاطية 4: 7) فكَم بالأحرى أن لا يكونَ هو عبداً. وذكر عن يسوع أن فيه كلُّ كنوز الحكمة والمعرفة (كولوسي 2: 3) فهو يعرف كلَّ شيء، هو سيّد كل الخليقة وربُّها الذي هو الله والإنسان معاً. وفي المطلع استشهدَ بغريغوريوس (أي 30: 15)[179]

ونفيَ الدمشقي أيضاً عن يسوع كلَّ تقدُّمٍ حقيقي في الحكمة والعلم وربطَ الأمرَ بالإتحاد الأقنومي القائم منذ لحظة التجسُّد، والذي بموجبهِ ناسوت يسوع يشارك بالنعمة فيما هو لابن الله الكلمة الإلهي. فالإتحاد الأقنومي جعلَ الأشياء الإلهيَّة والأشياءَ البشريَّة مسيحاً واحداً. ويعتبر هنا وفي البند السابق القائلَين بخلافِ ذلك، نساطرة[180].

وفي فصلهِ الممتاز عن المشيئتَين والحريَّتَين في يسوع، كرَّسَ تعاليم مكسيموس المعترف وذهب الى أن الإتحاد الأقنومي جعلَ كل فجوةٍ بين إرادة يسوع والتنفيذ مستحيلة. فلا تداولَ ولا تشاورَ ولا تردُّد ولا ولا… فنحن البشر نتردَّد وو… بسبب الخطيئة التي اندسَّت إلينا لدى أولِ هوى طرأ على آدم. فلا نلِدُ خارج الخطيئة، أما يسوع فلم يأخذ هذا الهوى الأول لدى تجسُّده[181].

الفصل السابع

العذراء مريم

وبسبب الإتّحاد، تصبح العذراء مريم والدة الإله. لا يجوز أن نقول فيها إنها فقط أمُّ الإنسان يسوع لأن التجزئة مستحيلة في أقنوم الإبن.

فليس ناسوت المسيح بدون أقنوم إذ صار أقنوم الإله الإبن أقنوماً لهُ، ولذلك فمريم هي والدة الإله[182]. ويشدّد القديس غريغوريوس اللاهوتي على هذا البند قائلاً[183]: “إذا كان أحد لا يسلّم بأن مريم الطوباويَّة هي أم الله، فهو مفصولٌ من الألوهيَّة”.

وأوضح الدمشقي: “إن اسم والدة الإلهtheotokosيحوي كل سر التدبير (الإلهي) لأنه إن كانت التي حبلَت بهِ هي أم الله، فالمولود منها هو بالتأكيد إلهٌ وأيضاً إنسانٌ”[184].

وهذا موافقٌ لتسمَيتها في إنجيل لوقا ” أماً لابن الله وأمّاً لابن العلي”، وفي غلاطية “أرسلَ الله ابنهُ مولوداً من امرأة”. أما في متّى الإنجيلي فهي “أمُّ عمّانوئيل” و”أم يهوى الذي يخلُّص شعبَهُ من خطاياه”. ونحن نؤمن أن ابن الله هو الأقنوم الثاني من الثالوث القدّوس، أمُّهُ هي حتماً والدة الإله.

الفصل الثامن

أ- دوام إتّحاد الطبيعتَين

أ- هل اعترى وِحدة الطبيعتَين انفصالٌ في وقتٍ من الأوقات؟

منذ البشارة وحتى نهاية الدهور، لا انفصالَ أبداً بين الطبيعتَين. فعلى الصليب فارقت نفسُ يسوع جسدَهُ ولكن الإتحاد بين اللاهوت والناسوت لم ينفصم[185].

ب- لماذا تجسَّد الإبن لا الآب أو الروح؟

يرى الدمشقي أن البنوَّة بقيَت بعد التجسُّد، فيسوع كان ابناً لله بلاهوتهِ وصار ابن الإنسان بناسوتهِ، فأبقى هكذا على البنوَّة[186].

ج- وهل يجوز لنا أن نسجدَ لطبيعة المسيح البشريَّة؟

إن الإتحاد الأقنومي كرَّم الناسوت وأشركهُ في مجد الله، لذلك نسجدُ سجدةً واحدةُ للكلمة المتجسّد لأَّن السجود يتوجّه الى أقنومِ الكلمة بلاهوتهِ وناسوتهِ دون تفريق[187].

د- وأخيراً، ما هي واسطة الإتحاد في الطبيعتَين؟

يرى القدّيسان غريغوريوس اللاهوتي ويوحنا الدمشقي من بعد اوريجانّس، أن الروح الإنساني هو التُخم والرابطة والواسطة بين الله والجسد، وأن الإتحاد بين الَّلاهوت والجسد تمَّ عبر الروح. فالروح أقرب الى العقل الإلهي[188].

ه- ولا بدَّ بعد هذا العرض لإيماننا الأرثوذكسي من لفتِ النظر مجدداً الى تنزُّه المسيحيَّة عن القول بامتزاج الإله والجسد المادي. فنحن نُنزّه لاهوت المسيح عن الخضوع لأيّ مؤثّر مادي.

ب- خاتمة في الإختلاف الخريستولوجي[189]

ولكن ويا للأسف قام انشقاقٌ مؤلمٌ في الكنيسة فافترقت عن جسم الأرثوذكسيَّة كنائسَ الأقباط والسريان والأرمن. ولم يهتدِ الفرقاء المتنازعون الى وسيلةٍ تطبعُها المحبة وروحُ التفاهم والنقاش الحر المتأني لإزالة سوء التفاهم. فقاسَت الكنيسة من جرّاء ذلك عواقبَ وخيمة جداً مع أنَّ الخلاف لفظيٌّ فقط كما يعترف اليوم جميع الفُرقاء. فالأقباطُ وزملاؤهم يشجبُون اوطيخا شجباً عنيفاً كشجبهم نسطوريوس. ولكنهم تمسَّكوا بكلام القدّيس كيرللس الإسكندري تمسُّكاً حرفيّاً فصارت عباراتهم تبدو متناقضة حيناً مع الكنائس الخلقيدونيَّة.

وقد تنبَّهَ العلماء في القرن السادس الى الإلتباس الواقع فأوضحوا أنَّ القديس كيرللس الإسكندري استعمل لفظتَي “طبيعة” physisوأقنوم hypostasisكمترادفَين، فألمعَ الى ذلك الأمبراطور يوستنيانوس (مجموعة المجامع لمانسي 9: 545 ومين 86: 1000) والمجمع الخامس المسكوني (مجموعة المجامع لمانسي 9: 381).

وأكَّد ذلك من بعد القديس يوحنا الدمشقي[190] والأمر كذلك الى يومنا. والحقيقة التي تتضحُ من مؤلفاتهِ، هي أن القديس كيرللس استعمل كلمة طبيعة physisبمعنى الجوهر، وكلمة أقنومhypostasisبمعنى شخص في عقيدته بالثالوث القدّوس[191] كما حدَّد ذلك نهائيّاً القدّيسون الكبادوكيّون الثلاثة باسيليوس وأخوه غريغوريوس النيصصي وغريغوريوس الّلاهوتي. إلا أن عقيدتهُ في المسيح اختلفت أحياناً من جهة التعبير. فهو يستعمل أحياناً “طبيعة” و”أقنوم” hypostasisوشخص prosopon كمترادفات[192].

ويستعملُ أحياناً أخرى كما مرَّ في رسالة المصالحة “طبيعة” physisبالمعنى الذي عناه المجمع الرابع الخلقيدوني وهو المعنى السائد في المدرسة الأنطاكيَّة. والعبارة التي يتمسَّك بها بشدَّة: “طبيعة واحدة لكلمة الله”، نفسها وردت في محلٍ آخر “أقنومٌ واحدٌ للكلمة”[193].

ويسمّي الإتحاد تارَّةً “إتحاداً طبيعيّاً أو بحسب الطبيعة” وتارةً “إتحاداً أقنوميّاً” هذا فضلاً عن أن مؤلّفاً قديماً[194] قد أثبتَ أن العبارة مأخوذة من كتابٍ منسوبٍ الى القديس اثناسيوس، بينما هو في الحقيقة من تأليف ابوليناريوس، وقد أخفاه تلامذة ابوليناريوس كما خفَوا غيره تحت أسماءٍ منها القديس اثناسيوس.

وقد أيَّد التحقيق المعاصر هذه القضيَّة فسلَّم النقّاد جميعاً بأنَّ الكتاب هو من تأليف ابوليناريوس[195].

6- إن ليتزمان ناشر مؤلفات ابوليناريوس نشره مع مؤلفات هذا الأخير وما زال العلماء على هذا الرأي حتى يومنا وأخذ به كواستن 3: 206 من الترجمة الفرنسية.

خلاصة الخلاصات: الإيمان الأرثوذكسي يقول إن في يسوع المسيح ربنا أقنوم واحد وطبيعتَين وفعلَين ومشيئتَين وحكمتَين وعلمَين وإن والدة مريم هي والدة الإله، وإن يسوع المسيح إلهٌ تام وإنسانٌ تام. هذا النص ينسف جرياً النسطورية التي تقول بوجود أقنومَين وثلاثة أشخاص ومشيئة واحدة، بينما اعتبر الآباء لفظة شخص مرادفاً للفظة أقنوم. وهكذا يبدو لي ان النسطورية عاجزة عن القول مع الأرثوذكس في علم الإنسان: إن المرأة حين تحبَل يخلق الله الشخص البشري وفيهِ جسدٌ من الأبويَن وروحٌ من خلقِ الله. أي الأنتروبولوجيا الأرثوذكسية تعتمد على الخريستولوجيا (علم المسيح) : في لحظةٍ خاطفة اتّحد أقنوم يسوع بطبيعة بشرية في أحشاء مريم من جسد وروح بشرية.

أما اليعاقبة، فقد عرض الدكنور الشماس وهيب عطاالله عقيدتهم في كرّاسة ردَّد مضمونها بعدهُ آخرون: لا نستطيع أن نقول إن يسوع إلهٌ وإنسان. مَن هو إذاً؟ هل هو سرابٌ وخيال؟ هو نفسه قال: “أنا إنسانٌ (يوحنا فصل 8: 40) وقال أيضاً قبل التجسُّد كان يسوع أقنومَين وطبيعتَين ومشيئتَين وفعلَين. وبعد التجسد صار أقنوماً واحداً إلهياً وطبيعة واحدة إلهية ومشيئة واحدة إلهية وفعلاً واحداً إلهياً. لفظة “أقنومان” في الصيغة الأولى نسطورية. يحاربون النسطورية ويستعملون لفظةً نسطورية. ما هذا التناقض؟ يجب إزالته.

يضعون فترتَين للتجسد الإلهي أي قبل التجسد وبعد التجسد، فهل الله بحاجة الى هاتَين الفترتَين؟ التجسد الإلهي أهم من خلق الكون برمَّته، لا يحتاج الى فترتَين، لقد تمَّ في لحظةٍ خاطفة أسرع من البرق. في دستور الإيمان : الرب يسوع المسيح تجسَّد من الروح القدس ومن مريم العذراء. هل الروح القدس بحاجة الى فترات زمنيَّة. أخذ من العذراء الجسد ووضع فيهِ روحاً بشرية. وهكذا تمَّ الإتحاد الأقنومي في أقنوم الإبن من طبيعتَين وفعلَين ومشيئتَين.

