11
مارس 2014
صلاة التوبة للقدِّيس أَفرام + + الشماس اسبيرو جبور
تحت تصنيف الشماس المعترف بواسطة fr.Bassil في 12:03 م | أضف تعليقك »

صلاة التوبة للقديس أَفرام السرياني

بقلم المعلم الانطاكي

الشماس اسبيرو جبور

أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

في الصَوم الكبير، في الأَيَّام الخمسة الأُولى من كلِّ أُسبوع نتلو تسعَ أَو ثماني مرَّاتٍ صلاةً للقدِّيس أَفرام. يُقال أَنَّها غير موجودة في السريانيَّة ولكنَّها موجودة في الترجمة اليونانيَّة وهي :

وُلِدَ القدِّيس أَفرام في العام 306 في نصيبين إِحدى بِلاد ما بينَ النهرَين شمال القامشلي، وتوفيَّ في العام 373. هو أَديبُ الُّلغة السريانيَّة وشاعِرُها ومجَدِّد آدابِها. سُمِّيَ “قيثارة الرُّوح القُدُس” وهو أَحد قُدامى الكنيسة المهمِّينَ وفاتحة المنشِدينَ الأُرثوذكسيِّين الكِبار. تركَ نفحةً في بلادِنا استمَرَّت بعدَهُ، هذه النفحة هي نفحةُ الشعرِ والأَدبِ والتوبةِ والصلوات. يُعَدُّ أَفرام أَوَّلُ نموذَج في بلادِنا. أَخذَت كتاباتُهُ شهرةً كبيرةً وتُرجِمَ قسمٌ هامٌّ منها الى اليونانيَّة وهو حيٌّ بعد. من مُعاصِريه آباء الكنيسة أَمثال باسيليوس الكبير، غريغوريوس الَّلاهوتي، ويوحنا فم الذهب الَّذي كان فتِيًّا بعدُ لما تُوفيَّ أَفرام لكنَّهُ عاصرَهُ وطالَعَهُ طبعاً. أُعجِبَ بأَفرام  كثيرون وقلَّدَهُ كثيرون. أُقيمَت مقارنةٌ بينهُ وبين الشاعر الكبير رومانوس الحمصي أَكبر الشعراء قاطبةً في اليونانيَّة، فوُجِدَت علاقة كبيرة بين الشاعِرَين. نَغماتُ أَفرام هي نَغَمات بِلادِنا، نرى هذه النغمات في شُعراءِ حمص.

تيَّارُهُ تيَّارٌ مستمرٌّ في الكنيسة. أُعجِبَ بهِ أَكبر لاهوتي في روسيا وهو ثيوفانُس الحبيس الروسي (1894) فانتقى من مؤَلِّفاتِهِ نخبة أَسماها ” مزامير أَفرام “. وثيوفانس هو من أَكبر آباء الكنيسة الأُرثوذكسيَّة بعد سمعان الَّلاهوتي وغريغوريوس بالاماس وهو صاحب الفيلوكاليا الرُّوسيَّة. أَجادَ اليونانيَّة وعدَّة لُغاتٍ أُخرى الى جانب لُغَتِهِ الرُّوسيَّة. كواستن Quasten شيخ الإِختصاصيِّين بآباء الكنيسة في أَواسط القرن العشرين كان يُفَضِل أَيَّ شطحة من “شطحات” أَفرام على كلِّ ما كَتَبَهُ الغرب المسيحي لأَنَّ الَّلاهوتُ ليس فلسفة بل هو حياةٌ روحيَّة في الصلاة والعِبادة والأَعمال الصالحة، هو حياةٌ مع المسيح وفي المسيح وللمسيح وبالمسيح. الإِعترافُ بالخطايا والعيوب هو معدنُ حياة الَّلاهوتي، أَمَّا التوبة والبكاءُ فهما طعامهُ وشرابهُ في نَغَماتٍ أَدبيَّةٍ رائعة.  يوحنا فم الذهب وفي مواعظِهِ الكثيرة هو ليسَ بعيداً مئة بالمئة عن القدِّيس أَفرام. النفسُ فوَّاحةٌ، خصبةٌ، مِعطاء وكذلك أَفرام. القدِّيس اندراوس الدِمشقي أُسقف كريت يُمثِّل التوبة أَفضلَ تمثيلٍ بعد القدِّيس أَفرام، وهو رجلٌ من عيارٍ كبيرٍ جدًّا. مكاريوس المنحول السوري الفُراتي هو غيرُ بعيدٍ نفسيًّا عن أَفرام، وكتاباته روحيَّة جدًّا. باسيليوس المعترف نفسُه وإِن كان الَّلاهوت لدَيهِ هو الأَساس، فهو في خطِّ أَفرام في التركيز على التوبة والخطايا وهو غيرُ بعيدٍ عن الحياة الروحيَّة وعن التوبة. هو صاحبُ أَقوالٍ عديدة في الحِداد على الخطايا وخيرُ مَن تَكَلَّمَ ضدَّ الأَهواء ومحبَّة الذَّات التي سمَّاها “فيلَستِيَّا ” أَي الأَفعى. في المعزِّي قِطَع كثيرة تتعلَّق بالتوبة والدموع، وقِطَع تتعلَّق بسرِّ التدبير الإِلهي. لا أَعلمُ بالضبط ما هو ليوحنَّا الدِمشقي وما هوَ لمن هُم في خطِّهِ، ولكن خط يوحنَّا الدِمشقي فيهِ واضح. يوحنا الدِمشقي هو لاهوتيٌّ كبيرٌ من جِهة، ومدهوشٌ كبيرٌ بسِرِّ تجسُّدِ ربِّنا يسوع المسيح. ولذلك لا عجبَ في الكلام بأَنَّ الشِعر ظَهَرَ من بلادِنا. لا نستطيع أَن ننسى ايضاً القدِّيس مكسيموس المعترف اليوناني الَّذي هو الملهِم الأَكبر للقدِّيس غريغوريوس بالاماس ولكلِّ التراث الَّلاحق.

في الأَناشيدِ والموسيقى نصِلُ الى يوحنا الدِمشقي ونظيرُهُ كوزما. هذان القدِّيسان العظيمان أَغنَيا الكنيسة بالتسابيح والترانيم الروحيَّة والَّلاهوتيَّة. هذا العدد الكبير من الترانيم التي نظَمَاها هو أَكبرُ دليلٍ على روحِ الموسيقى الرائعة الكامِنة في قلبَيهِما، تراتيلُ الميلاد وتراتيل الفصح تأخذُ القلوب فيطيرُ المرءُ من الأَرض الى السماء.

كانت الأَديرَة في القرن السادس للميلاد تعُمُّ كلَّ بلادَنا وما زالت آثارُ بعضها منتشرَة حتَّى الآن. أَخرَجَت بلادُنا نمَطَين من الرهبانيَّة: العاموديِّين والحبَساء. سمعان العامودي هو أَكبرُ متقَشِّفٍ في تاريخ الكنيسة وفاتحةُ خطّ من العاموديِّين، أَمَّا الحبَساء فَهُم مشهورون. القدِّيس العظيم يوحنا السُلَّمي هوَ المبشِّرُ الأَكبر للتراث النُسكي في الكنيسة، وتركيزهُ على التوبة كبيرٌ جدًّا. هو صاحبُ كتابٌ شيِّق وإِن كانَ يحتاج الى شروحٍ مُطَوَّلة وإِعادة تأليف تجعلُهُ سهلَ المنال وسهلَ الحِفظ، ولكنَّهُ كتابٌ عميقٌ جدًّا جدًّا ، من أَعمقِ الكتب في المسيحيَّة، ومصدرٌ لكتاباتٍ عديدة.

استمرَّ هذا التُراث الكبير َ في الكنيسة الأُرثوذكسيَّة بصورةٍ خاصَّة وفي الكنيسة العامَّة بنِسَبٍ مختلفة. العالم المسيحي بِرُمَّتِهِ اليوم بحاجةٍ الى هذا التراث والى تجديدٍ روحي. مار أَفرام ليسَ بعتيقٍ أَبداً، هو جديدٌ حتى نهاية العالم وكذلك الكتَّاب الَّذين ذَكَرتُهم. التقدُّم العِلمي والإِقتصادي الواسع كانا على حسابِ الروحانيَّة. صارَ الإِنسانُ آلةً في معملٍ كبير اسمُهُ الدولة، والدولةُ مؤسَّسة اقتصاديَّةٌ كبيرة تسحَقُ أَغلبية الناس في سبيل المصانع والشركات الكبرى.

كنيستُنا اليوم في العالم المسيحي هي بحاجةٍ الى الآباء القدِّيسين لكَي يتمَكَّنَ الإِنسان من أَن يتخلَّص من العبوديَّة للشيء الإِقتصادي.

أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، ما أَجملَ هذا الكلام! الربُّ لهُ المجد هو إِلهُنا الَّذي نعبُدهُ. هو معشوقُنا الأَوحَد وهو حبيبُنا الأَوحَد الَّذي يجرحُ قلوبَنا بمحبَّتِه كما قال باسيليوس ويوحنا السُلَّمي. هو سيِّدُ حياتِنا لأَنَّهُ هو الَّذي صَنَعَنا وهو الَّذي خلَقَنا. نحنُ مُلكاً لهُ ولَسنا لأَنفُسِنا خاصَّة بعدَ مجيءِ ربِّنا يسوعَ المسيح. عَلَّمنا بولس الرسول بأَنَّنا نحنُ لسنا لأَنفسِنا، بل ليسوع الَّذي افتدانا بدَمِهِ، وهذا الثمن غالٍ جدًّا. دَمُ يسوع المسيح قد أَخرَجَنا من ذواتِنا، من أَهلِنا، من مجتمعِنا ومن كلِّ مقوِّماتِ العالم لنصيرَ مُلكاً لهُ وعُضواً في مملكتِهِ. بماذا بشَّر يسوع ويوحنا المعمدان؟ بشَّرا باقترابِ ملكوت السموات. ونحن أَعضاءٌ في هذا الملَكوت، في هذه المملَكة، ولذلك نحنُ لهُ بِرُمَّتِنا.

خَلَقنا الله وخَرَجنا عن طاعَتِهِ، لكنَّهُ عادَ فاشترانا بدمِهِ الكريم يسوع. هذا الشِراءُ قيدٌ في رقابِنا لا نستطيع أَن نهرُبَ منه. عَصَينا الله في البِداية فسامحَنا واشترانا بدَمِهِ، فكيفَ يُمكِنُنا بعدُ أَن نعودَ الى الوراء؟ ماذا قالَ بطرس الرسول في رِسالتِهِ الثانية الفصل 2 الآية 22: ” قد تمَّ فيِهم ما يُقالُ في المثل الصَّادق: قد عادَ الكلبُ الى قيئهِ والخنزيرة المغتَسِلَة الى مُتمرِّغِ الحمأة “.

فبعدما اغتسَلنا بدمِ المسيح، كيفَ يُمكِنُنا أَن نعودَ الى الحمأة؟ إِذا عُدنا الى الوراء سنَدفعُ الثمنَ غالياً جدًّا. قالَ الربُّ يسوع في كفرناحوم وخورَزين وبيتَ صيدا، المدُن التي حَظِيَت بكميَّةٍ كبيرة من عجائبِهِ ورفضَتهُ بأَنَّها ستكونُ دينونَتُها في اليوم الأَخير أَصعب من سَدوم وعَمورة: ” لكِنَّني أَقولُ لكُم: إِنَّ أَرضَ سَدومَ وعَمورة ستَكونُ أَخَفَّ حالةً في يومِ الدينِ منكِ ” (إِنجيل متَّى الفصل 11 الآية 24).

أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

كلُّ مسيحي هو مختومٌ في جبينِهِ باسم ربِّنا يسوعَ المسيح كما تُختَم الملكيَّات بختِمِ صاحبِها. نحنُ الآن مختومون بختمِهِ، مختومونَ بالرُّوح القُدُس كما قالَ بولس الرسول، وهذا الخِتِم يجعَلُنا خارجَ أَنفُسِنا لنُصبِحَ أَعضاءَ في مملكةِ المسيح ربِّنا وسيِّدِنا.

أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

أَعتِقني من روحِ البطالة، فإِذاً أَنا عبدٌ. والعبدُ يحرَّر لقاءَ فِديَة، والفِديَة هي دمُ المسيح. روحُ البِطالة وسواها من الخطايا المذكورة في هذه الصلاة تستعبدُنا. بولس الرسول في الفصل7 من رسالته الى روميَة وفي رسالتِه الى غلاطيَة، استفاضَ في الحديثِ عن عبوديَّتِنا للخطيئة وللناموس.

الخطيئةُ تجعلُنا عبيداً. يستعبِدُنا الشيطان بالخطيئة أَمَّا المسيحُ فهو يحرِّرُنا من الخطيئة. الَّذي يعملُ الإِثم يكونُ عبدٌ للشيطان وعبدٌ للخطيئة، فهو يستعبدُ أَعضاءَهُ أَسلحةً للإِثم وللشرِّ. كلامُ بولس صريحٌ: تصيرُ أَعضاؤُنا أَسلحةً، ولكن مَن نقتُل بهذه الأَسلحة؟ نقتُل بها أَنفُسَنا قبل أَن نَقتُلَ الآخرين. الإِنسانُ المتمرِّغُ في الشهوات الجسديَّة، في السَرقة، في الكَذب، في الدجَل، في الِنفاق، في الإِحتيال، في المكر، في الخبث، في المكائد، في الطعن من الظهر، في القفز على الحِبال، في الخيانة، في الغَدر، في التقلُّب، في الغشِّ في المعاملات، في البَيع والشَراء، في الإِختلاس، في الرشوة، في السرقة، في التَزوير، في التحوير، في تلفيق الأَخبار الكاذبة، في استعباد لسانِهِ في الشرور. هذا يكونُ عبدٌ.

ولكن هل الخطيئة فِعلٌ عابِرٌ؟ لا. الخطيئة هي حالةٌ دائمة. حالتُنا دائماً هي حالةُ إِنسانٍ خاطئٍ ونحنُ دائماً في حالةٍ خاطئة وذلك بسببِ سقوطِنا. القدِّيس أُغسطين يقول: ما لا أَفعلُهُ وأَنا يقِظٌ أَفعلُهُ وأَنا نائمٌ. في الأَحلام تظهرُ شرورٌ كثيرة، لماذا؟ لأَنَّ حالتَنا الداخليَّة هي حالةٌ خاطئة.

في اليَقظَة يُجاهِدُ الإِنسان بالرُّوحِ كثيراً لكي يُسَيطر على نفسِه وعلى أَهوائه ولِكَي يمتنِع عن ارتكابِ المآثم. لكن في الحُلم تنفجرُ أَهواءَنا الرديئة بصُوَرٍ رديئة، من نيَّاتِ قتلٍ ونيَّاتِ شرٍّ ونيَّاتِ دعارة ونيَّاتِ سَرِقة. يرتكبُ الإِنسان في الحلم خطايا كثيرة يمتنعُ عنها في اليَقظة.

في الفصل 8 من إِنجيل يوحنا الآية 34 – 35 يسوع يقول: ” إِنَّ كُلَّ مَن يعمل الخطيئة هو عبدٌ للخطيئة. والعبدُ لا يثبُتُ في البيتِ الى الأَبد، وأَمَاّ الإِبنُ فيثبُتُ الى الأَبد “.  الَّذي يفعَل الخطيئة هو عبدٌ للخطيئة، عبدٌ لإِبليس لأَنَّ إِبليس هو أَبو الكَذِب وأَبو الكذَّابين. الكَذِب يصدُر من الِّلسان، ولكن الِّلسان لا يصدر الكَذب فقط إِنَّما خطايا عديدة منها الإِفتراءات، تزوير الأَخبار، الطَعن بالآخرين، الدينونة، التشهير بالآخرين، القدح، الذم، التحقير، الغضب، الشتائم، الكفر، الإِلحاد، الطَعن بالآخرين، النميمة، الإِيقاع بين الناس، سلب أَعراضِ الناس، وهَتك أَعراض الناس بالكلام.

في رسالة يعقوب الرسول كلامٌ رائعٌ عن الِّلسان، فالِّلسانُ جحيمٌ من الخطايا. في الفصل الثالث يقول : ” الِّلسان نارٌ وهو عالَمُ إِثم. الِّلسان بين أَعضائنا يُدَنِّس الجسم كُلَّهُ ويُلهِبُ دائرةَ الكون وتُلهِبُهُ جهنَّم… وأَمَّا الِّلسان فلا يستطيعُ أَحدٌ أَن يقمَعَهُ، هو شرٌّ لا يُضبَط، مِلؤُهُ سمٌّ قاتِلٌ. بهِ نُبارِكُ الله الآب وبهِ نلعَنُ الناس الَّذينُ خُلِقوا على مِثالِ الله، من الفم الواحد تخرُجُ البرَكَة والَّلعنة “.

مَن يضبُطُ الِّلسان؟ وحدُهُ الرُّوح القُدُس يضبُطهُ. الشرُّ كامِنٌ في نفسِ الإِنسان وفي إِرادةِ الإِنسان. روحُ الإِنسان هي التي تحرِّكُ الِّلسان. آباءٌ كثيرون وعلى رأسِهِم كيريلُّس الأُورشليمي قالوا إِنَّ الخطيئةَ مرتبطةٌ بالنفسِ والإِرادة، فالجسدُ لا يصنعُ شرًّا إِنَّما النفس هي التي ترتكبُ الشرور، والجسدُ ما هو إِلَّا أَداة لها.

الِّلسانُ عالمٌ من القبائح وبالمقابل هو عالمٌ من الفضائل إِن استعملناه في الوعظِ والتبشير والتعليم والتفكير والنُصح والتنبيه.

