12
ديسمبر 2013
الغيرةُ الإِلهيَّة وحدودُها ++ اسبيرو جبور
تحت تصنيف الشماس المعترف بواسطة fr.Bassil في 8:04 م | أضف تعليقك »

الغيرةُ الإِلهيَّة وحدودُها

بقلم المعلم الانطاكي الشماس

اسبيرو جبور

“غَيرةُ بيتِكَ أَكَلَتْني”. المؤمن الحقيقي حارٌّ ذو حامِيَّةٍ وحماسٍ ونخوةٍ واستعدادٍ لموتِ الشهادة. يُكافحُ ضدَّ البِدَع والشرور والفساد والإِنحلال وهوَ غيورٌ على الإِيمانِ المسيحي، على الكنيسةِ وعلى المؤمنين. كلُّ هذا يتطلَّب منهُ حكمَةً لئلَّا يَكسِرَ الإِناء. هذا المؤمن الحقيقي يحتاجُ الى النعمةِ الإِلهيَّة لئلَّا يرتكبَ تجاوزات. قد يتطرَّفُ في غَيرتهِ في محاربةِ البِدَع فيستعملَ العُنفَ والقمعَ والضربَ والأَذى ومحاربةُ البِدَع لا تكونُ بِشَنِّ الحملات العسكريَّة ولا بِشنِّ الحملات القاسيَة ولا بالسباب والشتائم والتحريضِ على العنف. محاربةُ البِدَع تكونُ بالمنطِق السليم. فيجب أَن يكونَ الجدَل جَدَلاً دينيًّا بحتاً غيرَ مصحوبٍ بالعنف والقسوَة والتهجُّم والشتائم.

بولس الرسول في أَفَسُس سمحَ لنا بأَن نُشَهِّرَ أَعمالَ الظُلمة، ولكن تشهيرُها لا يكونُ بالشتائم ولا بالعنف المادِّي. نحاربُها بأَساليبَ مشروعة، أَي لا نستعمل إِلَّا الوسائل المشروعة النظيفة. لا نحارب الخطيئة بالخطيئة بل نحاربُ الخطيئة بالبرِّ والقداسة ونغلُب الشرَّ بالفضيلة.

قد تكونُ الأُمورُ أَحياناً في درجةٍ من القساوة الباهظة التي تتطلَّبُ غَيرةً دينيَّة لمجابهاتٍ كبيرة مع الفساد والإِنحلال والسقوط والتراخي وإِساءات الإِستعمال. بولس الرسول وبَّخَ بطرس الرسول على تراخيهِ ومسايرةِ أَهلِ الختان ولكن هذا بولس! ويسوع وبَّخَ الفرِّيسيِّين على نِفاقِهِم ولكن يسوع هو يسوع المتواضع الوديع! عَلَّمَنا بولس أَن ندعوَ الآخرينَ بروحِ الوداعة، وروحُ الوَداعة هو روحٌ خالٍ من الغضب. كيف يمكننا أَن نستعملَ الغَيرة بدونِ الغضب؟ الغَضب إِثمٌ إِنَّما الغَيرةُ حامِيَّةٌ دينيَّة لا تُؤذي بالمعنى الصحيح للأَذى ولا تقمَع. فإِذاً لا تُستعمل الأَسلحة الحربيَّة ولا السباب ولا الشتائم ولكِن لا بُدَّ من تَعريةِ الأُمور.

في إِنجيل يوحنا نرى ربُّنا يسوعَ المسيح يُعلِّمُنا أَن أَهلَ الظلمة لا يقبلون الى النور لِئَلَّا تُوَبَّخَ أَعمالهُم لأَنَّها غيرُ معمولة في الله. التوبيخُ موجودٌ في العهدِ الجديد والتشهيرُ موجودٌ في رسالةِ أَفَسُس. نحنُ أَبناءُ النور وأَبناءُ النهار كما في روميَة. عَلَّمَنا يسوع أَن يُضيءَ نورنا أَمامَ الناس ولكن الإِصطدام بأَهلِ الظلام وارِد، فكيفَ نتعامل معهم؟ نتعامل معهم بأَن نكونَ نموذَجاً صالحاً يحاولُ هدايتَهُم الى يسوعَ المسيح. فما المقصود هو إِزهاق الهراطقة والشرِّيرين، المطلوب هو الهِداية والوقوف كَسَدٍّ في وجهِ مفاسدِهِم لنُدافعَ عن الكنيسة ضدَّ المخاطر. كلُّ هذا يتطلَّبُ أَحياناً مواقفَ شديدة في وجهِ المخرِّبين والمفسِدين والضالِّين والمبتَدعين.