أما صيغة التجسد فهي صيغة ابوليناريَّة ظاهريّاً لا فعلاً لأنهم يقولون بعدم الإمتزاج وعدم الإختلاط. الأقنوم كما ذكرنا هو الشخص والشخصان لا يتَّحدان إلا معنوياً، أي لا يمكن أن يصيرا شخصاً واحداً. ولكن يمكن أن يضمَّ الشخصُ طبيعتَين كما في المسيح أو جوهرَين كما في الإنسان أي الروح والجسد. الأنتروبولوجيا الأرثوذكسية قوية جداً باعتمادها على سر التجسد الإلهي. الغرب الكاثوليكي عاد الى آباء الكنيسة الناطقين باليونانية فقال إن الجنين إنسانٌ منذ الحبل. ولكنهم ما زالوا يقولون مع أرسطو الوثني بالإلتصاق أي إلتصاق الروح والجسد. مفهوم الإلتصاق مكرةٌ لدى الأرثوذكس لأنهم يضعون النبرة في سر الثالوث القدوس وفي التجسد الإلهي على الأقنوم الشخص أولاً: 1- في الثالوث النبرة على الثلاثة لا على الجوهر الإلهي كما في الغرب 2- في الخريستولوجيا مع غريغوريوس اللاهوتي ومجمع خلقيدونية: النبرة على الأقنوم أي شخصٌ واحدٌ في طبيعتَين 3- في الأنتروبولوجيا، الشخص أولاً ثم الجسد والروح وإن كان الأمر يتمُّ في لحظة خاطفة يعلمها الله لا البشر. من أجل فهم الأرثوذكسية تماماً، يجب أن يفهم المرء أهميَّة الأقنوم أو الشخص فيها. ومن هذا نستطيع أن ننطلق الى مفاهيم فلسفيَّة تنسف الفلسفة اليونانيَّة القائمة على الماهيات. الأرثوذكسية شخصانيَّةومفهوم الشخص غير موجود فيالفكر اليوناني الوثني. هو ابتكارٌ آبائيٌّ أرثوذكسيٌّ أتى بهِ الآباء الناطقون باللغة اليونانية الذين هم أيضاً آباءٌ لدى أختنا الكنيسة الكاثوليكية. فلنعُد جميعاً الى هذا التراث المجيد. وتجدر الملاحظة هنا الى أن البيان الصادر عن الفاتيكان والبطريرك القبطي الحالي حوى العبارة التالية: “المسيح إلهٌ تامٌ وإنسانٌ تامٌّ”. هذا كسبٌ كبير ضد ما قالهُ الشماس وهيب وسواه. وهل يكون هذا التصريح مقدمة ممتازة للقول بالطبيعتَين والمشيئتَين والفعلَين؟ كيف يكون يسوع إنساناً تاماً إن لم تكن لهُ مشيئة بشرية تامة وفعل بشري تام؟

قرَّب الله زمان الوحدة التامة بشفاعة سيدتنا والدة الإله مريم الدائمة البتولية.

الفصل التاسع

ناسوت آدم وناسوت المسيح

في المقالات وردَ ذِكر مسألتَين هامَّتَين حشراً هنا وهناك بدون معالجة كاملة تستنفد الموضوع. فظروفي أثناء الكتابة كانت قاسية بسبب انهماكي في مشاغلي الخاصة الكنَسيَّة منها والحقوقيَّة.

وقد رأيتُ أن أخصَّها بهذا الفصل ليتداركَ المطالع ما قد يقع عليهِ من أخطاء لدى بعض المؤلّفين.

لوسكي عرضَ الموضوع بصورةٍ مشوَّشة (الصفحة 144 من اللاهوت الصوفي) وغير سليمة، إستندَ الى مكسيموس المعترف فقط،وهو مولَعٌ بنهج ديونيسيوس المنحول، أي اللاهوت السلبي، فيُطبّقهُ باستمرار في كل مكان. أما يوحنا الدمشقي، فقد فهمَ مكسيموس، كما هو مستعملاً الإعتدال وموفّقاً بين أقوال الآباء ليختارَ أفضلَ الآراء. لوسكي يسيرُ غالباً في خط آباء الفلسفة الروحيَّة(أي النيصصي، ديونيسيوس المنحول، مكسيموس) وبولغاكوف لاهوتيٌّ يُفلسف الأمور فيشتطُّ (الكلمة المتجسّد، ص 220 و… فرنسي مترجم عن الروسيَّة) ولكن من المعلوم أنَّ أكابر الكنيسة كانوا حُقوقيّين فاستعملوا لغةً حقوقيَّة على ما يرى رينيون.

أ- المسألة الأولى

تتعلَّق المسألة الأولى بحالة آدم في الفردوس قبل الخطيئة وبعدها. ففي الفردوس كان آدم يعيش حالةَ غبطةٍ بدون أن يعرفَ الأمراضَ والأسقامَ أو الأهواء والشهوات المرفوضة، وكان مُعدّاً للخلودِ الأبدي. خلقهُ الله حرّاً صاحبَ سلطانٍ في اختيار الخير أو الجنوحِ الى الشر. حريّتهُ مجالٌ حيويٌّ لاختبار طاقاتهِ في الخير والإستفادة من نعمة الروح القدس ليصيرَ إلهاً بالنعمة، لا على أسلوب الشيطان الذي تكبَّر إذ سعى نحو التأله بقدرتهِ الذاتيَّة، بل على أسلوبِ شفافيّتهِ لفعل الروح القدس.

ولكن آدم اختار المعصيَة. حريّتهُ عاكست حريَّة الله ومشيئته. إرتكب الخطيئة فدخلَ الفساد إرادتَهُ وطبيعتَهُ فوقعَ فريسةً للأهواء المرفوضة، خاضعاً للآلام وسائر الأعراض والتقلُّبات وماتَ روحيّاً، فنتجَ عن موتهِ الروحي موتهُ الجسدي وانحلالُ الجسد بعد الموت وصيرورتهِ تراباً. دخلت الخطيئة الى العالم فصار جميع الناس يرِثونَ طبيعة آدم الساقطة فخضعوا مثلهُ لشريعة الموت والإنحلال[196].

وصرنا بعد ذلك لابسينَ الجلود فاقدينَ شفافيَّتنا الأولى. وفي رأي النيصصي ومكسيموس، بعد أن كان الجنس إمكانيَّة، إذ أن الله توقَّع سقوطَنا، صار ضرورةً. فهو وسيلةٌ للإبقاء على البشر بعد السقوط. لم يكن الجنس سببُ القابليَّة للموت ولكن ترياقاً نسبيّاً ضدَّها[197].

وفي خدمة الجناز، نردَّد مع غريغوريوس اللاهوتي إن الله شرَّعَ لنا الموتَ لكيلا يبقى الشر عادم الزوال، فالموت يقضي على الشر[198]. والآباء الشرقيّون لم يقولوا مقولة اوغسطين إننا مسؤولونَ عن خطيئة آدم الشخصيَّة ولكننا ورِثنا عنهُ طبيعتهُ، فقاسَينا ما يُقاسيه حامل الفساد فكان الموت لجنس البشر[199].”سقطت الطبيعة البشريَّة فكان سقوطها غير قابل للجبر. يدُ القدير وحدها كانت قادرة على أن تُقيمها”[200].

2- المسألة الثانية

تتعلَّق بناسوت ربنا يسوع المسيح. الرسالة الى العبرانيّين تقول إنه صار مثلنا في كلٍ شيء ما عدا الخطيئة[201]. الروح القدس حلَّ على مريم العذراء قبل الحبَل فطهَّرها وقدَّسها (غريغوريوس اللاهوتي ويوحنا الدمشقي) فحبِلَت بالإبن الحبيب وأعطتهُ طبيعةً بشريَّة. ما دامت مريم طاهرة مثل آدم وحوّاء قبل الخطيئة، فمن المفروض نظريّاً أن تكون طبيعة المسيح البشريَّة مثل طبيعة آدم وحوّاء في الفردوس. هذا نظريّاً، أما في الواقع فمريم قاست في الجلجلة آلاماً مُرَّة وماتت. ويسوع نفسُه عرف الجوع والعطش والنوم والقلق والإضطراب أمام الموت، ونزاع الموت حتى صار عرقهُ قطراتَ دم. وذاق كأس الآلام المرَّة وثُقبَ جسدهُ بالمسامير والحربة وإكليل الشوك، وقاسى كل ما جلبتهُ علينا خطيئة آدم وحواء من شقاءٍ ما عدا الخطيئة. اثناسيوس الكبير وسواه من الآباء وترانيمنا الأرثوذكسيَّة في أسبوع الآلام على الخصوص، يروون ما قاساه يسوع ويجعلون ذلك أدواتَ لإنقاذنا، أي أن يسوع قاساها عنا لننجوَ نحن منها ونتقدَّس بها.

ما الأمرُ إذاً؟ يسوع تحمَّل عنا كلَّ شيء لننجوَ من العواقب جميعاً. ولكن، من المستحيل أن يكون فيهِ ميلٌ الى الخطيئة وإلا احتاج هو الى مَن يفتديهِ. هو معدنُ الطهارة ولذلك صار قادراً أن يكونَ فادياً لنا ما زالَ ناسوتهُ متَّحداً بلاهوته. فآلامه آلامُإلهٍ متجسّدٍ وهي قادرة على أن تمحوَ آلامَنا وأوجاعنا. ولم يُساوِنا فقط في كل ما ذكرتُ، بل تجاوز ذلك فقبِلَ أن يجرّبهُ الشيطان ولكنه لم يسقط كما أن خوفهُ أمام الموت لم يكن خوفَ جبانٍ بل كردَّة فعلِ الإنسان التام الإنسانيَّة أمام الموت.

يسوع من أم بتول كآدم من طينةِ بتول. إلا أنهُ من أجلنا ومن أجل خلاصنا قد ارتضى متنازلاً لأن تكونَ طبيعتهُ قابلة للأعراض التي نتعرَّض نحن لها ما عدا الميل الى الخطيئة والأهواء الفاسدة. هذا لطفٌ منهُ، فأقبلَ الى الآلام طوعاً وقاسى كل شيء طوعاً لا عن اضطرارٍ أبداً[202].أليس هو-جلَّ جلاله- القائل: ” وإنما أنا أبذلها باختياري. فلي سلطان أن أبذلها، ولي سلطان أن أسترجعها أيضاً، تلك هي الوصيَّة التي تلقَّيتُها من أبي؟”[203]

ولكن تبقى لدينا مسألتان فرعيّتان: 1- هل كان جسدهُ في القبر قابلاً للإنحلال؟ الدمشقي يقول إن الآباء الملهَمين ذهبوا الى أن جسد يسوع كان غيرَ قابلٍ للإنحلال؟ الدمشقي يقول إن الآباء الملهَمين ذهبوا الى أن جسدَ يسوع كان غيرَ قابلٍ للتلاشي في القبر. المزمور 16 الذي استشهد به بطرس الرسول (أعمال 2: 31) يتكلَّم صراحةً عن أن الله لن يتركَ جسد يسوع يرى فساداً. اثناسيوس الكبير يتكلَّم عن لاهوته الذي أقام ناسوته. لأجلنا أخذ جسداً قابلاً للموت، ولكن اللاهوت قائمٌ لكي يُلبِس الجسد، بعد الموت، عدم البِلى. والدمشقي من بعد انسطاسيوس السينائي وسواه يُقيم تفريقاً بين نوعَين من الفساد، فيجعل التلاشي في القبر نوعاً منهما، لم يكن جسد يسوع قابلاً لهُ[204]. واستبعدَ الدمشقي الجنس والتناسل من ناسوت يسوع إذ لا جدوى منهُ[205].

وتبقى قضيَّة أخيرة هي ولادةُ يسوع بدون آلام المخاض، فترانيمُ الكنيسة التي تذكر ذلك عديدة. فيقول ثيوطوكيون صلاة الغروب للّحن السادس: “… مَن ذا لا يُسبّح ممجداً ولادتُكَ البريئة من الطلقِ والنَفاس…” وهكذا محا الله آلام الولادة التي قضى بها على حواء[206].

نكرّر هنا ما سبقَ قولهُ لغريغوريوس اللاهوتي وكيرللس الإسكندري ويوحنا الدمشقي: يسوع أخذ طبيعتنا الساقطة نفساً وجسداً ليشفيَ نفسَنا وجسدَنا وإرادتَنا ويخلَصها، ولكن بدون خطيئة (عب 4: 15)

3- نبذة تاريخيَّة

ونظراً الى أن الكرسي الأنطاكي قاومَ البِدعةّوأصدر قراراً مجمعيّاً بإدانتها، أضيفُ هنا نبذة تاريخيَّة. فقد ظهرت بدعة القائلين بعدم الفساد في مصر لدى أقباط فريق يوليانوس وصحبه. قاومها سويروس الأنطاكي وفريقهُ منهم، فانقسم الأقباط الى حزبَين. تسلَّلت البدعة الى الأمبراطور يوستينيانوس عبر أتباع أوريجينيس المندسّين (أسقف يافا). أصدرَ أمراً أمبراطوريّاً بها[207]. قاومها بطريرك القسطنطينيَّة فخُلِعَ. خلفهُ يوحنا الأنطاكي (من قرية سرمين) دون أن يقبلها. لاقت مقاومة في فلسطين ومصر وفرنسا ولكن أنظار الدنيا اتجهت نحو بطريرك أنطاكية انسطاسيوس الأول. دعا أساقفتهُ الى مجمعٍ ضمَّ 153 أسقفاً[208] أدانوها وأعلنوا استعدادهم للتخلّي عن كراسيهم، ووجَّهوا رسالةً الى الأمبراطور برفضها مع مبرّراتهم لذلك، وهيّأ انسطاسيوس خطاب الوداع. ولكن وفاة الأمبراطور في العام نفسه 565 طوَت الأمور. فجاء خليفتهُ جوستينوس الثاني يلغي الأمر[209]. وهكذا فشل الأمبراطور الكبير في فرضِ عقيدةٍ منحرفة على الكنيسة. لقد قاسَينا جداً من أمزجة الأباطرة وتقلُّباتها منذ أوَّلهم قسطنطين وحتى النهاية، وبقيَت الأرثوذكسيَّة صامدة. والفضلُ كل الفضل هنا لأنسطاسيوس بطل الإيمان حقاً. يبدو هنا أن الكرسي الأنطاكي زبدة العالم المسيحي مع أفرام الآمدي وانسطاسيوس هذا وصفرونيوس الدمشقي ولاونديوس الأورشليمي ويوحنا بيسان ومكسيموس المعترف ويوحنا الدمشقي وأن زعامة اللاهوت قد انتقلت في القرون السادس والسابع والثامن الى مشرقنا. فضلاً عن ذلك، الإختصاصيّون يقولون إن القرن السادس هو قرن الرهبانات السوريَّة. أين كنّا… وأين صرنا … !!!