الإِنسانُ هو عبدٌ لما يهوى. إِن هَوَى الله، كانَ عبداً لله، وإِن هَوَى الشُرور كان عبداً للشرورِ وللشيطان. هل يُمكِن أَن نجمعَ بين يسوعَ والشيطان؟ في رسالة بولس الى كورنثوس الثانية الفصل 3 الآية 17: ” إِنَّ الربُّ هو الرُّوح، وحيثُ يكونُ روحُ الربِّ، تكونُ الحريَّة “. فإِذاً لا يُمكنُ الجَمع بين يسوع والشيطان ولا يُمكِن الجَمع بينَ البِرِّ والِإثم.

هذه الإِزدواجيَّة في الإِنسان تحتاجُ الى الكيِّ، ومَن يستطيع أَن يَكويَ الِّلسانَ حقيقةً؟ وحدُهُ الرُّوح القُدُس. مهما اجتهَدتُ في وضعِ الجمر على لِساني ليَكتَوي فإِنِّي أَعجَزُ، لأَنَّ لساني فوَّارٌ من الشرور لا يهدأ وجحيمٌ ملتهِبٌ باستمرار. بالضميرِ الحيِّ يُمكِننا لَجم الِّلسان، ولكن إِن لَجمناه في اليَقظة تحرَّكَ في الحُلُم. ولذلك فالمكواة الحقيقيَّة والوحيدة للِّسان هي الرُّوح القُدُس.

كيف يتمُّ التعبير عن فقدان الصبر وعن فَوَران النفس السلبي؟ بالِّلسان. إِن كنتُ لوحدي في غرفةٍ مُغلَقة وخَطَرَ على بالي إِنسانٌ أَساءَ إِليَّ، يثورُ لساني بالحقد والشتائم ويبدأ صدري بالغَليان ولِساني بالنطق العجيب. والِّلسان يتكلَّم بما يخفي القلب كما قال الربُّ يسوع. فإِذاً هو أَداةٌ يتحرَّكُ وِفقَ القلب في سوء إِستعمالِه أَو حُسن استِعمالِه. الإِنسانُ الصالح يُخرِج من قلبِهِ الصالح الصالحات، والإِنسان الشرِّير يُخرجِ من قلبِهِ الشرِّير الطالحات. إِن كانَ قلبُهُ ممتلئاً من الرُّوح القُدُس نَطَقَ بالرُّوحِ القُدُس، وإِن كانَ قلبُهُ ممتلئاً من روحِ إِبليس نطَقَ بالأُمور السيِّئة الشرِّيرة.

فإِذاً هناك نيران: نيرُ الخطايا الَّذي يجعلُنا عبيداً للهلاك، ونيرُ المسيح الَّذي يحرِّرُنا بالرُّوحِ القُدُس ويملأُنا

بالرُّوحِ القُدُس لنصيرَ كلماتٍ صالحَة، لنصيرَ أَعمالاً صالحة، لنصيرَ صلواتٍ بارَّة وكلَّ شيءٍ حَسَن.

أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

أَعتِقني من روحِ البِطالة، ما هو هذا روحُ البِطالة؟ البِطالة عيبٌ كبير جداً. المقولَة الآبائيَّة معروفةٌ كما كرَّرَها أَثناسيوس في كتابِهِ ” الطريق الى ملكوت السماء ” : إِن كان العمل أَبو الفضيلة فالبِطالةُ أُمُّ الرذيلة.

البِطالة مرضٌ عُضال يقتل النفسَ قتلاً ويُحيي شهوات الجسد فيفسِد الرُّوح. في فصل الخامس من غلاطيَة الآية 16 – 17 كلامٌ عن الصِراع بين ما تشتهي الرُّوح وما يشتهي الجسد: ” فأَقولُ: أُسلُكوا بِحَسَب الرُّوح ولا تقضوا شهوَةَ الجسَد. فإِنَّ الجسد يشتهي ما يُخالِف الرُّوح والرُّوح يشتهي ما يُخالِفُ الجسد:  كِلاهُما يُقاوِم الآخر حتى إِنَّكُم لا تصنَعونَ ما تُريدون”.

البطَّال هو الإِنسان العاطل عن العمل، والإِبن الشاطر هو نموذج عن هؤلاء البطَّالين. أَخذَ ثروتَهُ وعاشَ في الخَلاعة والسُكر والحياة الدنيويَّة منصرفاً الى كل الرذائل. لما أَنفقَ ثروتَهُ صارَ راعياً للخنازير عندَ معلِّمِهِ. ومعلِّمِهِ مَن هو؟ الشيطان، أَمَّا  الخنازير فهي الأَفكار الشرِّيرة. هذا هو نموذَج البطَّالين الَّذينَ يُنفِقونَ المال في سبيلِ شهواتِهِم الجسديَّة بعيدينَ عن الله كلَّ البُعد ومُستسلِمينَ لرَغباتِ الجسد. لا فِكرةَ لهُم إِلَّا فكرُ الجسد، ولا همَّ لهُم إِلَّا هَمُّ الجسد. تُحرِّكُهُم الأَفكارُ الرذيلة والحياة الدنيويَّة فيغفلون عن الصلاة والتأمُّل الرُّوحي وقِراءَة الإنجيل.

الإِنسانُ الروحاني يصارعُ بفكرِهِ ويلجمُ جسدَهُ وشهواتِه وأَهواءَ جسدِه، أَمَّا البطَّالُ فليس لديهِ صراعٌ بين الرُّوح والجسد وبين ما يشتهي الرُّوح وبين ما يشتهي الجسد. هذا الصراعُ هو شبهُ معدومٍ لديهِ لأَنَّهُ بطَّال. المصارعُ هو المحاربُ الكبير الَّذي يبقى دائماً يَقِظاً على أَهبَة الإِستعداد للهجوم على الشيطان، أَمَّا البطَّال فالنخوةُ والهِمَّةُ فيهِ عدَمٌ. ليسَ فيهِ نشاطٌ ولا حركة، لا صِراع روحي لديه لأَنَّهُ مستسلمٌ للجسد ولأَهواءِ الجسد. وإِن كان لا يغامِر في الجرائم فهو في جميع الأَحوال يُغازلُ الأَفكار الشرِّيرة. قد لا يكون شرِّيرٌّ مقاتِل ولكن أَفكارُهُ ورغباتُهُ وتصوُّراتُهُ شرِّيرة، رديئة، فاسِدة، لا علاقةَ لها بملكوتِ الله. روحُ البطَّال ميتَة وجسدُهُ حيٌّ.

أَمَّا العمل فهو مهِمٌّ جدًّا في حياة الإنسان وأَهميَّتُهُ تكمُن منذُ مرحلة الطفولة. فالتدرُّب على العمل باكراً ولو كانَ ضمنَ نطاق الأَعمال الخفيفة مفيدٌ جدًّا، لأَنَّ الجُهدَ يتوجَّه نحوَ شيءٍ آخر ولا يتعلَّق بالغرائز والميول والشهوات والأَهواء. العمل هو وسيلة كبيرة من وسائلِ تحويلِ الأَهواء، تحويل الرَغبات، تحويل الميول وتحويل الشَهوات. عمليَّةُ التحويل عمليَّة هامَّة تشمُل كلَّ الميادين، لا ترتبطُ بالأَخلاقِ فقط بل ترتَبِطُ بكلِّ جهوزيَّات الحياة. في التحويل الأَخلاقي يُحوِّل الإِنسان الكبرياء الى تواضع، والغضب الى وَداعة، والشراهة الى عِفَّة، والأَهواء الجسديَّة الى طهارة، والأَنانيَّة الى محبَّة الآخرين.

عن طريق العمل يصرِفُ الإِنسانُ طاقاتَهُ نحوَ أَشياء جِديَّة مُفيدة غير ملوَّثة بالإِثم والى أُمورٍ مفيدة حسَنَة أَو حياديَّة. بصورةٍ عامَّة، العمل يصرِفُ طاقات الإِنسان الى مكانٍ آخر وعن التفكير البطَّال وكما نقول في الُّلغة العامية ” العمل يُجوهر الإِنسان”، أَي يُعطيهِ جَوهر، يُعطيهِ مَعدن، يصير إِنساناً.

ولكن يبقى السؤال في كيفيَّة ممارسة العمل. هَل يُمارسُ الإِنسان العملَ بشرَفٍ وطَهارة؟ الحقيقة هي أَنَّ الحياة تفرُضُ على الإِنسان اعواجاجاتٍ كثيرة. الشكاوى من الفساد اليوم في العالم لا تُعَدُّ ولا تُحصى. كلُّ الناس تقريباً عُمَّال، ولكن الشرَف في العمل غيرُ متوفِّر مئة في المئة. طبعاً هناكَ درجات لا تُعَدُّ ولا تُحصى من الإِخلالات في الشرَف والنُبل والطهارة، فالإِنسانُ محفوفٌ بالخطيئة لأَنَّهُ إِنسانٌ ساقِط ولكن بالإنجيل يجتهدُ بإِصلاحِ نفسِهِ. والإِصلاحُ عسيرٌ لأَنَّ الشيطان يُحارِبُهُ، والعالم يحارِبُهُ والإِنسان عدوُّ نفسِهِ والأُمورُ معقَّدة جداً.