ما هو الموقف المسيحي المطلوب إِذاً؟ الموقف المسيحي المطلوب هو الشجاعة لنقولَ الحقَّ ونُعلِن الحقيقة ونُعلِّم الحقيقة، ونتدارك المفاسد والمخاطر. تعرَّضَت الكنيسة عِبرَ التاريخ لمخاطرٍ جهنَّميَّة عديدة والمعلِّمون الحقيقيُّون قاوَموها بأَساليبَ شريفة. في القرنِ السابع تعرَّضَت الكنيسة لصعوباتٍ كثيرة والكنيسة لم تواجِهها بالحروبِ بل بالدِفاعِ الشريفِ عن الكنيسة وعن الإِيمان المسيحي. قد نقِفُ أَحياناً بين النارَين ومع ذلكَ لا نتلوَّث، نبقى شُرَفاء.

هناك أُناسٌ متمرِّدون. هؤلاء ليسوا النموذج المسيحي الحقيقي، فالنموذج المسيحي الحقيقي هو الأَسلحة الشريفة. والأَسلحة الشريفة هي أَسلحة سماوِيَّة قائمة على الفضائل الحقيقيَّة. بكلام بولس الرسول، القانون الصحيح هو روح الوداعة ومتى خرَجنا عن روحِ الوَداعة سَقَطنا في الغضبِ الشيطاني. من أَينَ نأتي بروحِ الوَداعة؟ لا شكَّ بأَنَّ المعونة الإِلهيَّة ضروريَّة في كلِّ ذلك. فتاريخ الكنيسة كان محفوفاً بالمخاطر باستمرار، ولم تُستعمَل دائماً الأَسلحة الشريفة لأَنَّ البشر هُم البشر. أَمَّا المسيحي الحقيقي فلا يستعمل إِلَّا الوسائلَ الشريفة من أَجلِ الغاياتِ الشريفة. فمَثَلاً في مكافحة شهود يهوى يضطرُّ المرء الى فَضحِ تعاليمِهِم وتصرُّفاتِهم فَهُم يشترونَ الناس بالمال، ونحنُ نفضح القبض والَّذينَ يشترونَ الناس بالمال. والمثل عندنا معروف “في طحين في دين ما في طحين ما في دين”. هؤلاء هُم جماعةٌ سياسيَّةٌ. نفضَح علاقاتهم السياسيَّة لأَنَّهم يخدمونَ مخطَّطات أَجنبيَّة معادِيَة للدِّينِ والوطن فنضطرُّ الى استعمالِ كتبِهِم ونضطرُّ أَن نَرُدَّ عليهم ونوضِح خفايا تصرُّفاتِهم. إِن كانَ هناكَ مَن يُعَلِّم تعليماً هرطوقيًّا، فنحنُ لا نسكتُ عنهُ بل نعارِضُهُ صراحةً. إِن وَقَفَ كاهنٌ في الكنيسة وأَلقى خطبةً هَرطوقيَّة هل نَسكُت عنهُ؟ لا نسكُت عنهُ ولكن لا نتهجَّمُ عليهِ. نُعاتِبُهُ ونوضِحُ الأَمرَ للمؤمنين ونَدعوهُ الى جلسةِ حِوارٍ ونِقاش.

نحنُ لا نستطيع أَن نَسكُتَ عن التعاليمَ المخالِفَة للتعليم الأَصيل. علينا جميعاً أَن نُقاومَ كلَّ تعليمٍ مرفوضٍ منبوذٍ. علينا أَن نُواجِهَ المخرِّبينَ بِروحِ الوَداعة وإِن كانوا غيرُ قابلينَ للإِصلاح. نواجِهُهُم ونكشِف مخططاتهِم المفسِدَة المضِرَّة وننَصَح الناس ونساعدهُم على الصَحو. نَقِفُ في وجهِ المخرِّبينَ بشجاعة بدونِ قَسوةٍ، بدونَ سباب.  نَقِفُ في وجهِهم بلباقةٍ إِلهيَّة وإِن كانت أَعمالهُم مُؤذيَة ومضرَّة بالكنيسة. نوقِفُهُم عندَ حدِّهِم بدون كراهيَّة وبدونِ قُسوَة. نُعاملُهم بمحبَّة ووداعة وإِنَّما نوقِفُ مخاطرَهُم.

في الكنيسة كلُّ المؤمنين عَسكر لربِّنا يسوعَ المسيح ولا يجوز أَن يستعفِيَ أَحدٌ من خِدمَتِهِ العسكريَّة. ولذلك كلُّ المؤمنين مسؤولون عن حمايةِ الإِيمان المسيحي ومسؤولون عن حمايةِ الكنيسة من الأَضرارِ والمفاسد والمخرِّبين والمسيئين. أَعطي مثلاً: هل للبطريرك الرُّوسي دالَّة على الشعب الرُّوسي لإِختصارِ الصلوات؟ لا. الشعب يرفض ويُقاوِم ويبقى متمسِّكاً بالخِدَم الإِلهيَّة كما هي. مثلٌ آخر: عندنا مَن يُسيءُ التصرُّف، هل يقِفَ أَحد بوَجهِ الَّذينَ يُسيئونَ التصرُّف؟ وإِن وَقَفَ أَحَدُهُم فَهَل يُوافق الجميع على تصرُّفِهِ؟  أَلَسْنا نستعمل الكلمة السائرة “شو بدَّك من هالشغلة؟ ليش مكبَّر معلاقك؟ تروك غيرك يشتغل. ما حدا رح يسمعلك”. هذا السلوك الخُنفُشاري التافه ممنوع كنسيًّا.