الفصل العاشر

في أسبوع الجلجلة[210]

“كنا محتاجين الى إلهٍ متجسّدٍ ممات لكي نعوَد الى الحياة” (غريغوريوس اللاهوتي، العظة 45: 28 في مين 36: 661)

في هذه الأيام الكليَّة الجلال والوقار، شهوةُ اشتهيتُ أن أقضي معكَ، يا يسوع، الأسبوع الأخير بل الأسابيع الأخيرة. رافقتُكَ والجموع محيطةٌ بكَ الى قبر لعازر صديقِكَ فأقمتهُ في اليوم الرابع، فهلَّلَ لكَ الشعبُ ونقمَ المجمع اليهودي الأكبر (السنهدريم) حسَداً وخوفاً على سلطتهِ الواهية من زحفكَ المظفر. وهلَّلتُ لكَ مع الجموع الخارجة لاستقبالكَ في أحد الشعانين وإن كان تذمُّر تلاميذكَ وعلى الأخص يهوذا الخائن من دفقِ مريم أخت لعازر الطيبَ عليكَ عشيَّة السبت قد آلمَني. هؤلاء الشهود العَيان لشخصِكَ الأعظم وآياتكَ الباهرة استكثروا عليكَ قارورةَ طيبٍ. لقد تعلَّموا منكَ أهميَّة الإحسان فإذا بهم يبخلون عليكَ باسم الإحسان، فإذا بهم يُقتّرون عليك باسم الخير يا ينبوعَ كل إحسانٍ وخيرٍ وصلاح.

كان دخولكَ أورشليم سبباً لزلزلةٍ نفسيَّةٍ أصابت السكان. هاجَ الصدّيقيّون والفرّيسيّون والسنهدريم اليهودي يطلبون القضاء عليك، فوجدوا في يهوذا الخائن جماعتكَ الضالَّة المنشودة لبيعكَ بثلاثين من الفضة يا خالقَ الذهب والفضة وكل الكون. وشئتَ، طاعةً للآب السماوي، أن تُساقَ كمجرمٍ،فخرجتَ الى بستان الزيتون في الجثماني تدخل في مرحلةِ توجُّعٍ مفجعٍ حتى تصبَّب العرقُ منكَ قطرات دم. وألقى الحرس الأيادي عليكَ كمجرمٍ خطير، ففرَّ تلاميذكَ الذين كانوا يتبارَون قبل سويعاتٍ قليلة في الإعلان عن وفائهم حتى الموت. وساقكَ المهاجمون بدلالةِ قبلةِ يهوذا الخائن الى سيّدِ المكر والنفاق في أورشليم حنّان رئيس الكهنَة السابق، فسخر منكَ وأحالكَ الى صهره رئيس الكهنة الحالي قيافا تلميذهُ البار في النفاق. خالفَ القوانين ودعا ليلاً الى مجمعٍ يحاكمكَ محاكمةً مختزلة ومزوَّرة للقضاء عليكَ بأسرع وقتٍ ممكن كما يفعل أيُّ رجلِ دولة معدومِ الضمير والأخلاق للخلاص من أيّ خصمٍ ولو كان خُلاصة الشرف. تعرَّضتَ للإحتقار والصفع. وفشلَ في استحضار شهودٍ يشهدون عليكَ بمنكَرٍ ما، فاحتالَ عليكَ لانتزاع إقرارٍ منكَ يحكم عليكَ بموجبهِ، فسألكَ عمّا إذا كنتَ المسيح ابن الله. لم تخف، بل علَّمتنا أن نعترفَ بالحقيقة ببطولةٍ نادرة. وبدلاً من أن تساورهُ الوساوس أمام هذا الإقرار كما ساورت للحظاتٍ بيلاطس، إنتزعَ من المجمعِ قراراً بالقضاء عليكَ بتهمةِ التجديف التي تستوجب الموت. غطّى محاكماته الليليّة الباطلة بمحاكمةٍ نهاريَّة صوريَّة في الصباح الباكر. وساقكَ محفوفاً بجماعتهِ الى الوالي بيلاطس البنطي[211] صاحب الحق الوحيد في تسليمكَ الى الصلب. واندسَّ رؤساء الكهنة والكهنة والفرّيسيّون في صفوف الشعب يوغرون عليكَ الصدورَ لإرغام بيلاطس على إصدار الحكم عليك بالصلب. ونسيَ الشعب قيامة لعازر وما لا يحصى من عجائبكَ. واعترف بيلاطس بأنهُ لا يجِدُ فيكَ سبباً ليقضيَ عليكَ. أحالكَ الى هيرودوس رئيس ربع الجليل لأنكَ جليليٌّ فسخرَ منكَ. تصالحَ مع بيلاطس على حسابكَ وأعادكَ إليه لتخضعَ لمحاكمةٍ إعتباطيَّة تجري فصولها بين تردُّدات بيلاطس ووسواسهِ التي أملَتها براءتكَ وصورتكَ الطاهرة وكلماتكَ المدهشة وإنذار زوجتهِ من جهة، وبين ضغطِ الجمهور الهائج الصاخب بدسائس رؤساء الكهنة وحلفائهم الأشرار. كان بيلاطس يعلم أنهم أسلموكَ حسداً. غسلَ يدَيهِ المملوءتَين من الرشى والظلم أمام الشعب. تبرّأ من دمكَ ليعودَ بعد هنيهاتٍ الى إصدار الحكم عليكَ بالصلبِ تجنُّباً للنقمة الشعبيَّة القابلة للإنقلابِ الى بلبلةٍ واسعة. خضعتَ في أثناء ذلكَ الى ألوانٍ من الّلطم والّلكم والجلد والهزء والبصاق وإكليل الشوك وكل ما هو معروف من ضراواتٍ كان يرتكبها العسكر الروماني ضد الثائرين على السلطة الرومانيَة. ساقوكَ الى الصلبِ مُدمى. خارت قواكَ من شدَّة ما قاسَيتَ من آلام، فسخّروا سمعان القيرواني ليحملَ صليبك. آه! تعبتَ، أصابكَ إرهاق تحت وقرِ الصليب الذي حمَّلكَ إيّاه بنو آدم. وأتيتَ الجلجلة فبسطوكَ على الصليب يا باسطَ الكون، وثقبوا يدَيكَ ورجلَيكَ بالمسامير لتثبيتكَ على الصليب يا مَن أقمتَ الكونَ ثابتاً بلا عمَد ولا مسامير على قواعدٍ فيزيائيَّة هي معجزة من معجزاتك في كل الحقول. وأبَيتَ أن تُناوَل أي شراب يخفّف من وطأة آلامك وذلك لكي تشرب الكاسَ التي سقاكَ إياها بنو آدم مترعةً. وتعرَّضتَ مجدَّداً للهزء، وجدَّفَ عليكَ اللصان المصلوبان إلا ان أحدهما تأثّر بكَ، فعادَ عن ضلالهِ ليدخلَ الفردوس في اليوم نفسه. كنتَ منهوكاً مع أنكَ تقبَّلتَ كل شيء طَوعاً وببطولة. لم يطُل بكَ الأمر فأسلمتَ روحكَ بين يدَي أبيكَ السماوي. ومع هذا لم تنسَ والدتكَ الناظرة إليكَ، فألقَيتَ إليها بنظرةٍ وأودعتها لدى التلميذ الحبيب الوفي يوحنا الذي انفردَ ونساء تبِعنَكَ من الجليل-من دون تلاميذك جميعاً-بالجرأة على مشاهدة آلامكَ ودفنكَ. وغالى الجندُ، فما رضيَ أحدهم بموتكَ فأقدمَ على التمثيل بكَ. والتمثيلُ أمرٌ مستفظعٌ. تناولَ حربةً ونحرَ بها جنبكَ الطاهر فجرى منهُ مُسيل دمٍ وماء، لتكونَ ذبيحةَ عهدٍ جديدٍ بالدم الطاهر دمِ ابن الله الذي نسخَ الى الأبد دماءَ ثيران وكباش العهد القديم. هذه الحربةُ هي السكين التي تمَّ بها نحرَكَ يا ابن الله وحمَلهُ الرافع خطايا العالم، لا كما ينحر اليهود الخراف بقطعِ الرأس بل بفتحِ الجنب إشعاراً لنا بأن ذبيحتنا الفصحيَّة هي ميلادٌ جديدٌ لنا. ألم تخلق حوّاء من جنب آدم في يوم الجمعة؟ ألم تخلُق الإنسان من ماءٍ وتراب جبلتهُما ومن نفخةٍ من روحكَ في أنفه؟ واليوم تخلقنا بصورة أرفع جداً في فردوسٍ جديدٍ ألمع من الفردوس الأرضي السابق. خلقتَنا بدءاً بأمرٍ منكَ ونفخة، اليوم تخلقنا وأنتَ شهيدٌ مُدمى بالجراح حبّاً بنا. تجبلنا بدمكَ يا أزكى الشهداء وإمامهم! تجبلنا بماء جسمكَ. حوّاء الجديدة، أي الكنيسة، خرجت اليوم من جنبِكَ قائمةً على المعموديَّة والقربان المقدَّس والروح القدس. الروح القدس أتى إلينا أقنوميّاً لنكونَ أقانيمَ كنيستكَ الواحدة في فردوسٍ جديدٍ أعظمَ من الفردوس القديم. شجرةُ الحياة في هذا رمزٌ لصليبكَ شجرةَ الحياة الحقَّة التي نأكلُ منها فلا نموت مثل آدم.

الكنيسة عروسكَ ولحمٌ من لحمكَ وعظمٌ من عظامكَ. هل تذكرَّتَ أمكَ العذراء ما قلتَهُ لها في عرس قانا الجليل: “ساعتي لم تأتِ بعد؟”، هل أدركَتَ أن هذه هي ساعتكَ المرسومة في مقاصد الله الأزليَّة لخلاص البشر؟ هل أدركَتَ أن عرسَ قانا الجليل رمزٌ ورسمٌ لهذا العرس الإلهي الذي يجري على خشبة الصليب بينكَ وبين الكنيسة حوّاء الجديدة ممهوراً بالخمر الجديدة (أي دمكَ الطاهر) مهراقة مدرارة للسرور والغبطة الأبديّين؟

فطوبى ليوحنا حبيبُكَوطوبى للنساء حاملات الطيب، شهود هذا العرس الإلهي! طوبى ليوسف ونيقوديموس حاملَي جسدكَ الإلهي الى وليمة الخلاص في القبر من حيث أشرق شمس البر بهيّاً زاهياً وعاقداً معنا فصحاً أبديّاً وعرساً خالداً في الإغتباط والتحلّي بالتألُّه الكثير الأنوار السماويَّة.

أنتَ قلتَ إن موتَكَ معموديَّة (لوقا 12: 50) لقد شهدتَ شهادةً حسنة واعترفتَ الإعترافَ الحسَن أمام مجمع اليهود وبيلاطس، وقضَيتَ نحبَكَ شهيداً مؤسساً معموديَّةَ الشهادة ليكونَ كل المعتمدين باسمكَ معترفين وشهداء يسخرون من الموت والصعوبات ليرضَوكَ وحدكَ.

نحن اليوم فيكَ أقانيمُ مخلوقون، آلهةٌ مخلوقون قد خلَقَنا الروح القدس. لم نعُد بعدُ نفخةً منكَ. نحن مجبولون بروحكَ القدوس لنكونَ “لحماً من لحمكَ وعظماً من عظامكَ”. وإذ نحن موجودون فيك، قائمونَ فيك، نغتذي بجسدكَ ودمكَ ونترعرع في روحكَ القدوس بنموٍ في رضوانكَ والنسك والأعمال الصالحة حتى نبلغَ ملء قامتكَ حيث تكون أنتَ الكل في الكل. فأيُّ نعيمٍ في الدنيا أو أيُّ فردوس مفقود يُعادل قطرة واحدة من هذا الفردوس الجديد؟ فيا لهُ من سر محبةٍ لا يوصف: الله المذبوح على الصليب، المدفون في قبرٍ في بستان، هو مائدةُ فصحنا الأبدي اللذيذة وفردوسُنا المشتهى وقيامتُنا من موت الخطيئة والفساد.