يتعلَّقُ العمل بحُسنِ الإِستعمال. إِن استعمَلتُ مهنتي جيِّداً أَعطَيتُ ثمراً جيِّداً، وإِلَّا كان الثمَرُ هَريساً. الموظَّف الَّذي يعمل باجتهادٍ جيِّدٍ بِدونِ رشوَة، بِدونِ اختلاسٍ، بِحُسنِ التفاتة الى المواطن وبتصريف الأَعمال بشرَف ونُبل وأَخلاق، هذا موظَّف يعمل بصورةٍ شريفة. معلِّم المدرسة الَّذي يعتني بالتلاميذ ويُقَوِّمُهُم ويُهَذِّبُهم ويُلَقِّنُهُم العِلمَ بِتَفانٍ وبشرَف واخلاص، يقومُ بمهنتِهِ بِشَرَف. والمعلِّمُ الَّذي يعمل “بقفى ظهره” كما نقول بالعاميَّة، هذا إِنسانٌ فقدَ ضميرَهُ، وهكذا دواليك في كلِّ شيء. العملُ هو مقدَّس إِن أَحسنَّا الإِستعمال. في الإِنجيل مَثَل الوزنات. فإِذاً الإِنسان الروحاني هو تاجرٌ ولكنَّهُ تاجِرٌ روحاني.

العملُ ضروريٌّ جدًّا لا بدَّ منهُ والبَطالة مرضٌ يخرِّبُ النفسَ ويحوِّلُ المرء الى عاجزٍ وهو شاب. البطَّال هو غالباً ثرثارٌ كبير، لسانُهُ “مبرد” كما نقول بالعاميَّة، ينهشُ الأَعراض ويتناول الناس. تخطُر في ذهنِهِ أَفكارَ شرِّيرة متنوِّعة وتلفيقات مختلفة فيخترع الأَشياء والأَقاويل. لا يخلو البطَّال من الإِنتفاخ والإِدِّعاء والتظاهر بأَنَّهُ شيءٌ كبير وبأَنَّهُ زعيم. “يدحش أَنفَهُ في الشاردة والواردة” كما نقول في الُّلغة العاميَّة، يهتمُّ في ما يَعنيه وفي ما لا يَعنيه، ثرثارٌ يتدخَّل في شؤون الآخرين وتدَخُّلُهُ لا يكون للمنفَعة بل يكونُ غالباً للإِيذاء والإِزعاج. لماذا يتدخَّل في شؤونِ الناس؟ للإِفساد. قد ينقلُ الكلام، وقد لا ينقلُهُ صحيحاً. الفضولي هو عدوانيٌّ بالِّلسان، وعدوانيَّة الِّلسان مُزعِجة جدًّا قد تصبِحُ مِنشاراً ينشُرُ سِمعة الآخرين وأَعراضَهُم بصُوَرٍ مختلفة قد تكونُ فاحِشة وقد تكونُ غيرَ فاحشة.  تختلفُ الدرجات ولكن لا حدودَ لها.

في التحليلِ النفسي، عدوانيَّة الإِنسان تنتقلُ الى الِّلسان وتنتقل الى الأَفكار. فلأَسبابٍ تربويَّة يمتنعُ الإِنسان عن استعمالِ يدِهِ للإِيذاء إِنَّما ينتقلُ الإِيذاء الى لسانِه وأَفكارِه فتستقرُّ عدوانيَّتُهُ في لسانِهِ أَو في أَفكارِهِ لتُصبح أَفكارُهُ عُدوانيَّة فيها الإِيذاء والضَرَر.

أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين

آمين.

أَعتقني من حبِّ الرئاسة. حبُّ الرئاسة مَرَضٌ عُضال ينشأُ في الطفولة. يرى الطفلُ أَمامَهُ أَهلَهُ وإِخوَتَهُ والناس أَكبر منهُ فيَغار ويشتهي أَن يكونَ هوَ كبيراً أَيضاً. يرى أَهلَهُ متسلِّطَين على البيت، على الإِخوَة، على الخدَم فيشتهي أَن يكونَ هوَ ايضاً متسلِّطاً فيقوم بتقليد أَبيه وأُمَّهُ في حبِّ الرئاسة والسُلطة.

تقليدُ الأَب والأُم، أَو كما نقولُ بالأَحرى في التحليل النفسي محاكاة الأَب والأُم هي مسأَلةٌ ضروريَّة لنُشوء الشخصيَّة ولكن فيها مخاطر ككلِّ شيءٍ يتعلَّق في الإِنسان لأَنَّ كل أُمورِهِ معقَّدة، لها وجهٌ إِيجابي ووجهٌ سلبي. ينشأ الطفل معقَّداً من جهَةِ حبِّ الرئاسة والسلطة، وتستمرُّ هذه العقدة لديهِ لأَنَّ الحياة كلَّها مراحلَ من اليومِ الأَوَّل من العمر الى آخر العمر.

حبُّ الرئاسة موجودٌ في هذه الدنيا وكلُّ الناس تقريباً ما عدا النُسَّاك يرغبونَ بشيءٍ من السلطة، وفي النهاية نحنُ بحاجةٍ الى السلطة. الدولة بحاجةٍ الى الحكَّام، والبيت بحاجة الى سلطةِ الأَب والأُم، والعمل يحتاجُ الى سلطةِ مدير العمل… فإِذاً ممارسة السلطة هي أَمرٌ عاديٌّ في مجتمعِنا.

حبُّ الرئاسة لدى النُسَّاك شيءٌ مكروهٌ جدًّا، والرُهبان مطالَبون بالكُفرِ بحبِّ الرئاسة. رئيسُ الدير حينما يُنتخَبُ لرئاسةِ الدَير يقبَلُ ذلك لخدمةٍ كلَّفَهُ بها الله لا كحُبِّ رئاسة وسلطان. يمارسُ سلطانَهُ كخادمٍ لله.

حبُّ الرئاسة في الكهَنوت مرضٌ عُضال. الإِكليريكيُّون يُحبُّونَ السُلطة ولكن يوجد بينهم مَن كَفَرَ بالسلطة ورفَضها. على كلِّ حال ممارسة السُلطة بشَرَفٍ وتواضعٍ خِدمةٌ كبيرة. ولكن هل يترُكُنا الناس متواضعين؟ أَلا يتملَّقُ الناس الرؤَساء؟ أَما ينخدِع أَربابُ المصالح بالمتزلِّفين والراشين والمزعبرين؟ أَليسَ المجتمع الى حدٍّ كبيرٍ سلسلة كبيرة من النِفاق والتزليف والتملُّق والمداهنة؟ أَما يتعلَّم مدير الدائرة أَو مدير المصلحة حبَّ الظهور بسببِ المدائح؟ يمدحونَهُ في الوجه ويذمُّوه في الخُفيَة. وإِن خانَ الدهرُ رئيساً فمَن يطعنُ فيهِ قبل كلِّ الآخرين، أَليس المستفيدونَ منهُ؟ مَن يشمُت بَمن؟ مَن غابَ نجمَهُ، أَخذَ النجم أَقرب الناس إِليهِ. أَلسِنَةُ الناس أَلهبةٌ من الجحيم. ما اختلفَ اثنان إِلَّا وتدخلَّت الأَلسِنة لتمزيقِهِما ودفعِهِما الى نقطةِ الَّلارُجوع.

الكُفرُ بالرئاسة عمليَّةٌ نِسكيةٌ والنُسكُ هو أَفضلُ شيءٍ روحيًّا. يرفض الناسكُ التملُّكات والمدائح والنفاق والرِياء والكَذب والدَجَل ويكونُ بحاجةٍ الى يقظَةٍ كبيرة جدًّا لِكَي يتجنَّب حبِّ الرئاسة.

أَمَّا العُجبُ بالذَّات هو أَفعى ذو مئة رأسٍ،كيفَما تحرَّكنا يُلاحِقُنا لينفُخَنا. العُجبُ بالذَّات موجودٌ منذُ الطفولة. فالطفلُ إِذا وجدَ ثِقابَ كبريتٍ مرميٍّ على الارض حملَهُ الى أُمِّهِ ليُعطِيَها إِيَّاه على أَساس أَنَّهُ “أَخرجَ الزير من البير”. تتبدَّل وتتغيَّر العيوب كثيراً بسببِ الضغط الرُّوحي والأَخلاقي الَّذي نُمارِسُهُ على أَنفسنا، ولكنَّها تتلبَّس ملايِّين الأَلبسة لتختفي عن بصيرتنا وعن يقظَتنا.

أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

كَم هي كبيرة عظمةُ الإِنسان قبلَ الخطيئة ومع وجود الخطيئة يبقى الإِنسانُ عظيمٌ وكبيرٌ جدًّا ولا يحتاجُ إِلَّا الى التَقوى لكَي يلمَعَ فيهِ الرُّوح القُدُس لهُ المجد.

أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

الكلامُ البطال: الكلام البطَّال كلامٌ سخيفٌ جدًّا، كلامٌ قَذِر تختفي وراءَهُ العدوانيَّة. علَّمَنا بولس أَن نستعملَ أَلسنَتنا للتسبيح، للصلوات، للترانيم الرُّوحيَّة، للترتيل، للكلام الحلو، للمنفعة لا للضَرَر والأَذى والتحريض والتدمير، بل لمنفعةٍ للآخرين.

أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

الكلام البطَّال سكاكين نذبحُ فيها الآخرينَ بأَلسِنتِنا لا بأَيدينا، وفي ذلك جُبنٌ لأَنَّ الجبان لا يُؤذي بيدِهِ ولكن يُؤذي بلسانِهِ. أَصحابُ الكلام البطَّال يُؤذونَ ويجرَحونَ بأَلسنتِهم فيُصبحُ الأَمر لدَيهم هَوَساً. الهوَس هو عادة مستحكِمَة في الإِنسان شِفاؤها عسيرٌ وليس من السهل تطبيبه. هوَ على أَنواع منها الهوَس بالكحول والسيجارة والحشيش والقهوة والشاي والقمار والجنس وغيره. أَمَّا المهوُوس فهو باستمرارٍ مشغولٌ بموضوعِ هَوَسِهِ والهوَس عندَهُ مثل التنفُس وحركة الدَم، أَي حركة دائمة ليلاً ونهاراً حتى في الحلم. إِن كانَ مهوساً بالسباب استعمَلَ السباب باستمرار، إِن كانَ مهوُوساً بحَلف الايمان فاضَ كالنهرِ بها، إِن كانَ مهوُوساً بكلام الكُفر كان نهراً فوَّاراً بهِ، إِن كان مهوُوساً بكلام السفاهة والتفاهة وكلام الرذيلة والكلام الفاحش، نطَقَ به باستمرار وجالَ في صدره كما يتحرَّكُ الدمُ فيهِ وذلك بصورةٍ اوتوماتيكيَّة. صاحبُ الهوَس يستلِذُّ بموضوعِ هَوَسِهِ، وليس من السهل لهُ أَن يلجُمَ هوَسَهُ.

أَنعِم عليَّ أَنا عبدَكَ الخاطئ. الإِنعام يكونُ من الأَعلى الى الأَدنى. في مفهومِنا المسيحي الإِنعام الأَكبر هو نعمةُ الرُّوح القُدُس. أَنتَ السيِّد، وأَنا العبد. والعبدُ يُطيعُ سيِّدَهُ ويخدُمُهُ بأَمانةٍ وإِخلاص وشرَف وتضحيَة وتَفانٍ ووفاء ومحبَّة، وبخاصَّة إِن كانَ مسيحيًّا. بولس الرسول في رسائلِهِ يطلبُ من العبد أَن يخدُمَ سيِّدَهُ كأَنَّهُ يخدُمُ المسيحَ. فإِن كانَ عليهِ أَن يخدُمَ سيِّدَهُ العالميّ كما يخدُم المسيح، فكَم بهِ لائقٌ أَن يخدُمَ المسيح بتضحيةٍ وتَفانٍ وبأَن يموتَ شهيداً من أَجلِ ربِّنا يسوعَ المسيح!

أَنا عبدَك الخاطئ. في مثَل الفرِّيسي والعشَّار في إِنجيلِ لوقا نرى الفرِّيسي متكبِّراً والعشَّارَ متواضعاً. نزَلَ الفرِّيسي من الهيكَل غيرَ مبرَّر بينما نزَلَ العشَّارُ مبرَّراً.

لاهوتيًّا، سقطَ آدم وهذا السُقوط أَورَثَنا حالةً خاطئةً. وَضعُنا إِذاً كإِنسانٍ هو وضعُ إِنسانٍ خاطئ. حسب الفصل السابع من رسالة روميَّة الآية 23: ” لكنِّي أَرى ناموساً آخرَ في أَعضائي يتجنَّد ضدَّ ناموسِ عقلي ويأسِرُني لناموسِ الخطيئةِ الَّذي في أَعضائي “. الخطيئةُ فينا هي ذاتُ أَعضاء، هي جسمٌ لهُ أَعضاء وهذه الأَعضاء هي أَسلحةٌ للشرِّ، ولذلك فوَضعُ الإِنسان كإِنسانٍ بعدَ السقوط، هو وَضعٌ مريض فيهِ سرطانٌ خبيثٌ لا دَواءَ لهُ ولا شفاءَ منهُ. يستمرُّ الإِنسان في هذه الحالة حتى النهاية.

بالمعموديَّة يغرس المسيحُ فينا كطُعُمٍ كما تُطَعَّمُ الكرمة. تبدأُ المعركة حينها بين آدم وبين المسيح ولا تنتهي إِلَّا بالوفاة. وقبل الوفاة ليسَ من شيءٍ مضمون. الفقرة 107 من كتاب “السُلَّم الى الله” واضحة: قبل الوفاة لا نستطيع أَن نحكُمَ على أَحدٍ، بعد الوفاة تَتِمُّ التعريَة. أَبناءُ العَلاء الى العَلاء وأَبناءُ السِفل الى السِفل. وبحسب أَنطونيوس الكبير، التجربة باقيَة حتى آخر لحظة من الحياة، فلذلك لا يستطيعُ الإِنسان الواعي أَن ينتفِخَ من برِّهِ وقداستِهِ لأَنَّهُ لا يستطيع أَن يجزُم بأَنَّهُ غيرُ قادرٍ للسقوط مئة بالمئة. الإِنسان الواعي الناضج لا يستطيع أَن يقول: أَنا بريءٌ من الخطيئة. الخطيئة هي حالةٌ لا ظاهِرَة عابِرة. نرتكبُ الخطايا باستمرار لأَنَّ حَبكة ُالخطيئة موجودةٌ باستمرار، لأَنَّنا مريضون مُصابونَ بسرطانٍ خبيث، مصابونَ بمرضِ الجرَب.

حياةُ الإِنسان المسيحي الحقيقي ما هي إِلَّا حياةُ حربٍ مع نفسِه ومع خطاياه. هذه الحرب لا تنتهي إِلَّا في الإِنتقال الى العَلاء. وهل يجوزُ التوقُّف؟ لا يجوز التوقُّف لأَنَّ التوَقُّف هو موتٌ روحيّ. الإِنسان المسيحي هو رجلُ حربٍ. هذا مصيرُه: إِمَّا أَن يكونَ ماريشال حرب (أَي مُشيراً في العربيَّة) عملاق ناجح فيَدوس الشيطان والخطيئة وينتقل الى السماء، وإِمَّا أَن يكوَن عسكريًّا فاشلاً هارباً فارًّا من المعركة وخاسِراً المعركة. في هذه الحربِ لا حلَّ وسَط في الأُمور.

والإِعترافُ بالحالة الخاطئة هو تواضع. كان النُسَّاك والعاموديُّون ماثلينَ أَمامَ الرب يسوع معترفينَ بحالاتِهم الخاطئة. الصلاة النسكيَّة الأُرثوذكسيَّة التي يمارسُها الرُهبان والعلمانيُّون: “رِّبي وإِلهي يسوعَ المسيح يا ابن الله ارحمني أَنا الخاطئ” صلاة يُرَدِّدونَها في الَّليلِ والنهار وفي الأَحلام، مُعترفينَ على الدوام بأَنَّهم خاطئون. هذا التِرداد لا يصيرُ عادةً، يبقى الناسك يصلِّي هذه الصلاة وهو في كاملِ وعيِهِ ويقظتِه. يُوصِّي العارفون بهذه الصلاة لأَنَّ تردادَها مفيدٌ. العميقونَ روحيًّا الَّذين صارَت هذه الصلاة مهنَتهم ودأبَهُم، هُمْ دائماً في حالةٍ إِختطافيَّة مع يسوع، والشعور بالخطيئة يُلازِمُهُم ليلاً ونهاراً وكلَّما تعمَّقَ شعورَهُم هذا، كلَّما ازدادوا تواضُعاً وانسحاقاً.

طبعاً ليسَ النُسَّاك بمرضى نفسيِّين، هنا التوضيح ضروريٌّ جدًّا. بعضُ المرضى النفسيِّين هم مصحوبينَ بالشعور بالذنب وهذا يكون في الَّلاشُعور. هؤلاء مَعوقون لا يستطيعونَ أَن يكونوا روحانيِّين قبل تطبيبِهم نفسيًّا، هم بحاجة لتطبيبٍ نفسي للخلاص من هذا الشعور المخفي في الَّلاوَعي. متى طُبِّبوا، تَفِلت طاقاتُهم من مكامِنِها بنسبةٍ ما وإِنَّما لا يعودونَ طبيعيِّين مئة في المئة لأَنَّ الكبت قد حطَّمَ أَعصابهم مدَّةً من الزمان. التطبيب النفسي يُنعِشُها ولكن لا يُجَدِّدُها مئة في المئة.