في الكنيسة، الكلُّ متضامنون. هذا التضامن يفرض أَن نكونَ كُتلةً واحدةً مع الحقِّ ضدَّ الباطل. والغَيب الأَكبر هو هذا التضامن! إِن كانَ هذا التضامن موجوداً لَوَقفَ المؤمنونَ جميعاً صفًّا واحداً وفَماً واحداً في وجهِ كلِّ الَّذينَ يرتكبونَ الإِساءات. باسيليوس الكبير إِعترَضَ كاهناً كان قد استَخدَمَ امرأةً لخِدمَتِهِ وهذا ممنوع. بِمَن هَدَّدَهُ؟ هدَّدَهُ بالشعب فقالَ لهُ: إِمَّا أَن تصرِفَها وإِمَّا أَن يؤدِّبكَ الشعب. ولكن كان الشعبُ شعبٌ آنذاك ونحن يجب أَن يكونَ الشعبُ عندنا شعباً حقيقيًّا يُؤَيِّدُ الحقيقة ويرفُضُ الإِثمَ والهرطقَة والأَفكارَ الشارِدة. الطاعةُ للحقِّ فضيلةٌ إِلهيَّة، فهل نُطيع الحق؟ هل نحنُ ملتزمونَ بالإِيمان إِلتزاماً قاطعاً؟ أَلَسنا إِنفلاشيِّين؟ هل نحن جنودٌ للمسيح؟ لا.

في روسيا في القرن العشرين سقطَ أَكثَر من 40 – 45 مليون شهيد، فهل نحنُ مستعدُّونَ للإِستشهاد؟ في يوغوسلافيا سقط أَكثر من مليون شهيد، فهل نحن مستعدُّونَ للإِستشهاد؟

الغَيور إِلهيًّا عندنا يبدو للناسِ شاذًّا. على كلِّ حال، المهم في الغَيرةِ الإِلهيَّة أَن تكونَ فعلاً إِلهيَّة العلامات، إِلهيَّة الطابع، إِلهيَّة السِمات أَي أَن لا تمتزجَ بالغضب والحقِد والعَداوات والقَدح والمساوئ جميعاً. كلُّ شيءٍ يجب أَن يكونَ طاهراً.

الخطرُ الكبير هو أَن تُصبِحَ الغَيرة الإِلهيَّة مشوبةً بالغضب والكراهيَّات والحملات المسعورة الباطلة. ولذلك فمعلُّمُ الدِّين مطالبٌ بأَن يكونَ نموذجاً عن ربِّنا يسوعَ المسيح. هو نفسُهُ قال: تعلَّموا منّي فإنِّي وديعٌ ومتواضعُ القلب. هو نفسه قال: هكذا فليُضيء نوركُم قُدَّامَ الناس لِيَرَوا أَعمالَكم الصالحة ويمجِّدوا أَباكُم الَّذي في السَموات.

في كلِّ شيءٍ علينا أَن نلتمسَ مجد الله لا مجدنا الذاتي. الغلَطُ الكبير هو أَنَّنا نضعُ ذواتِنا في الواجِهَة ونضعُ اللهَ في المؤخِّرَة والمطلوب هو أَن نضَعُ الله في المقدِّمَة ونختفي نحنُ تماماً. لا في المقدِّمَة ولا في المؤخِّرَة. كلُّ شيءٍ لله ليكونَ الله الكلَّ في الكلِّ كما علَّمنا بولس الرسول وكما جاء في المزامير.

نفتِّش عن مجدِنا الذَّاتي فنخسَر مجدَ الله. نطلبُ مجدَنا ولا نطلبُ مجدَ الله. والمطلوب حقيقةً هو أَن يتمجَّدَ ربُّنا يسوعَ المسيح في كلِّ شيء. المجدُ له والخِزيُ لنا.

تلبيسُ الخير بالشرِّ خطيئةٌ كبيرة جداً، هي خطيئة الفرِّيسيِّين. علينا أَن نتجنَّبَ الفرِّيسيَّة وأَن نكونَ صورةٌ عن ربِّنا يسوعَ المسيح له المجد والإِكرام والسجود الى أَبدِ الآبدين ودهرِ الداهرين آمين.


يمكنك متابعة أية ردود على هذه التدوينة عن طريق RSS 2.0 . يمكنك ترك رد، أو تنبيه من موقعك الخاص.


أضف تعليقك

يجب عليك أن تقوم بتسجيل الدخول من أجل إضافة تعليق.