ولم تردع الظلمة المنتشرة على الأرض ولا الزلزلة ولا تمزُّق حجاب الهيكل أصحاب الرقاب الصلبة والقلوب الحجريَّة. يوسف ونيقوديموس-كممثلَين للبقيَّة التي تنبأ عنها أشعياء النبي، البقيَّة التي ستخلص من آل إسرائيل بعد هلاكِ الباقين الى يوم القيامة-من أعضاء المجمع تلميذاك السريّان خرجا من السر الى العلَن وقدِما يشتركان في مراسم دفنِك. ودفنوكَ سريعاً لاقتراب يوم السبت الذي كان الفصح في تلك السنة واقعاً فيه. وتواقحَ رؤساء اليهود فطلبوا الى بيلاطس حماية القبر ففوَّضَ الأمر إليهم مقدّماً بعض الجند، فأقاموا حرّاساً على القبر وختموه. توهَّمت النساء أنك بحاجةٍ الى طيوبٍ تقي جسدكَ الطاهر من سرعة البلى، وهنَّ لا يدرينَ أنكَ لن تبقى في القبر. وقمتَ ساحقاً الموتَ والجحيم وكل قوات العدو، فسعى الحرّاس الى الرؤساء يخبرونهم بالحدث الجلل، فأمعنَ هؤلاء في الضلال ورشَوا الحرّاس ليقولوا إن التلاميذ أتوا ليلاً وسرقوك بينما كانوا نياماً، ووعدوهم بتغطية هذه الكذبة لدى الوالي بيلاطس المعروف تاريخيّاً بالتلوّث وبالرشى، ولكن كيف علِموا بالسرقة وهم نيامٌ؟ لقد اتَّفق الفرقاء الثلاثة على الباطل ومقاومة الحق حتى النهاية فكانوا مجدّفين كباراً على الروح القدس الذي هو روح الحق.

ولكن في هذه السياحة الطويلة معكَ، كنتُ أطوفُ في ثنايا نفسي لأجدَ فيها يهوذا وحنَان وقيافا والكهنة والفرّيسيّين ووجهاء الشعب وبيلاطس والعسكر والشعب المتقلّب وبطرس وباقي التلاميذ وكل الجبناء والضعفاء والمتقلّبين والحسّاد والسفّاحين والخوَنة وسائر ألوان المجرمين مع فارقٍ كبير. الفارقُ الكبير هو أن هؤلاء جميعاً كانوا يجهلون هويَّتكَ الحقيقيَّة، فصلَّيتَ أنتَ من أجلهم لكي يغفرَ لهم الآب السماوي لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون. ألم يقل بولس رسولكَ الأعظم أنهم لو علِموا لما صلبوا ربَّ المجد؟ أما أنا فأعلمُ أنك رب المجد الإله من الإله. ومع هذا خطئتُ دوماً وأخطأُ إليكَ عن علمٍ بكل ما خطئوا بهِ إليكَ عن جهلٍ مرةً واحدة، وتذكرتُ ما جاءَ في الرسالة الى العبرانيّين عن الوجود في صلبِ إبراهيم، فقلتُ إني موجودٌ في صلبِ آدم، فلا غرابةَ أن تختفي في طيّاتِ نفسي كلُّ إمكانات الإجرام التي ارتكبَها نسلُ آدم من عدوانهِ على وصيَّة الله حتى يوم القيامة، وإن الشيء من معدنهِ لا يُستكثَر. فأنا سليلُ آدم، إذاً: أنا مجرمٌ خطير.

وقلتُ لنفسي، هذا الذي ذاقَهُ يسوع البار من عذابٍ أليمٍ هو ما تستحقّينهُ أنتِ أيتها النفس المحشوَّة بالآثام حشواَ منقطعَ النظير. وتضايقتُ في داخلي. كيف أقدَمَ بنو آدم على ايذاء يسوع ابن الله إيذاءً تستحقّهُ أعمالهم الرديئة لا براءتهُ وطهرهُ. كيف عاملتهُ أنا تكراراً بمثل هذه المعاملة التي أنا وحدي أستحقُّها؟ وهبطَت بي نفسي الى قعر الجحيم الغمّ لأرى يداً خفيَّةً تنتشلني من وهدةِ اليأس. فإذا بها يد يسوع ليُسمعَني من فمهِ العذب: هكذا شاءَ الآب السماوي أن يسحقَني بالآلام لأكونَ مسحوقاً طبيّاً يشفي آلامك. هكذا شاءَ أن أُقرّبَ نفسي بروحٍ إلهيَّة محرقة، لم تُشوَ بالنار بل بالعذاب والروح، لأكونَ بالروح القدس محرقةً حيَّةً قائمة من بين الأموات لا محرقةً تُفنى بالنار أو في الجوف، لأكونَ طعاماً حيّاً لا ميتاً، تتناولهُ في القربان لتحيا الى الأبد ولتتحوَّل جذريّاً من ذاتكَ الملوَّثة إليَّ. أردتُ بمحرقتي تحويلَك.

ونظرتُ أنا الى آثار المسامير والحربة في جسدكَ الناهض من القبر مستفسراً عن سبب وجودها بعد قيامتكَ في جسدكَ السماوي النوراني لأسمعَ من عذوبتكَ أن حبَّكَ للبشر قويٌّ الى حدٍّ احتفظتَ معهُ بها في جسدكَ النوراني، لأن هذه هي مَرضاة الآب السماوي أن تكونَ سمات المحبة المتألمة أقوى من الموت.

أيها ألاب السماوي، لديكَ أبواباً لا تُعدُّ ولا تُحصى لإعادتنا الى الفردوس. إبنكَ يسوع أقام الموتى وصنعَ العجائب التي لا تُحصى لإعادتنا الى الفردوس. إبنكَ يسوع أقامَ الموتى وصنع العجائب التي لا تُحصى حتى أن هُدبَ ثوبه صنعَ معجزةً. لما لم يُنقذنا بغير هذه الطريقة؟ ولماذا لم تختر لهُ طريقاً آخر؟ ودوى في أذنيَّ قولُ يسوع: “ليس لأحدٍ حبُّ أعظمُ من هذا، أن يبذلَ نفسهُ عن أحبائه” (يوحنا 15: 13″، “هكذا أحبَّ الله العالم حتى بذلَ ابنهُ الوحيد لكي لا يهلك كلُّ مَن يؤمن بهِ بل تكون لهُ الحياة الأبديَّة” (يوحنا 3: 16)

فأدركتُ للحال أن هذا هو سرُّ محبة الله الآب لنا، وأن الحب بدون استشهاد هو كلامٌ فارغٌ وادّعاءٌ كاذب. فلا حبَّ إلا في الدم المهراق.

الله الآب بذل ابنهُ. الإبن الوحيد بذلَ ذاتهُ مَحرقةً على الصليب في الروح القدس. إلهٌ تألَّم من أجلي كأنه أخطر المجرمين. الصليبُ هو عنوان محبة الثالوث القدّوس لنا. فيا ذهني، كُن مصلوباً مع المسيح، يا عقلي كُن مدفوناً مع المسيح، يا لساني اخرس، يا قلبي مُت، يا نبضي قِف بما أنكم لا تطيقون احتمال هذا السر الرهيب. أنتم مهدَّدون بالفناء عند ملامستهِ إن لم تُدرككم رحمة ذبيحة الصليب. آه! لقد أصبتَ من القلوب مقتلاً أيها الثالوث القدّوس. إن سهام حبَّكَ ألغت كل السهام الأخرى يا يسوع. فاجرحنا بها، إجرح ما شئتَ حتى تظهر فينا سماتكَ، حتى يتمُّ التصاقنا الكامل بتجسُّدكَ وآلامكَ ودفنكَ وقيامتكَ وصعودكَ الى السماء لنجلسَ عن يمين الآب حاملينَفي ذواتنا مجدكَ الموعود. إعتبرتَ الصليب مجدكَ والقيامةُ هي مجدُكَ أيضاً. فمجّدنا معكَ بهما غالبينَ فيكَ الخطيئة والموت والجحيم وكل قوات العدو[212].

الجمعة – فجر السبت العظيم 1979

لا شيءَ يُعادل في الروعةِ أناشيدَ الأرثوذكس في أيام الخميس والجمعة والسبت العظيمة والفصح المجيد. وقد أنشأَتها أقلامُ لاهوتيّين مُندهشين.

في السنكسارات وعبارات ختام الصلوات تعابيرَ لاهوتيَّة حيَّة:

1- سنكسار صلاة سحر الجمعة التي نُقيمها عادةً مساء الخميس:

“في يوم الجمعة العظيم المقدَّس، نقيم تذكار آلام ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح المقدَّسة الخلاصيَّة الرهيبة، أعني: البِصاق واللطمات والضربات والشتائم والضحك ولباس البرفير والقصبة والإسفنجة والخل والمسامير والحربة وعلى الأخص الصليب والموت والآلام التي احتملها طوعاً لأجلنا. ونقيم أيضاً تذكار الإعتراف الإلهي الخلاصي الذي أبداه اللص الشكور على الصليب.

أيها الميتُ العريان، كلمة الله الحي الذي من الآب قد ولِد، أنتَ هو إلهٌ حيٌّ ولئن كنتَ رفِعتَ على عودٍ وأُمِتَّ”.

عبارة الختام: “يا مَن احتملَ البصاقَ والسياطَ والتقريعات والموت لأجل خلاص العالم أيها المسيح إلهنا…”

2- البيت والسنكسار المقولان في الجناز:

“إن الضابط الكل قد رُفعَ على الصليب، والخليقةُ بأسرها انتحبت لما رأتهُ معلَّقاً على الخشبة عارياً، والشمسُ أخفَت أشعَّتها، والكواكب لم تعطِ ضوءها والأرض بادت مضطربة، والبحر توارى، والصخور تفطَّرت، والقبور تفتَّحت، وأجساد رجال قدّيسين نهضت، والجحيم تنهَّدت أسفل، واليهود تفكَّروا في اختراع أكاذيبَ لإخفاء قيامة المسيح، والنسوة صرخنَ هاتفاتٍ: هذا هو السبتُ المبارك الذي فيهِ رقدَ المسيح وسيقومُ في اليوم الثالث”.

السنكسار: “في يوم السبت العظيم المقدَّس نعيّدُ لدفنِ الجسم الإلهي وانحدار ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح الى الجحيم الذي بهِ أعادَ جنسَنا من الفساد ونقلَهُ الى حياةٍ أبديَّة. فبتنازلكَ الذي لا يوصَف، أيها المسيح إلهنا ارحمنا آمين.”

وحدّث عن روعة قصائد الجناز ولا حرَج. فليراجعها القارىء الكريم. عبارة الختام: “يا مَن لأجلنا نحن البشر ولأجل خلاصنا اقتبلتَ بالجسد، الآلام الرهيبة والصليب المحيي والدفن الإختياري، أيها المسيح إلهنا…”

3- أما ترانيم الفصح المعروفة باسم قانون الفصح الذي نظمهُ اللاهوتي الملهم يوحنا الدمشقي، فهي أعجوبةُ الترنيم. تتكرَّر فيهِ كثيراً ترنيمة:

“المسيح قام من بين الأموات ووطىء الموتَ بالموت ووهب الحياة للذين في القبور”.

ومن أجملها هذه الترنيمة المستوحاة من خطبة غريغوريوس اللاهوتي (45: نهاية 28): ” أيها المسيح المخلّص، إننا أمس قد دُفنّا معك، فنقومُ اليومَ معك بقيامتكَ. أمسُ قد صُلبنا معك، فأنتَ مجّدنا معكَ في ملكوتكَ”. فيها عمقٌ لاهوتيٌّ كبيرٌ طرقهُ بولس الرسول وجعل منهُ غريغوريوس مادَّةُ دسمة جداً في خِطَبهِ للتعبير الرائع عن اشتراكنا في كل أحداث حياة يسوع فيجعلها أحداثَ حياتنا الخاصة: ولِدنا معهُ، … دخلنا أورشليم معهُ يوم الشعانين، تألَّمنا معهُ، صُلبنا معهُ، دُفنّا معهُ، صعِدنا معهُ الى السماء، جلسنا معهُ عن يمين الآب.

وأيضاً: “إن المسيحَ الذي هو إكليلُ السنة المبارك منّا، قد ذُبِحَ عن الكل باختياره كحملٍ حَوليٍ، فصحاً مطهَّراً، ثم أشرقَ لنا شمس البر، من القبر بهيّاً زاهياً”

وأيضاً: “يا مخلّصي، يا مَن هو القربان الحي غير الذبيح، بما أنك إلهٌ، لقد قرَّبتَ ذاتكَ للآب باختيارك، ولما قمتَ من القبر أقمتَ معكَ آدمَ بذريَّته كلّها”.