أَمَّا الروحانيُّون فَهُم غير مَعوقين. هم أَسياد كل قواهِم التي يُوجِّهُونَها الى الله ليلتَسِقوا بالله. هُم يقِظون الى درجةِ انفتاحِ وعيهِم انفتاحاً كبيراً حتى ينتهي الَّلاشعور الى حدٍّ كبيرٍ شعوريًّا. هُم في اليقظة وفي الحلم يشعرون بأَنَّهم خاطئونَ كِباراً. الروحانيُّونَ الحقيقيُّون هم جبابرة. كلُّ قِواهُم وطاقاتُهم النفسيَّة حرَّة جاهزة للإِستعمال وكلُّ تعلُّقاتِهِم وتَوَجُّهاتِهم وعِشقِهم يُوَجِّهُونها الى الله. هُم قادِرونَ على الغَوصِ إِلى أَعماقِ أَعماقِهم بالتدرُّجِ طبعاً، وخلال هذا التدرُّج يكتشِفونَ شيئاً فشيئاً حالتَهُم الساقِطة وضُعفَهُم الرُّوحي، وكلُّ ما فيهِم من أَهواءَ شرِّيرة التي لا يُمكن السيطرة عليها وتحويلها بسهولة، بل مع الزمن. ولذلك فَهُمْ في حربٍ داخليَّة بين قوَّتَين تتصارعان بعنفٍ شديد: الضمير والأَهواء. البطلُ ينتهي بهِ الصراع الى تحويل الأَهواء الى فضائل. هذه الحرب تتطلَّب بُطولة، وتتطلَّب حريَّة روحيَّة داخليَّة. بالحريَّة الداخليَّة يستعمل المحارِب طاقاتِه إِيجابيًّا فيتَّجهَ الى الله. خلال هذا الصراع يكتشف الروحاني وبالتدرُّج حالتَهُ الخاطئة. وكلَّما تقدَّمَ في الصِراع اكتشفَ الهُوَّة القائمة فيهِ، هُوَّة الحالة الخاطئة.

وبالجهاد الرُّوحي صارت الأَهواء رافضةً التحويل، فيشعر الروحاني أَثناءَ هذهِ الصِراعات بعُمق حالتِهِ الخاطئة التي لا يُمكن أَن يشفِيَها بطاقِتهِ الذاتيَّة بل بنعمةِ الرُّوح القُدُس. في قانونِ يسوع عِبارات كبيرة جدًّا فيها يعترفُ المرءُ بأَنَّهُ أَكبر الخاطئين منذُ آدم حتى اليوم، هو بهيمةٌ وليسَ إِنساناً.

فإذاً أَنا خاطئٌ الى درجةٍ احتاجَ أَمرَ خطيئتي أَن يتجسَّدَ ابنَ الله ويموتَ على الصليب ويغسُلَني بدَمِهِ ويُغذِّيني بدَمِهِ وجسَدِهِ. عَمَلُ يسوع هذا هو عَمَلُ الله. كَم أَنا خاطئٌ حتى وضَعَ اللهُ ذاتَهُ الى جانبي في المعركة! كم أَنا خاطئٌ حتى شِفائي في النهاية لا يتِمُّ إِلَّا بجسَد يسوع ودمِه!

من هنا يجب أَن يفهَمَ كلَّ مؤمِنٍ أَنَّهُ جحيمٌ من الخطايا. الكبرياءُ تُحارِبُنا، العُجبُ بالذَّات يُحارِبُنا، الأَنانيَّة تُحارِبُنا. يصعَبُ عليَّ جدًّا أَن أَتصوَّر بأَنِّي جحيمٌ. ومتى أَدركتُ أَنِّي جحيم، أَنتفِخُ بروحٍ شيطاني بسببِ بلوغي هذه المرحلة العظيمة من الِإنسحاق الروحي.

العُجبُ بالذَّات هوَ ذو مئة رأس يُلاحِقُني في الَّليلِ والنهار، في اليَقظة والحلم. حتى إِن نزَلتُ الى الجحيم فِعلاً بسبب شعوري بأَنِّي خاطئ، فالعُجب بذاتي يُجرِّبُني فيقول لي: آه أَنتَ تواضعتَ، أَنتَ اكتشفتَ حقيقتَكَ أَنَّكَ جحيمٌ من الخطايا… لديهِ الملايِّين من الأَسباب لينفُخَني ويخدَعَني ويضيِعَني ويتيهَني في الصحراء لئلَّا أُتَمِّم طريقي الروحيَّة.

فإِذاً الروحاني الحقيقي يعيش 24 ساعة وهو ممتلئٌ من الإِعتقاد والشعور بأَنَّهُ إِنسانٌ خاطئٌ، وأَنَّ براءَتَهُ على الأَرض مستحيلةٌ، وأَنَّ المناولة والإِنجيل والأَعمال الصالحة كلُّها ليست إِلَّا وسائل على الطريق، وأَنَّهُ لا يُحقِّقُ الخلاص قبلَ لحظةِ الوفاة.

ويقول لي الناس: أَهكذا المناولة لا تنقُذُنا سريعاً؟ نعم المناولة لا تنقذُكُم سريعاً لأَنَّ المسألة هي مسألة جِهاد روحي ومدَّتُهُ العمرُ كلُّه. قد يُخلِّصُ اللهُ الإِنسان في لحظاتٍ كما خلَّص الِّلص على الصليب، وقد يُخلِّصُهُ خلال عشر سنوات أَو مئة سنة. اللهُ لهُ المجد هو الَّذي يختارُنا في الَّلحظة التي يُريدُها. ماذا علينا أَن نعمل؟ علينا أَن نُجاهِد. كم من المدَّة؟ في هذا ليس هناك وقت، أَنتَ تُجاهِد واللهُ يُراقِب، وفي ساعةِ الصِفر ينتزعُ اللهُ روحَكَ وينقُلَكَ الى النورِ الإِلهي. فإِذاً مصيرُنا على الأَرضِ مُعَلَّقٌ في الهواء. نعم، معلَّقٌ في الهواء.

ولكن الإِنسان يُريدُ الإِستراحة، يُريدُ الإِطمئنان، يُريدُ أَن ينامَ على الحرير، على الثِقة. هذا الإِنسانُ ليس بمسيحيٍّ تائب. المسيحي المجاهد ينامُ على الشَوك، على المسامير، لا يَثِقُ بنفسِهِ بل يُجاهدُ ويركض نحوَ يسوعَ المسيح. أَليسَ من محطاتِ استراحة؟ طبعاً هناك استراحة. يسوع لا يطلبُ منَّا أَن نُنفق طاقتنا كلِّها دفعةً واحدة فَنَقَع في الإِجهاد وفي الفشل والتراخي، يسوع يطلُبُ منَّا جِهاداً مدروساً مَوزوناً بتَعقُّلٍ دونَ رخاوةٍ. مَن هو إِذاً الرجل المسيحي الحقيقي؟ هو رجلُ الحرب الحقيقي. هناكَ مسيحيُّون يتوهَّمون أَن المسيحيَّة هي حياة جلوس في زاوية، آمنينَ، مطمئنِّين، مُرتاحين، مائعين. لله طُرُقات لا تُعَدُّ ولا تُحصى في خلاصِ البشر، ولكن الطريق المرسوم هو طريقُ الحرب، الحرب ضدَّ الشياطين، ضدَّ الشهَوات، ضدَّ الأَهواء، ضدَّ ما هو سافل ورديء ورذيل.

هناك أُناسٌ يحصون يوميًّا عدد الخطايا التي يرتكبونها وعدَد الحَسنات التي يصنَعونها. عدد الخطايا يوميًّا لا يُعَدُّ ولا يُحصى لأَنَّ حالتي خاطئةٌ مستمرَّة طوال الَّليلِ والنهار وأَنا لستُ دائماً في حالِ اليَقَظَة لأُجرِيَ محاسبةً دقيقةً. صلاتي ليست ناراً دائماً والشيطان يتدخَّل ويصرِف عقلي أَثناءَ الصلاة الى مجاهِلِ الحياة. فلذلك لا نستطيع أَن نتَّكِل على المحاسبة ولا نستطيع أَن نثِقَ بأَنَّ حالتي الشريرة تتغيَّر بكمشةٍ من الأَعمال الصالحة. بعض الناس يخدَعونَ أَنفسَهُم فيتوهَّمون بأَنَّ بشيءٍ من الحسَنات يطمُسونَ خطاياهُم، خطاياهُم لا تُطمَس إِلَّا بالتوبة.

في التطويبات جاءَ: طوبى للنائحين لأَنَّهم سيُعزَّون. المسيحي الحقيقي هو دائماً في حالةِ حِداد على نفسِهِ لأَنَّ نفسَهُ خاطئة. قد يعترضُ البعض، أَليسَ من تعزيَةٍ في الحياة؟ كيفَ لا ويسوع هو الَّذي يفعل فيَّ الأَفعال والإِرادة كما تقول الرسالة الى فيليبي. في هذا الجهاد لا أَقومُ بهِ منفَرداً، يجاهدُ يسوع فيَّ وكلُّ ما أُحرِزُهُ من انتصاراتٍ إِنَّما يسوع هو المنتصِر الَّذي يَحرزُهُ. أَتوَهَّم أَنَّني قُمتُ بعملٍ جبَّار، يسوع هو الَّذي يقوم بالأَعمال الجبَّارة. يجب أَن لا أَخدَعَ نفسي، يسوع هو الَّذي يفعلُ فيَّ والرُّوح القُدُس الساكنُ فيَّ هو الَّذي يفعلُ الأَفعال.