البيت: “… جسماً حاملاً الحياة ودفيناً، جسداً مُقيماً لآدم الساقط الطريح في الضريح …” وفيه مقارنة طيوب النساء بهدايا المجوس.

السنكسار: “في أحد الفصح العظيم المقدَّس، نعيّد لقيامة ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح المحييَة. إنَّ المسيح وحدهُ انحدر لمحاربة الجحيم متنازلاً، فصعدَ إذ أخذ غنائمَ الظفر الجزيلة سالباً، فلهُ المجد والعزّة الى أبد الدهور آمين”.[213]

وهذه القطعة الرائعة: “إذ قد رأينا قيامة المسيح فلنسجد للرب القدوس يسوع… لصليبكَ أيها المسيح إلهنا نسجُد ولقيامتكَ المقدَّسة نسبّح ونمجّد، لأنه هو ذا بالصليب قد أتى الفرحُ لكل العالم… لأنهُ إذ احتملَ الصلبَ من أجلنا حطمَ الموتَ بالموت”.

وأيضاً: “إن الذي أنقذَ الفتية من الأتون لما صار إنساناً، تألم بما أنه مائت، وبآلامهِ سربلَ المائت جمالَ عدم الفساد، أعني بهِ إله آبائنا تباركَ وتمجَّدَ وحدهُ”.

وأيضاً: “المسيح فصحٌ جديدٌ وذبيحةٌ حيَّة، حملُ الله الرافع خطايا العالم”.

وأيضاً: ” لما رقدتَ أقمتَ المائتين منذ الدهر، وأيقظتهُم زائراً ملوكيّاً مثل أسدٍ من يهوذا”.

وأيضاً: ” يا مَن أشرفُ، يا مَن أحب، يا ما ألذ نغمتكَ أيها المسيح…”

وأيضاً: “أيها المسيح الفصح الأجلّ الأمثَل، … أنعِم علينا بأن نساهم فيكَ بأوفر بيان (هكذا ترجمَها جراسيموس مسرَّة) في نهار ملككَ الذي لا يغرب أبداً “[214]

ويزيد في روعة هذه الترانيم مبنى ومعنى، توقيعها الموسيقي البيزنطي المدهش. فالموسيقى البيزنطيَّة قمَّة الموسيقى الشرقيَّة وأمُّها. وقد قارنَ الموسيقار الكبير زكريا أحمد بها الموسيقى الغربية، فقال إن هذه تشبه السمن الصناعي بالنسبة للشرقيَّة التي تشبه السمن البلدي.

وفي ختام هذا الإستعراض، يحلو لي أن أُبدي الملاحظات التالية:

1- إن المؤلّفين المعاصرين يُهملون الإستشهاد بأناشيد الكنيسة مع أنها مرجع لاهوتي كبير. وهي تسُدُّ الثغرات حين فقدان النص في كتابات الآباء الأخرى. أشارَ لوسكي إليها عرَضاً مع أنها تحوي خلاصة فكر الآباء في سر الفداء.

2- أناشيد الكنيسة الأرثوذكسيَّة تكريسٌ رسميٌّ يوميٌّ في الصلوات لتحديدات المجامع المسكونيَّة حول شخصِ يسوع الواحد الذي ننسبُ إليهِ صفات اللاهوت والناسوت. وإذا علِمنا أن أناشيد الدمشقي مستوحاة الى حدٍ بعيد من غريغوريوس اللاهوتي، أدركنا رسوخ كنيستنا في التمسُّك بنسبةِ الآلام والصلب الى أقنومِ يسوع. وهذا ليس نجاحاً منفرداً للاهوت كيرلّلس في المجمع الخامس المسكوني، بل نجاحاً للاهوت الكنيسة المستمر منذ الرسل حتى اليوم.

3- تَعارض لاهوتنا بقوَّة مع النسطوريَّة.

الفصل الحادي عشر

القيامة[215]

1- الرسالة الفصحيَّة

غبّالمصافحة الأخويَّة بالفادي يسوع والتحيّات الزكيَّة وافتقاد الخاطر الكريم نُبدي:

نشكرُ الله تعالى على نعَمِهِ الغزيرة التي يغدِقها علينا ومحبَّتهِ المتجليَّة بافتقادنا. فبقلبٍ مفعمٍ بالسرور نبادلكم القبلة الفصحيَّة عربونَ امتزاجنا بدم المسيح وقيامتهِ، وتحوّلنا في نشوةِ الإرتياح أمام الجلجلة والقبر الى محفِلٍ روحيٍّ تجمعهُ المحبة مرنّماً بخشوعٍ لمن لطُفَ بنا فصار لنا فصحاً أبديّاً نتناولهُ بالشكرِ ساجدين. جعلهُ الله لكم عيدَ سرورٍ أبديٍّ.

إن هذه الأيام الخلاصيَّة التي نتذكر فيها آلام الرب ودفنه وقيامته ما كانت إلا لتدمجَنا في حياة المسيح الرب فنعيش معهُ لحظةً بعد لحظة الصليبَ المجيد منذ تنازلَ لخلاصنا، فهو خروفنا المذبوح قبل الدهور. أخلى نفسهُ ووضعها محتملاً كلَّ شيء لأجل خلاصنا حتى الموت على الصليب، وقد دعانا الى حمل صليبنا كلَّ يوم واقتفاء آثاره.

فلتكن ذكرى الصلب لنا إرساخاً لأقدامنا في حملِ الصليب على مناكبنا والوقوف معه على الجلجلة مصلوبينَ للعالم، مصلوباً لنا حتى نبلغَ بهِ انتفاضة قيامةَ مجدٍ أبديٍ ماحقينَ قوى الشر والجحيم معاً.

يا لها من حقائقَ تنقل الإنسان من عالم المادة والفساد الى عالم الفضيلة في رفعةِ الروح وبهاء التحلّي بالنعمة الإلهيَّة المخلّصة. فالقلمُ، كلُّ قلمٍ عاجزٌ عن وصف أمجاد العيد. واللسانُ، كلُّ لسانٍ عاجز عن منحهِ حقَّهُ في الثناء والمديح.

والآن ليس لنا سوى أن نسجدَ خاشعين مهلّلين مندهشين لمن فتحَ لنا أبواب الفردوس ونقلَنا من أرض عبوديَّة الخطيئة الى حريَّة أبناء النور والحق. فلنبارك ولنمجّد مَن هو علَّةُ هذه الخيرات، أي إله آبائنا وتباركَ وتمجَّدَ وحدَهُ. لقد اشترانا بدمهِ المسفوك عناّ فتحوّلنا بدمهِ من مائتينَ فاسدين الى خالدينَ في نور الروح القدس. فهل تكونَ لنا كأسُ الخلاص غرقاً في لجَّة دم المحبة المضحاة لنبذلَ نحن أيضاً أنفسنا عن الرعيّة كما بذَلَ هو نفسَهُ عن الجميع؟

إن البشريَّة تنسى دوماً أن يسوع ذاتهُ هو هو الطريق، فيهِ نحيا ونتحرّك ونوجد. هو مركز ثقَلِنا الأوحد المتحكّم في حركاتنا وسُكناتنا. يقوم في وسطِ كل منا حياةً جديدة مندفعةً الى العلاء، متشوّقة الى الأصل، الآب السماوي.

نسأل يسوع الناهض من القبر في اليوم الثالث أن تتحقَّق قيامتهُ المجيدة فينا وأن يديمَ نعمتَهُ الإلهيَّة معنا وفيما بيننا، آمين.

2- المسيحُ قام … حقّاً قام

في صبيحة يوم الفصح، يتبارى المسيحيّون في الهتاف بعضهم لبعض: “المسيح قام” ليسمعوا ردّاً أقوى “حقاً قام”. الهاتف الأول مبشّرٌ مؤمنٌ بالقيامة، مغتبطٌ بالغلبَة فرح النصر، ممتلىءٌ بالرجاء، مذهوٌل بملاشاة الموت وبزوغ الحياة الجديدة. وهتاف الثاني الجوابي تعبيرٌ أقوى عن إيمانٍ حيٍّ أوعبَ النفس بشعورِ واقعيَّة القيامة. القيامة بالنسبة إليه حقيقةً راهنة لا تقبل الجدَل ولا يقف في وجهها اعتراض: “حقّاً قام”. ليس بعدُ هذا التأكيد مجالٌ للشك ولا بابٌ لجعل القضيَّة من بابِ الأمل أو الرجاء. “حقّاً قام” أي أن القيامة وقعت فعلاً، وفيها نعيشُ مذهولين من شدَّة فرحٍ غمرَ القلوب ونقلَ النفوس من حال اليأس والبؤس الى حال التلألؤ بغبطةٍ ليست من هذا العالم.

فلا غرابةَ أن يكون عيد القيامة عيد الأعياد وموسم المواسم وأن تكون قيامة المسيح الموضوع الأول في بشارة الرسل: “إن كان المسيح لم يقُم، فكرازتنا إذاً باطلة وايمانكم أيضاً باطل” (1كو 15: 14) فلو لم يقم المسيح لما كانت الديانة المسيحيَّة. ولكنهُ قامَ وهو باكورة الراقدين.

في آدم مات الجميع. بآدم انتقل الموت الى الجميع، أما في المسيح فقد قامَ الجميع. بالمسيح انتقل الجميع من الموت الى الحياة (1 كو 15: 20- 21 ورومية 5: 10-21). المسيح فصحنا الأبدي أجازَنا من أرض عبوديَّة الخطيئة والشيطان والموت الى حياة الطهارة والمجد والنصر والخلود. ولم نجُز بواسطتهِ كأنهُ شيءٌ خارجٌ عنا، إنما جزنا فيهِ لأنه هو حيّزنا الطبيعي. فيسوع الإله المتجسّد أتى الى الأرض ليتَّخذَنا مسكناً لهُ “فيه نحيا ونتحرَّك ونوجَد” (أعمال 17: 28).

وإذا ما سمعنا يوم الفصح تلاوة من الفصل الأول من إنجيل يوحنا، فلنفهم أن عمق أسرار الله تجلّى لنا في يوم القيامة، يوم ملكوت الله على الأرض في مجدٍ عظيم. “فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس … والكلمة صار جسداً وسكن فينا وقد أبصرنا مجده … ومن امتلائه نحن كلُّنا أخذنا نعمة فوق نعمة”. وفي هذا الفصل نفسه يبشّرنا يوحنا الإنجيلي بأن يسوع أَولى المؤمنين أن يكونوا أبناءَ الله. نعم، إن الله صار إنساناً لكي يصيرَ الإنسانَ إلهاً. في التجسُّد الإلهي ارتدى يسوع جسدَ تواضعنا فعاش الفقر الروحي ووضعَ نفسهُ وأطاعَ الآب حتى الموت على الصليب. فحملَ هكذا الصليب منذ تجسُّده حتى دفنهِ. أما في القيامة، فقد بزغَ من القبرِ قيامةً وحياةً جديدةً لتابعيه. على الصليب وفي القبر، بادت شوكة الخطيئة وسلطة الموت وجبروت الشيطان وقوَّة الجحيم. وتلاشى الفساد والبلى، وانبعثنا لحياةٍ جديدة خالدة في مجدٍ إلهيٍ بهيٍّ. وما لي أقول انبعثنا؟ إنما انبعثَ المسيح فينا. فما جرى للمسيح منذ تنازلهِ العظيم للتوشُح بجسدنا، حتى صعوده المجيد الى السماء، يجري لكلِّ واحدٍ منا في المسيح وبالمسيح ومع المسيح. ولنسمع بإمعانٍ ورويَّة ما صدحَ بهِ غريغوريوس اللاهوتي من بعد الرسول بولس: “بالأمس كنتُ مصلوباً مع المسيح، واليوم أنا ممجَّدٌ معهُ. بالأمس كنتُ أموتُ مع المسيح، واليوم أحيا معهُ من جديد. بالأمس كنتُ مدفوناً مع المسيح، واليوم أخرجُ معهُ من القبر. فلنحمل بواكيرنا إذاً الى مَن تألَّم وقامَ من أجلنا… لنجعل بحسب صورتهِ ما يشبههُبالأكثر… لنكن كالمسيح بما أن المسيح صار مثلَنا، لنصر آلهةً من أجلهِ بما أنهُ صار إنساناً من أجلنا” (مين 36: 397).

وكان الثاولوغس مغرماً بتعمُّق سر اتّحادنا بجميع دقائق حياة المسيح، فتحدَّث عن الموضوع بشغف واختطاف مراراً: “كُن مصلوباً مع المسيح، كُن مماتاً معهُ، كُن مدفوناً معهُ، لكي تقومَ معهُ، وتمجَّد معهُ وتملكَ معهُ” (مين 36: 332-333)

أما الرسول فسبقَ وقال: “دُفِنا معهُ في الموت حتى أننا كما أُقيمَ المسيح من بين الأموات بمجد الآب كذلك نسلُك نحن أيضاً في جُدَّة الحياة. لأناّ إذا كنا قد غُرسنا معهُ على شبهِ موتهِ، فنكون على شبهِ قيامتهِ أيضاً… فإن كنا قد مُتنا مع المسيح، نؤمن أننا سنحيا أيضاً معهُ” (رومية 6: 4 و 5 و 6)، “حين كنا قد مُتنا مع المسيح، نؤمن أنّا سنحيا أيضاً معه” (رومية 6: 4 و 5 و 6) “حين كنّا أمواتاً بالزلات أحياناً (الله) مع المسيح فإنكم بالنعمة مُخلَّصون. وأقامنا معهُ وأجلسَنا معهُ في السماوات في المسيح يسوع” (أفسس 2: 5-6) “إذاً إن كنتم مع المسيح فابتغوا ما هو فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله” (كولوسي 3: 1).

هذا الإرتباط الكَياني بين مصيرنا ومصير المسيح يجعل قيامتهُ منطلقاً لنا نحو حياةٍ جديدة على رجاء القيامة العامَّة. ونحن الذين رسخنا معهُ في تجسُّدهِ وصلبهِ ودفنهِ وقيامتهِ وصعودهِ وجلوسهِ عن يمين الآب، سنكون راسخين فيه يوم مجيئه الثاني المجيد. فنحن لا نتمتَّع بوجودٍ خاص منفصلٍ عن المسيح، إنما نملك تمام كياننا في المسيح حيث نحنُ خليقةٌ جديدة مجبولة بدمِ المسيح المسفوك على الصليب. هذا الدم عقدَ الله بهِ مع كلٍ منّا عهداً جديداً أبديّاً وفصحاً خلاصيّاً. جميعنا نشترك في خروفِ الفصح الجديد فنأكلَ منهُ نائلينَ الصفحَ عن خطايانا وممتلكينَ في ذواتنا يسوع المصلوب الناهض من القبر وقوة للخلاص والفوز بالنعيم الأبدي. جميعُنا نشترك، جميُعنا نقتحم قدسَ أقداس الله، بلا تفريقٍ ولا تمييزٍ لأن المسيح جاء ليُخلّصَ الإنسان، كلُ إنسان، وكل الإنسان. فالعيد للجميع والفرح للجميع والظفر للجميع. وفرحُنا روحيٌّ في المسيح الواحد الذي دمجَنا في ذاتهِ لرجاءٍ واحدٍ. فلا صغير ولا كبير، لا غني ولا فقير، لا ملك ولا عبد، لا سيّد ولا مَسود. الجميع إخوة متساوون أمام يسوع وأقربهم إليه هو أكثرهم تواضعاً وانسحاقاً أمامهُ. هو أعمقُهم محبَّةً للإخوة وأسخاهم بذلاً للذات في خدمة الآخرين. وأقدرُ الناس على التمتُّع بالمواهب الروحيَّة، إنما هم الذين ينهمكون أقلَّ من غيرهم في مشاغل الحياة. هم الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة، لأن المواهبَ الروحيَّة توزَّع بحسب عواطف القلب، كما قال الذهبي الفم، لا بحسب مناصب الناس. وقد طرقَ موضوع المساواة بين الناس ببراعة ووضوح رائع وقال: “النعمة السماويَّة لا تعرف التمييز بين الأشخاص”[216]. فإذ نجتمع في يوم الفصح-والزمان كلُّه بعد قيامة المسيح قيامة وفصح[217]-أمام مائدة خلاصيَّة واحدة، لنتناول المسيح الواحد الذي يضمُّنا إليه صانعاً منا نحن الكثيرين واحداً في جسده الواحد. فلنرفع الأيادي شاكرين ومسبّحين للذي نصرَنا في ذاتهِ على أعداء الجنس البشري جميعاً، ولنتذكَّر على الدوام أنَّ مَن بذلَ ذاتهُ من اجلنا إنما بذلَها لكي يقدّسنا لذاتهِ شعباً جديداً يعبد الله بخلوصِ النيَّة وصفاء القلب. فلنُطهّر ذواتُنا إذاً من الخطايا جميعاً ولنكرّس نفوسَنا لله الذي صرعَ الموت من أجلنا لكي لا نبقى تحت عبوديَّة الخوف من الموت. وإذ نتبادل الهتاف والتحيات ” المسيح قام …حقاً قام”، فلنجعل قيامة المسيح صبغتُنا وعلامتُنا الفارقة، وإلا فلا عيدَ لنا.

العيدُ روحيٌّ، فلنتبتهج بهِ في الروح لا في مسرّات الجسد وموائد الطعام والشراب. بهذه المشاعر الفصحيَّة وبهذا الفرح الروحي المتفجّر عن هذا العيد المبارك، نبارككم جميعاً ونعايدكم بهذه الذكرى المجيدة سائلين الله الناهض من القبر في اليوم الثالث أن يرمقكم بعينِ عنايتهِ ويرافقكم في جميع مراحل حياتكم، فيجعل ذكرى قيامتهِ حيَّة في قلوبكم ويشملكم دائماً بنعمتهِ الإلهيَّة، آمين.

3- المنشور الفصحي

“المسيح قام” . بكل ما تحملهُ هذه العبارة من معنى لصميم الوجود، نتوجّه بها اليوم مبشّرين ومؤمنين بقيامة المسيح. فافرحوا إذاً ثم نقول أيضاً افرحوا. فقيامة المسيح بسلطانهِ الذاتي معجزة المعجزات لجميع الذين استولى عليهم الخوف من الموت. وكلُّنا مائتون نعيش منتظرين ساعة الموت الرهيبة. ولكن قيامة المسيح قد برهنت مرةً واحدة ولمدى الدهور أن هناك مَن جعل القبر مصدر قيامة وحياة جديدة. لقد داسَ الموت، وأعطانا أن ندوسَهُ، فهل من نصرٍ أعظمَ من ذلك؟ كل انتصارٍ من أيّ لون كان يذوي أمام هذا الإنتصار العظيم. لم يعد الموتُ غولاً، لم يعد الموت انحلالاً تنتهي معهُ الحياة في لحدٍ وإنتان. لم يعُد الموت دوراً نهائيّاً من أدوار وجودنا نختفي معهُ الى الأبد بدون أثر. قام المسيح، فالخلودُ إذاً حقيقة. قام المسيح، فالروحُ إذاً خالدة لا تموت. قام المسيح وسنقوم نحن معهُ.

كان الموت يتحدّى كل الناس فيصرعهم، أما الآن فإننا نتحدّى الموت غير عابئين بشيء لأننا نؤمن أن الموت هو انتقالنا من عالم الفساد الى عالم البقاء. فلنسبّح المسيح الى الأبد في عيد الأعياد وموسم المواسم منشدين لهُ أناشيد النصر والظفر.

وفي غمرة الإنشاد والتسبيح، لا تنسوا أن قيامة المسيح حادثة حقيقيّة في حياة كل مؤمن منكم. فالمسيح أتى الأرض من أجلكم، وتألَّم ومات ودُفنَ وقام من أجلكم. لم يكن هو محتاجاً الى هذا التنازل العظيم ولكنهُ قام بهِ من أجلنا. نزل إلينا لكي يرفعنا نحن الساقطين الى نور مجده. تألَّم من أجلنا لكي يمحو خطايانا التي باعدت بيننا وبينهُ. دُفنَ من أجلنا لكي يبيد الموت بموتهِ. قام من أجلنا لكي يُقيمنا ويجلسنا معهُ في السماء. كل ما صنعهُ ربنا يسوع منذ تجسُّده في الناصرة حتى إرساله الروح القدس يوم العنصرة، إنما فعلهُ من أجلنا تحدوه محبة لنا يعجز عن تصوّرها الملائكة أنفسهم.

فأمام هذه المحبة التي تسمو على كل وصفٍ وتقدير، نقفُ خطأةً غير مستحقّين لا حَولَ لنا سوى الإنسحاق الخاشع والتعلثم ببعض كلمات الشكر. لا نستطيع وفاءَ ما علينا من ديون الشكر لأن الله غمرَ جنسنا البشري بلطفٍ أعيا ألسنتنا وبهرَ عقولَنا حتى صرنا بحاجة الى نعمتهِ الإلهيّة لكي نستطيع أن نتحمّل بريق لطفهِ وإحسانه.

فماذا نكافىء الرب عن كل ما أعطانا؟ ليس الله بحاجة الى مكافآتنا ولكنهُ متشوّق الى اهتدائنا إليه. وليس الإهتداء نظرة خاطفة إليه، بل تمخُّضاً زلزاليّاً بنعمتهِ فتنهار بروج الخطيئة فينا وتنبعثُ في أحشائنا حياةً جديدة في المسيح. هذا الإهتداء يجري وسطَ عاصفة توبة تزلزل كياننا. فالصليبُ اثبتَ أن خطايانا فادحة جداً حتى أن التطهُّر منها تطلب موت المسيح. ولكن الصليب هو أيضاً عامل انقلاب حياتنا في توبةٍ صادقة تسكب فينا آلام المسيح فتجعل آلامهُ آلامنا ودفنهُ دفننا. وكما أن الصليب والدفن كانا مقدّمتَي القيامة، فكذلك يكون اشتركنا في صلب المسيح ودفنهِ عبر توبةٍ عاصفة مبعث القيامة. فمنذ الآن، نحن مصلوبون ومائتون وقائمون مع المسيح، وجالسون معهُ في السماء بصورةٍ خفيَّة اليوم ولكنها ستظهر علانيَّة يوم مجيئهِ المجيد.

المسيحُ أقرب إلينا من قربِ رأسنا الى جسمنا. المسيح فينا أكثر مما قلبنا في جسمنا. وما لنا من الحياة الحقَّة إنما هو فيه. وذهولنا عن هذه الحقائق لا يبدّل شيئاً من طبيعة القضيَّة. ولكن الواجب والإخلاص لذوتنا يتطلَّبان أن نُدير عقولَنا وأفكارنا دوماً نحو يسوع لكي نراه فينا. فلنُظهر ذواتنا ليكونَ مشعشعاً دائماً في ألباننا.

4- العظة المنسوبة الى يوحنا فم الذهب

ختمَ لوسكي كتابهُ “في اللاهوت الصوفي” بالعظة المنسوبة الى يوحنا ذهبي الفم التي نتلوها في قداس عيد الفصح المجيد. أوردُها أنا هنا لأنها تتمَّة طبيعيَّة لهذا الفصل. فالفصحُ في رأي غريغوريوس الّلاهوتي هو عيد الأعياد وموسم المواسم الذي هو أسطعُ لمعاناً من جميع أعيادنا بما فيهِ الأعياد السيّديَّة الأخرى بمقدار ما الشمس أسطع من النجوم[218].

وقد اقتصرتُ على تنقيح الترجمة المتداولة لئلا أبتعد كثيراً عمّا ألِفَهُ المؤمنون، وتمَمتُ ما فيها من نقص.

العظة

” مَن كان حَسَن العبادة ومحبّاً لله، فليتمتَّع بهذا الموسم البهيج والمضيء.

مَن كان عبداً شكوراً فليدخل فرحَ ربَّهِ مسروراً.

مَن تجشَّمَ مشقَّة الصوم فلينَل الآن دينارهُ

مَن عملَ من الساعة الأولى فليتقاضَ دَينهُ العادل، مَن قدِمَ في الساعة الثالثة فليعيّد شاكراً، مَن قدِمَ في الساعة السادسة فلا يشكَّ فإنهُ لا يخسر شيئاً، مَن تأخرَ الى الساعة التاسعة فليتقدَّم غير مرتاب، مَن لم يأتِ إلا في الساعة الحاديةَ عشرة، فلا يخفَ الإبطاء فإن السيّد جوّاد، يقبَلُ الأخير مثل الأول ويُريح العامل من الساعة الحاديةَ عشرة مثل العامل من الساعة الأولى، يرحم الأخير ويهتمُّ بالأوّل، يعطي ذاك ويهبُ هذا، يقبل الأعمال ويرحّب بالنيَّة، يُكرِمُ العمل ويمدحُ القصدَ الحسَن.

فادخلوا إذاً جميعكم الى فرح ربّكم. أيها الأوَّلون والأخيرون خُذوا أجرتكم. أيها الأغنياء والفقراء اطربوا معاً. أيها المتعنّفون والمتوانون أكرموا هذا النهار. أيها الصائمون وغير الصائمين تنعَّموا اليوم.