هذا الشعور بضعفِنا ضروريٌّ جدًّا لِكَي نتخلَّص من الكبرياء والعَجرفة والإِعتزاز بالذَّات والمجد الباطل وكل الخطايا المرتبطة بالكبرياء. يسوع يطلب منَّا تواُضعاً. في المزمور 50: الذبيحةُ لله روحٌ منسحقٌ القلبُ الخاشع المتواضع لا يرذُلهُ الله. الرُّوحُ المنسحِق، ذبيحة. ماذا يذبح الإِنسان بالإِنسحاق؟ يذبحُ الكبرياء وكلُّ فروعِها، يُقدِّم لله ذبيحةً طاهرة توصِلُهُ الى الملكوت السماوي. المسيحي هو التائبُ، المسيحي هو المعترِف بخطاياه وضُعفِهِ، هو الَّذي يشعُرُ من صميمِ كِيانه أَنَّه أَقلُّ من الصفر، أَقَلُّ من الحشرات، أَقَلُّ من العفَن، أَقَلُّ من أَتفَهِ الحيوانات لأَنَّهُ نَجِسٌ.

لا أَستطيع أَن أَدنوَ الى الله وأَنا متعجرفٌ ومتكبِّرٌ مثل الفرِّيسي، أَستطيعُ ذلكَ إِذا صِرتُ مثل العشَّار.

في الإِنجيلِ مسأَلة رائعة تُلفِتُ الإِنتباه حين الإِمعان الدقيق: قائد المئة بعثَ ليسوع يعتذر عن دخول يسوع الى بيتِهِ وطلبَ من يسوع أَن يقولَ كلمةً فقط ليبرأَ فَتاه. فتعجَّب يسوع وقال إِنَّهُ لم يجِد مثل هذا الإِيمان حتَّى في اسرائيل. لم يقُل يسوع “مثل هذا التواضع “بل قالَ ” مثل هذا الإِيمان”.

رَبَطَ الربُّ يسوع بين التواضع والإِيمان فصار التواضع هو الإِيمان. يسوع بالذَّات ربُّنا وإِلهنا جَعَلَ التواضعَ إِيماناً والإِيمانَ تواضعٌ. أَنت متواضع، فأنت إِذاً مؤمن، أَنتَ غيرُ متواضع فأَنتَ إِذاً غيرُ مؤمن. هناك كُفرٌ عمَليٌّ والَّذي يعمل السيِّئات يكفر عمليًّا. التواضع مهمٌّ جدًّا، كيف لا والمسيح بالتواضع صارَ ابن الإِنسان، وبالتواضع صارت العذراء مريم أُمَّ الإِله؟ يسوع جعل التواضعَ بالإِيمان فأَينَ المتواضعين وأَينَ المؤمنين؟ ربُّنا يدينُ الناس لا أَنا. يبقى في الزوايا قدِّيسون، الله يفحصُ قلوبَهم ويعرف دواخلَهُم.

عمليًّا نرى الناس منفوخينَ بالمال، بالجمال، بالمنصب، بالنجاح في المهنة في الدراسة … يستفيدُ الإِنسان من كلِّ شيءٍ لينتفخَ وهذا مرضٌ موجودٌ في الطفولة ويستمرُّ مدى الحياة. المهمُّ روحيًّا هو أَن أَشعر في الَّليلِ والنهار على مدى الحياة أَنَّني إِنسانٌ مصابٌ بسرطانٍ خبيثٍ لا شِفاءَ منهُ وهو الخطيئة. يوئيل النبي قال: مزِّقوا قلوبَكم لا ثيابَكم. كَم هوَ مقدار ُالشرِّ في قلوبِنا حتى تحتاجُ الى التمزيق؟ طبعاً التمزيق هنا في التوبة، في البكاء وفي النحيب.

الخطيئة تُقَسِّي القلب وتُسَلِّط الرِقاب وتُعرِّضُ النفس. نحنُ نؤمِنُ أَنَّ النور الإِلهي يخترقُ القلوب ولكن يجب أَن نعرف ايضاً أَنَّهُ لا يخترق قلوبٍ من حجر ورقابٍ من صوَّان، ونفسٍ من رصاص. هذا الإِختراق يحتاجُ الى الرِقَّة والشفافيَّة، يحتاجُ الى نفسٍ شفَّافة للنور الإِلهي، والتوبةُ وحدُها هي التي تجعلُ الإِنسان شفَّافاً رقيقاً وإِن بلَغَ في التقوى وَضعاً جيِّداً. دُموع التوبة عطيَّةٌ من الله، دموعٌ رقراقة، برَّاقة تغسل الخطايا وتبعثُ في النفس بهجةً إِلهيَّة. هذه الدموع لا تُمنَحُ فجأةً أَو بسرعةٍ، يصلُ إِليها فقط المجاهدون الروحيُّون الحقيقيُّون الَّذينَ جَعلوا قلوبَهم رقيقة، ونفوسَهم شفَّافة منفتحة على الله.

أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

j هل هذا ممكن في العالم؟  نعم. الَّذينَ يُريدونَ الله يجدونَهُ في كلِّ مكانٍ ولكن أَين الجهاد وأَين المجاهدون؟

أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

بروحُ العِفَّة. في الآية 22 من الفصل الخامس من الرسالة الى غلاطية، الفضائل هي ثمارُ الرُّوح القُدُس: ” أَمَّا ثَمرُ الرُّوح فهوَ المحبَّة والفرح والسلام وطول الأَناة والُّلطف والصلاح والإِيمان والوداعة والعفاف”. هذه بعضٌ من الفضائل العديدة وهي كلُّها  من ثمارُ الرُّوح القُدُس. يوحنا المعمدان بشَّرَ وقال: إِصنعوا ثماراً تليقُ بالتوبة. الثِمار التي تليقُ بالتوبة إِنَّما هي الرُجوع عن الرذائل والإِتيان بالفضائل.

العفَّة صِفَةٌ عامَّة تشمُل كلِّ الحياة الأَخلاقيَّة. هي ضبطُ الأَهواء جميعاً والسيطرة على الذَّات، السيطرة على الشهَوات، السيطرة على الَّلذات بصورةٍ يُصبِحُ الإِنسانُ ممسِكاً كبيراً وسيِّدَ نفسِهِ، يضبُطُ نفسَهُ ويقمَع جسَدَهُ ويقمَع ذاتَهُ. العِفَّة هي انضباطيَّة كبيرة، فيها يضبطُ الإِنسان كلَّ الأَهواء ويُسَيطر سيطرةً جيِّدة. عندهُ قُوَّةٌ نفسيَّة كبيرة يضبط ُ بموجَبِها كلَّ شيءٍ منحرِف ومصدرُها هو الرُّوح القُدس الساكن فينا.

علينا أَن ننتبِه دائماً للرُّوح القُدُس الساكن فينا الَّذي يحرِّكُنا، وأَن نستلهِمَهُ في كلِّ شيءٍ طالبينَ عَونَهُ قبل ممارسة جميع الأَعمال: قبلَ الصلاة، قبلَ التفكير، قبلَ الدراسة وقبلَ القراءة… الرُّوح القُدُس هو مصدرُ كلِّ شيءٍ جيِّدٍ في حياتِنا.

هذا أَكبرُ دليلٍ على أَنَّ الإِنسان هو ضعيفٌ روحيًّا. قد يلمعُ فِكريَّا وعقليًّا ويصبحُ مخترعاً كبيراً يصنعُ المعجزات ولكنَّهُ أَخلاقيًّا قد يكونُ ضعيفاً وقد يبقى روحيًّا فقيراً مُعدَماً.

مكسيموس المعترف يقول: الخطيئة قطَّعتنا أَلفَ قطعة. بسبب الخطيئة نحن مفكَّكون مقطَّعو الأَوصال، مقطَّعونَ إِرباً إِرباً والخطيئة هي التي فتَحت المجال لهذا التقطُّع. لهذا يُطالِب مكسيموس المعترف بالسعي لجمع القِطع وتوحيد قِوى النفس المبعثَرة، حينذاك نستعيدُ صورةَ الله فينا ونتجدَّدُ روحيًّا بنعمةِ الرُّوح القُدُس الساكن فينا.

قد نلمَعُ عقليًّا ونبقى هَزيلينَ روحيًّا وأَخلاقيًّا. وضعُنا كبشرٍ ساقطين وضعٌ ضعيفٌ جدًّا. من الناحية الروحيَّة، تستحيلُ الروحانيَّة الحقيقيَّة ويستحيلُ النموُّ الأَخلاقي الكامل بدونِ الرُّوح القُدُس. ولذلك فالَّذينَ يتذمَّرون ويَشكون، لا يستلهِمونَ الرُّوح القُدُس كما يكفي بل يعتمدونَ على قِواهِم الذاتيَّة، فيفشَلون. يتوَهَّمون أَنَّهم قادرونَ بِقوَّتِهم الذاتيَّة أَن يُحقِّقوا المعجزات الكبيرة العُظمى ولكنَّهم ليسوا سوى متكبِّرون، متعجرفون ومُعجَبونَ بأَنفسِهِم.