المائدةُ مُترعة فتمتَّعوا كلُّكم. العجلُ سمينٌ فلا يخرجنَّ أحدٌ جائعاً. تمتَّعوا كلُّكم بوليمة الإيمان، تمتَّعوا كلُّكم بغِنى الصلاح.

لا يرثيَنَّ أحدٌ فقرهُ، فإنَّ الملكوت العام قد ظهرَ.

لا ينوحنَّ أحدٌ على زلّاتهِ، فإن الصفحَ قد بزغَ من القبر.

لا يخَف أحدٌ الموت، فإنَّ موتَ المخلّص قد حرَّرنا.

لقد أطفأهُ ذاكَ الذي قبضَ عليه (الموت).

لقد سبى الجحيم ذاك الذي نزلَ الى الجحيم.

لقد مرمَرها لما ذاقت جسَدَهُ.

فإذ سبقَ أشعياء فعلِمَ ذلك صاحَ:

“تمرمرتِ الجحيم لما التقتكَ أسفل، تمرمرت لأنها أُبيدَت، تمرمرت لأنها صارت هزءاً، تمرمرت لأنها صُرعَت، تمرمرت لأنها قُيّدت.

تناولت جسماً فصادفت إلهاً. تناولت أرضاً فألِفَت سماءً. تناولت ما نظرت، فسقطت من حيث لم تنظر.

أين شوكتُكَ يا موت؟ أين غلبتُكِ يا جحيم؟

قامَ المسيح فصُرعتِ أنتِ.

قام المسيحُ فسقطَ الشياطين.

قامَ المسيح فيجذلَ الملائكة.

قامَ المسيح فتتقلَّدُ الحياة الحُكم[219].

قامَ المسيحُ فما من ميتٍ في القبر. لأن المسيح القائم من بين الأموات صارَ باكورة الراقدين، لهُ المجد والقدرة الى دهر الداهرين، آمين.

القسم الثالث

الفصل الأول

إستعمال كيرللس الإسكندري للألفاظ اللاهوتيَّة

كلُ علمٍ بحاجة الى مصطلحات ينحتها لهُ أربابه شيئاً فشيئاً. للعهد القديم مصطلحاتهِ الدينيَّة في العبريَّة والآراميَّة. أما العهد الجديد، فقد كتبهُ شرقيّون لغتهم هي الآراميَّة أو اليونانيَّة التَوراتيَّة. كتبوه باللغة اليونانيَّة. منذ فتوحات الإسكندر الكبير، غزت اللغة اليونانيَّة شيئاً فشيئاً العالم القديم حتى أضحت لغة المثقّفين جميعاً[220].

آباء الكنيسة الغربيَّة كتبوا باللغة اليونانيَّة حتى أواسط القرن الثالث ومَن تلاهم في القرن الرابع تتلمذَ على الآباء الناطقين باليونانيَّة (اليونانيَّة هنا لغةٌ لا عرق. فمنهم السوري والمصري والكابادوكي، والروماني…) ففيها تجلّى تقليد الكنيسة اللاهوتي وعنها نُقِلَ.

أفرام السوري أسَّس معهداً لترجمة الكتب اليونانيَّة الى السريانيَّة، فكان أبَ نهضتها الأدبيَّة والثقافيَّة والعلميَّة. إستفاد العرب والفرس من هذا التراث فكانت السريانيَّة لغة تدريس العلوم في نيسابور وجنديسابور. ولا نستغرب تأثر النحو العربي بالمنطق الأرسطوي اليوناني لأن واضعيه من الفرس نالوا ثقافةً متأثرة باليونانيَّة.

في هذا المحيط الثقافي اليوناني الواسع، كان لا بدَّ من أن يجري مضمون الوحي المسيحي في لغةٍ يونانيَّة سليمة لينحتَ لهُ المفسّرون فيما بعد مصطلحات تقرّبُهُ من الأذهان والأفهام.

الديانةُ المسيحيَّة هي ديانة المصلوب وهي قولاً وفعلاً. صليبٌ عامٌ في جميع الحقول. كانت اليهوديَّة نضالاً طويل النفَس ضد الشرَك، أي تعدُّد الآلهة، فانتهت الى توحيدٍ شديدٍ صلِب.

قالت بإلهٍ واحدٍ منزَّه تنزيهاً مطلقاً عن المادة. جاءت المسيحيَّة تقول: ثالوث=إلهٌ واحدٌ أو بالأحرى إلهٌ واحدٌ في ثالوث، 3=1 و 1=3 وهذا صليبٌ للعقل.

وقالت إن ابن الله تجسَّد وصار إنساناً وصُلبَ، فصلبَت العقل اليهودي الرافض لمثل هذا الإعتقاد.

وجاءت بمفاهيمَ روحيَّة وأخلاقيَّة تقتلعُ الإنسان من الأرض ليعيشَ في السماء، أو ليعيشَ في عالمٍ موبوءٍ بالأهواء والمطامع والشهوات والأغراض والخبائث والأحقاد، كما يعيشُ الملائكة في السماء. وهذا صليبٌ أخلاقيٌّ كبيرٌ وقعَ تحتهُ الجميع، لأن الإمتلاء من الله وحدَهُ قادرٌ على رفعِنا الى هذه السويَّة العالية.

وهل من المعقول أن أطير الى العلاء وانا من الزحافات لا من الطيور؟ ومع هذا ينحني للصليب مئات الملايين من البشر اليوم المقيمين في بلاد العِلم لا في بلاد التخلُّف والجهل كمجاهل أفريقيا.

كان على الأدباء المسيحيَّين أن يوضحوا لنا مسألةً: “إلهٌ واحدٌ في ثلاثة أقانيم موجودين حقيقةً في الواقع لا في الرؤية النظريَّة الصِرفة”. فالثالوث القدوس هو الله. وعندما نذكر الله، نعني “الآب والإبن والروح القدس” كما قال الآباء القدّيسون. (غريغوريوس اللاهوتي، الخطبة 45: 4 وسواه)

اللغة اليونانيَّة لغةُ عقلٍ وتجريداتٍ عقليَّة. الفلسفة اليونانيَّة فلسفة “ماهيّات” و “مقولاتcatégories“. لم يكن فيها مكانٌ لمضمونالوحي المسيحي ولا يمكن إدخاله في “مقولات” أرسطو.

ولذا قال نيقولا بردياييف الفيلسوف الأرثوذكسي الوجودي-الشخصاني بحقٍ: “لم يستطِع الوحي المسيحي أبداً أن يعبّر عن نفسهِ فيما يخص الشخص، في مقولات catégoriesالفلسفة اليونانيَّة[221].

من هنا كانت فوضى ألفاظ غرباً وشرقاً وكانت المشاحنات العديدة.

لا يحتمل القارىء العربي منذ أول محاولة ترجمة الشواهد اللغويَّة اليونانيَّة من فلسفيَّة وآبائيَّة[222] ومقابلاتها اللاتينيَّة. ومع هذا استطاعَ آباء الكنيسة أن يشقّوا طريقهم المحفوف بالأخطار، فانحصر الخلاف في عددٍ من الألفاظ هي: جوهر، ماهية ousia ، أقنوم hypostasis طبيعة physis شخص prosopon والمشكلة الكبرى هي أن الألفاظ الثلاثة الأولى ذات معانٍ متعدّدة وبينها أحياناً ترادف[223] وقد يختلف استعمال اللفظة الواحدة بين المذاهب الفلسفيَّة نفسها ك ousia مثلاً.

ولكن الإشتقاق اللغوي يسمح بتطوير كلٍ منها على حدة. ousia تشتقُّ من فعل “كان”. physis من فعل “ولد”، “نما”.

hypostasis مؤلفة من لفظتَين: hypo “تحت” و stasis وضعٌ، موقف، حالة … من معانيها “الوضع تحت، تَسنيد، ما يوضع تحت، ما هو في العمق، أساس، قاعدة، ثقل، راسب جمعها رواسب، …” وردت بمعنى دعامة (أي ركن، سناد، تكأة)[224].

وردت لدى أرسطو المنحول وسواه بمعنى جوهر، ماهيَّة، ذات الشيء (أي حقيقتهُ لا خياله) ووردت في هذا المعنى الأخير في الترجمة السبعينيَّة (المزمور 38: 6 يوناني 39: 5 في الترجمات) وفي الرسالة الى العبرانيّين (1: 3)، ووردت لدى الأقدمين وفي راعوث 1: 12 وحزقيال 19: 5 والمزمور 38: 8 يوناني و 39: 7 ترجمات، وكورنثوس الثانية 9: 4 و 11: 17 وعبرانيين 3: 14 و 11: 1 بمعنى “الضمانة، الكفالة..”

وهي تشتقُّ من الفعل hyphistimi الذي تحوي المعاني الواردة في الفقرة الأولى وسواها. ومن معانيه الموسَّعة “وجِدَ، كان، قام قواماً”[225] ويرِدُ فلسفيّاً في عبارة “يعادل الله في الكرامة” فيكون معناه “يعادل”[226].

لفظة “أقنوم” تقبل إذاً التطوير نحو معانٍ لاهوتيَّة ننحتُها لها كمعنى الوجود الشخصي الحقيقي. فيكون “الأقنوم” هو الموجود في الحقيقة والواقع الذي يملك الجوهر أو الطبيعة كقضيةٍ لهُ، يملكهُ كسيّدٍ بلا منازع، كسيّدٍ مستقل.

هو الموجود existant والجوهر الحقيقي موجودٌ فيهِ ولا وجود للجوهر خارجاً عنهُ.

الأقنوم كلٌّ غيرُ قابلٍ للتجزئة أو الإنتقال أو الإستحالة. ولكن ليس الأقنوم فرداً. مفهوم الفرد مرتبطٌ بالإنفراد. أفراد الجنس البشري متعدّدون وكلٌّ منهم منفرد عن الآخر، كلٌّ منهم كائنٌ.

في الثالوث القدوس، الجوهرُ واحدٌ والكائنُ واحدٌ. مفهوم الشخص يقبل أن يكون الله كائناً واحداً. مفهوم الفرد لا يقبل هذا الجوهر الإلهي، هو الوجود الكليّ الكمال للثالوث القدوس في وحدتهِ.

في الوقت نفسه، الأقانيم الثلاثة وجوهرُهم الواحد هم كائنٌ إلهيٌّ واحدٌ.

الأقنوم هو فقط المالك للوجود ومبدأهُ وغايتهُ. المحتوى الحقيقي لوجودهِ هو الجوهر الحي. لا يمكننا التكلُّم عن شخصٍ إن لم يكن يملك محتوى.

كلٌّ من الأقانيم يملك تمام الجوهر الإلهي فلا يتجزأ الجوهر بينهم. وبفضل وحدة الجوهر، كلُّ أقنومٍ يسكن في الأقنومَين الآخرَين بدون امتزاجٍ أو ذوبان[227].

لفظة طبيعة physis ، إشتقاقها الّلغوي يسمح بتطويرها نحو الدلالة على معانٍ تشير الى الخصائص والأفعال. ولذا ربطَ أرسطو الفعل بالطبيعة، فجعل الطبيعة مبدأ الفعل (الفيزياء 2: 9 و 10)

إستنتج آباء الكنيسة من وحدة الفعل ألوهة الإبن والروح القدس ووحدة جوهر الثالوث. قالوا إن الإبن والروح القدس يفعلان كل ما يفعلهُ الآب وأنهما يملكان جوهره لأن وِحدة الفعل تعني وحدة الجوهر.

كان الآباء الكبادوكيّون من أساطين هذا التفسير فبالغوا في استعمال لفظة “طبيعة” physis بدلاً من لفظة “جوهر” للثالوث القدوس فركَّزوا بذلك على أنَّ وحدة الطبيعة بين الآب من جهة والإبن والروح القدس من جهةٍ ثانية، دليلٌ على التساوي في الألوهة.

وفي لغة أرسطو نفسها، الفعلُ الواحد دليلٌ على الطبيعة الواحدة[228].

ولذلك في لاهوتنا الخلقيدوني الآبائي، لا نستطيع أن نتصوَّر وجود طبيعة بدون فعل. وهكذا يستحيل علينا أن نقول بفعلٍ واحدٍ في المسيح. فلاهوتنا القائل بالطبيعة مضطرٌ للقول بالفعلَين وإلا خرجَ على آباء الكنيسة الذين استشهدتُ بهم في الحاشية السابقة.

علاوةً على الحلول الواردة أعلاه للألفاظ اللاهوتيَّة، تولّى الكبادوكيون الثلاثة شرح عقيدة الثالوث القدّوس. ففي فوضى الألفاظ كان لا بدَّ من نحتِ المعاني الجديدة. في شجرة بورفيريوس Porphyrios وشرحها لتلميذه امونيوس، ذِكرٌ لمفهوم ال “فرد”.

إلا أنهما يبقيان في النهاية في عالم المجرَّد والسطحيّات دون التوصل الى المفهوم الشخصاني المسيحي أبداً. إستعمل باسيليوس الكبير عبارات تُحاكي عباراتهما من بعض النواحي إلا أن الفرق كبير جداً.

باسيليوس فرَّق بين “جوهر” و “أقنوم”. أعطى الإنسان كمثَل: المشترك بين أفراد البشر هو الطبيعة البشريَّة، والخاص هو الأشخاص. المشترَك هو “جوهر” والخاص هو “أقنوم”. بطرس وبولس وسلوانس هم أشخاصوطالبَ باسيليوس بنقلِ هذا التفريق الى الثالوث القدوس.

الألوهة جوهرُهم هي ousia. الأقانيم هم الآب والإبن والروح القدس.

خاصَّة الآب هي الأُبوَّة أي عدم الولادة.

خاصَّة الإبن هي البُنوَّة.

خاصَّة الروح القدس هي الإنبثاق.

هذه هي الخاصّات الأقنوميَّة وليس من شيءٍ آخر سواها يميّز الأقانيم. الباقي كلُّهُ مشترك. كل ما هو للآب هو للإبن ما عدا عدم ولادة الآبوولادة الإبن وانبثاق الروح القدس.

كل ما هو للروح القدس هو للآب ما عدا انبثاقه من الآب[229].

أكرّر: كلُّ شيء مشترك ما عدا عدم الولادة والولادة والإنبثاق[230].

طبعاً لم يقِفوا عند هذا الحد (أي الكبادوكيّون) فلهُم في الأقانيم أبحاثٌ أطول من هذه، حدَّدوا بموجبها لنا ما يمتازُ بهِ الأقنوم من عقلٍ وعفويَّة واستقلالٍ وحريَّة.

ساروا بالتاريخ نحو مفهومٍ شخصيّ لله، فدحرجوا أفلاطون وأرسطو وكل الفلسفة اليونانيَّة الى أن نبشهم الغرب الذي عادَ الى فلاسفة الوثنيَّة ولم يستفِق إلا متأخراً، ولكن نصف استفاقة.

غزا تفسير باسيليوس وصحبه العالم المسيحي، فصارت لفظة “أقنوم” تعني القوام الشخصي لكلٍ من أشخاص الثالوث الذي يحوي الجوهر.

الجوهر قائمٌ في الأقانيم ولا وجودَ لهُ خارجهم.

الأقنوم هو الموجود في الحقيقة والواقع. ليس الجوهر هو كل الكائن [231]être

الأقنوم يحوي الجوهر. هو الحاوي والجوهر هو المحتوى. الجوهر موجودٌ في الأقنوم. الألوهة موجودة في الأقنوم.

فكرة الإقتناء هذه فكرةٌ مركزيَّة في فِكر الآباء. يركّزون بقوّة على الأقنوم كيقتني وعلى الجوهر كمقتنَى.

الأقنوم لا يتجزأ ولا يقبل التأليف مع أقنومٍ آخر. ولا ينتقل الى الغير، إذ إنهُ الحاوي الجوهر كليّاً الذي يوجَد كل ما هو فيهِ. هو مستقلٌّ تمامَ الإستقلال عن كل أقنومٍ آخر وهو ممسك تحت سلطانه كل ما هو فيه.

قلنا الأقنوم يقتني. هو يسودُ، أما الطبيعة فتفعلُ.

الأقنوم هو كلٌّ حقيقيٌّconcret يحوي جميعَ ما فيه[232].

آباء الكنيسة الكاتبين باللغة اليونانيَّة ركّزوا على مفهوم الإقتناء كما ذكرنا. ويرى De Régnonأنهم استعملوا لغةً حقوقيَّة، فهُم بأغلبهم حقوقيّون كبار.

ومن جهةٍ أخرى، لاهوتهم يختلف عن اللاهوت الغربي كما لاحظ دي رينيون المذكور. هم يذهبون من الجوهر الى الأقنوم بينما لاهوتنا الشرقي يضع النبرة على الأقنوم الذي يقتني الجوهر[233].

فلسفيّاً، اللاهوت الأرثوذكسي لاهوتٌ وجوديٌّ شخصانيٌّ كما قال جان مايندورف. بالنسبة الى الله (الموجود سرمديّاً) لا تُطرَح مسألة الوجود والماهيَّة لأنه موجودٌ سرمداً، الحاوي جوهره سرمداً.

ولكن النبرة موضوعة بقوة على الأقنوم.

وغني عن البيان أن التفريق بين الأقانيم مستحيلٌ إلا في مجال الفِكر الصَرف. فالآباء قالوا إن الألوهة برمَّتها في كلٍ من الأقانيم.

هذا المفهوم الشخصاني أعطى اللاهوت الأرثوذكسي حيويَّة خاصة جداً وأخرجَ عِلم اللاهوت من متاهات الفلسفة النظريَّة والمثاليَّة الى الواقعيَّة الشخصانيَّة.

وهذا ما فاتَ ديكارت وكلُّ مفكِّري الغرب حتى أيامنا هذه. فلما بدأ ميرالوت بورودين ولوسكي ومَن شاكلهما يصدرون في الغرب المقالات والكتب، أُصيبَ البحَّاثون الغربيّون بصدمةٍ أعادتهُم الى الرشد وساقتهُم الى الفَهم الأصيل للاهوت الآبائي اليوناني.

كيرللس الإسكندري-كما أسلفنا-سار على خطى اثناسيوس والكبادوكيّين في سر الثالوث القدوس. فهو من هذه الناحية تلميذهم الأمين[234] حتى جاء مكسيموس المعترف مشغوفاً بهم جميعاً ومنادياً بغريغوريوس اللاهوتي “المعلّم”.

إلا أن كيرللس لم يفعل كما فعل غريغوريوس اللاهوتي. هذا-كما مرَّ معنا- طبَّقَ طريقتهُ في الكلام عن الثالوث على طريقتهِ في الكلام عن التجسُّد.

كيرللس اصطدم بعبارةٍ ابوليناريَّة مدسوسة تحت ستار مؤلَّف منسوب الى اثناسيوس الكبير[235] وهي:

“طبيعة واحدة متجسّدة للإله الكلمة”

وقد وردت في أشكالٍ أخرى كما سيجيء.

العبارة تقبل التفسير الخلقيدوني كما فعلَ كثيرون كالمجمع الخامس والأمبراطور جوستنيانوس وسواهما. فلفظة “متجسّدة” هنا هي في اللغة اليونانيَّة مرتبطة بلفظة طبيعة واحدة لا بلفظة “كلمة” أي أن كلمة الله هو ذو طبيعة متجسّدة واحدة. لهُ طبيعة واحدة متجسّدة. فهناك الطبيعة وهناك التجسُّد. فما هو الواحد ما دمنا أمام ألوهة وجسد؟ الوِحدة هي وحدة الشخص.

خصوم كيرللس اتّهموه باستعمال عبارات ابوليناريَّة. في زمن المجمع الأفسسي، أي الثالث المسكوني (431) كان معروفاً أن آريوس وابوليناريوس استعملا عبارة: “طبيعة واحدة” ليسوع mia physis[236] والنقاد جميعاً مُجمعون على أن العبارة هيلابوليناريوس، ومع ذلك فعبقريَّة كيرللس اللاهوتيَّة وأرثوذكسيّتهُ فهمت الموضوع فهماً أرثوذكسيّاً سليماً ولهُ الفضل الأكبر في حماية اللاهوت الأرثوذكسي مهما كان رأي النقاد في فرعونيَّتهِ. فلولا تعصُّبهِ (حتى درجة الذعر) لوحدة شخص يسوع، لما كانت خلقيدونيَة ولا المجمع الخامس، ولَطَغَت عقلانيَّة بعض الأنطاكيّين وسادت النسطوريَّة. فلا غرابةَ أن تكون شخصيَّتهُ قد سيطرت على القرنَين الخامس والسادس.

هذا التشوّش فصَلهُ المجمع الرابع المسكوني كما أسلفنا، مؤكّداً بشدّة على وحدة شخصِ يسوع.

ما هي أهم الإلتباسات في ألفاظ كيرللس؟

أولاً

إنهُ يُسمّي جوهرَي المسيح “طبيعتَين” مستعملاً لفظة “طبيعة” في معنى “جوهر”. هو يُقرُّ إذاً بأن في المسيح جوهرَين:

1- ” إن (كلمة الله) موجودٌ في الصورة morphé والطبيعة physisالتي تخصُّنا، ويقود الى أنظار الله الآب، طبيعة physisالإنسان”[237]

اللفظة الأولى “الصورة” وردت في فيليبي 2: 2-9 لطبيعتَي الله والإنسان. ما من شكٍ هنا أن “طبيعة” تعني “جوهر”. ونرى أن كيرللس سمّى ناسوت يسوع “طبيعة”.

2- إنهُ ارتدى الطبيعة الخاضعة للموت”[238]

3- في النص التالي يُسمّي كلاً من طبيعتَي المسيح physis

” الإبن الوحيد لله لم يُقاسِ في طبيعتهِ الخاصة كإله آلام الجسد، بل كابدها بطبيعتهِ الأرضيَّة”[239]. النص واضح: هناك طبيعة إلهيَّة وطبيعة أرضيَّة.

4- “إن الطبيعتَين اللتَين اقتربتا لتؤلّفا وحدةً حقيقيّة هما في الحقيقة مختلفتان؛ ولكن ينتج منهما ابنٌ ومسيحٌ واحدٌ، لا أن اختلاف الطبيعتَين قد تلاشى بنتيجة الإتحاد”[240].

فما هو لاهوت كيرللس إذاً؟

كيرللس إنسانٌ ثارت ثائرتهُ ضد النسطوريَّة لا بسبب تميّيز الطبيعتَين في يسوع بعد اتحّادهما في التجسُّد الإلهي، بل بسبب تفريقهما الى ذاتَين وذلك يضعف الإتحاد ويُلاشيه.

الخلافُ هو على كيفيَّة الإتحاد[241]. كيرللس بعد غريغوريوس اللاهوتي والذهبي الفم هو بطل الدفاع عن وحدة ابن الله: إبنٌ واحد، ربٌّ واحد، مسيحٌ واحد…

الخلاصة: كيرلُّلس أطلقَ على كِلا طبيعتَي يسوع لفظة physis بمعنى ousia

ثانياً

إستعملَ لفظتَي طبيعة وأقنوم كمترادفَين وفعل ذلك في معنى يتميَّز عن لفظة “شخص”. هاتان اللفظتان تدلّان على الطبيعة الحقيقيَّة كشيءٍ موجود، كواقع، بغضّ النظر عن كيفيَّة القيام والوجود.

ويطلُق هنا كيرللس لفظة “أقنوم” على طبيعة المسيح البشريَّة. وبذلك يؤكّد أن الطبيعة البشريَّة التي اتَّخذها ابن الله هي طبيعة حقيقيَّة physis ، هي واقعٌ موجودٌ فعلاً، لا تجريد أو مظاهر بدون قِوام.

فإذاً هو يستعمل لفظتَي “أقنوم” و “طبيعة” بمعنى واحد ويطلقهما على الطبيعة البشريَّة أيضاً. بعد خلقيدونية هذا مستحيل عندنا وإلا سقطنا في النسطوريَّة بل في أردأ منها.

1- قال: ما ليس لهُ أقنوم يُعادل العدَم وليس شيئاً على الإطلاق[242].

2- في دفاعهِ ضد ثيوذوريتوس أسقف قورش يُطلق على الطبيعتَين لفظتَي “أقنومَين” صراحةً. وفسَّر لفظة أقنوم بمرادفها “حقيقة”. قال: “حقيقتان أي أقنومان”[243].

3- في ردّهِ على نسطوريوس استعملَ عبارة “الإتحاد بحسب الأقنوم”. هذه هي عبارة الأرثوذكس اليوم. ولكن لدى كيرللس لا تعني ذلك. ففي ردّهِ على نسطوريوس تعني شيئاً آخر. الأمرُ يحتاج الى بضعِ كلمات من الشرح الواضح.

كان نسطوريوس يقول إن في المسيح شخصَين يرتبطان بروابطَ أدبيَّة وجِوار في شخصٍ ثالث اسمه “شخص الإتحاد”. فالوحدةُ إذاً سطحيَّة بلا عمق. ونسطوريوس شوَّهَ بذلك المعنى اللاهوتي الجديد للفظة “شخص” بعد اتفاقِ الشرق والغرب على ترادفها مع لفظة “أقنوم” في سرّ الثالوث.