نحنُ نسعى والرُّوح القُدُس يُكَمِّل. نجتهدُ في تحويلِ أَهوائنا الى فضائل ونَسعى الى غَرزِ الفضائل مكانَ الرذائل، ولكن هل نستطيع أَن نُحَقِّق ذلك بقوَّتنا الذاتيَّة؟ لا.  بمعونةِ الرُّوح القُدُس نستطيعُ ذلك وقد لا نستطيع.

العِفَّةُ تتطلَّب معونة الرُّوح القُدُس بقوَّةٍ كبيرة جداً. المطلوب في العِفَّة أَن أضبُطَ أَهوائي وشهواتي جميعاً، أَن أَلجِمَها وأَسَيطِرُ عليها وأَن أُحَوِّلَها الى فضائلَ. هذا يتطلَّبُ قوَّة إِلهيَّة، قوَّةُ الرُّوح القُدُس. تتطوَّر الشراهة الى ضبطٍ للفمِ والبطنِ، يتطوَّر الفسق الى عشقٍ إِلهيٍّ، تتطوَّر النجاسات الى طهارة، يتطوَّر الطمَع الى سخاء، والأَنانيَّة الى الإِنفتاح والشفافيَّة، تتطوَّر الأَهواء جميعاً الى أَضَّادِها.

في العَفاف كلُّ شيءٍ ينقلبُ رأساً على عقب. في الحياة الروحيَّة المسيحيَّة، الإِمتناع أَمرٌ جيِّدٌ ولكنَّهُ ليسَ كلَّ شيء، يجب التحويل. أَمتنعُ عن إِيذاء الآخرين هذا أَمرٌ جيِّد، ولكن هل أَتخلَّص من الحِقد وهل أَنقلبُ الى إِنسانٍ مُحسِنٍ جوَّادٍ كريم؟ المسيحيَّة ليست ديانة لا تقتل لا تزنِ لا تشهد بالزور…. بل هي ديانة المقابِل. مثلاً: بَدَلاً من القتل أَبذُلُ نفسي من أَجلِ الآخرين كما علَّمَني يسوع، بدَلاً من الزِنى أَتحوَّل الى طهارة وأَكون شفَّافاً روحيًّا، بَدَلاً من السَرِقة أُصبِحُ عفيفاً ومُحسِناً كبيراً لا أَمُدُّ يدي الى الحرام، بَدَلاً من شَهادة الزور أَنطِقُ بالصالحات وأَمتنِعُ عن الكَذب مئة في المئة وعلى حَلفِ الأَيمان مئة بالمئة، وأَتكلَّمُ بالصِدق وبالمنفعة وبالكلام الَّذي يرضي الآخرين. كلُّ شيءٍ في المسيحيَّة يتّخذُ وجهاً إِيجابياً.

العفيفُ هو الإِنسانُ الممسِك الَّذي أَمسَكَ عن كلِّ الرداءات والرذائلِ والشُرور وضَبَطَ نفسَهُ ضبطاً تامًّا. هو الإِنسان الَّذي ضَبَطَ حواسَّهُ جميعاً، ضبطَ عينَيهِ وأُذُنَيهِ وفَمَهُ وأَنفَهُ وحلقَهُ وبطنَهُ ويدَيهِ ورِجلَيهِ وصدرَهُ وأَفكارَهُ. صارَ منضبطٌ في فِكرِهِ وفي قلبِهِ، لا يَميلُ الى الشرِّ ولا يرتكبُ الشرَّ، ولا يفعلُ الشر. لجَمَ نفسَهُ لجماً تامًّا وقَيَّدَ نفسَهُ بقيودِ الضميرِ الحيِّ. ضميرُهُ الحيّ هو الَّذي يُكَبِّلُهُ تكبيلاً ويُمَهِّدُ الى طهارةِ النفس طهارةً كاملةً لتُشرِقُ لامعةً بالرُّوحِ القُدُس لأَنَّها قد سدَّت منافِذَ الخطايا.


أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

وإِتِّضاع الفكر. يمتازُ الإِنسان عن الحيوان بالفِكر. الإِنسان مفَكِّرٌ ولكِنَّ فكرَهُ واقعٌ بين حبلَين، وكلٌّ منهُما يشدُّهُ في طرفٍ معاكِسٍ للحبلِ الآخر. التفكير في الأُمورِ الصالحة موجودٌ إِجمالاً، ولكن التفكير في الشرِّ هو غالِبٌ لأَنَّهُ كما قال في الفصل 8 من سفرِ التكوين ” الإِنسانُ يميلُ الى الشرِّ منذ حداثَتِهِ”. ينزَعُ الإِنسان الى الشرِّ بصورةٍ طبيعيَّة، ويُكرِه ذاتَهُ على عَمَلِ الخير ولذلك تكونُ الحربُ شديدةً في داخلِهِ. لا بدَّ من ضميرٍ حيٍّ قويٍّ متينٍ مُسيطرٍ كي يستطيعَ أَن يُحوِّلَ أَهوائهِ الى فضائل. المهَمَّةُ الروحيَّة هي مَهمَّةُ العمر. قد يشيخُ الإِنسان فيعجزُ عن العمل المادِّي، ولكنَّهُ لا يعجز عن العمل الروحي ولو بلَغَ من العمر المئة والعشرين سنة. يبقى حتى آخر لحظة من حياتِهِ قادراً على العمل الصالح، فهو يبقى إِذاً في السعيُ المتواصل.

أَفكارُ الإِنسان لهيبُ نار تحرِّكُ الفِكرَ عن طريقِ الصُوَر لتُحرِّك الأَهواء والشهوات. الفِكرُ هو ميزةُ الإِنسان. تجولُ الأَفكار حسَب اهتماماتِ الإِنسان وحسَب هواجِسِهِ، أَنتَ وما تهوى. تهوى الغِنى فتُفَكِّر في المال، تهوى مَلكوت السموات تُفَكِّر في ملكوتِ السموات، تهوى الطعام والشراب تُفَكِّرُ في الموائد، تَهوى الجِنس تُفَكِّرُ في جهنَّم، تَهوى العِلم تُفَكِّر في الكتُب، تهوى الثرثَرة تفتِّش عن الأَقاويل لتُثَرثِر، تهوى نقد الآخرين تمدُّ لسانَك لِنقدِ الآخرين. هوايَتُكَ الله، تَصرِف فكرَكَ الى الله، هوايتُكَ الدنيا تصرِف نفسكَ الى الدنيا. فإِذاً الهوى يُؤثِّر على الفِكر.

إتِّضاع الفِكر مهمٌّ جدًّا. إِذا اتَّضَعَ فِكرُكَ اتَّضَعَتْ نفسُكَ. ينتفِخ الجسدُ بأَفكارِ الكبرياء فَنَتَوَهَّم أَنَّ الجسد هو الَّذي يتكبَّر. أَفكارُنا هي التي تنفخُنا. ينتفخُ فِكرُنا فينتفخُ جِسمُنا، يتواضعُ فِكرُنا فيتواضعُ جَسَدُنا. التواضعُ في المسيحيَّة فضيلةٌ مهمَّةٌ وكلُّ الفضائل تحتاجُ الى التواضع لأَنَّ الشيطانَ حاضرٌ ليُجرِّبُنا. إِن أَحسنَّا الى فقيرٍ، نَفَخَنا الشيطان بهذا العمل ولو كانَ الإِحسانُ ضئيل. فإِذاً ممارسة الفضائل جميعاً تحتاجُ الى التواضع لئلَّا ينفُخَنا الشيطان بأَنَّنا قدِّيسونَ وطاهرون. القدِّيسون يعيشونَ فوق بركان، بركان تجربةِ الشيطان لأَنَّهم قدِّيسون. ولذلك فَهُمْ ليسوا سالمين من ملاحقتِهِ لهُم إِلَّا بجهادٍ روحِيٍّ متين ضدَّ تجارِبِهِ.

الكبرياء مرضٌ عُضال، سرطانٌ كبير يبدأُ في الطفولة ويبقى يُلازمنا ما دُمنا على قيدِ الحياة وعلينا مكافِحَتِهِ باستمرار. والمصيبةُ في العُجبِ بالذَّات كما يقول الذهبي الفم أَنَّهُ خطيئةُ الرُّوح، خطيئةُ النفس. لا نُحِسُّ بالعُجبِ بالذَّات كما نُحِسُّ بالخطايا الجسديَّة. نُحِسُّ بالخطايا التي تتَّصِل بالجسَد وننتبِه لها لأَنَّ لها حكَّةٌ خاصَّة. إِن جُرِّبنا بالنطقِ الفاسد شَعرنا بأَنَّ لسانَنا تحرَّك بصورةٍ خبيثة، أَمَّا الكبرياء والعُجب بالذَّات فهُما من أَمراضِ النفس التي لا تُعلِن عن ذاتِها بتحكُّم، يحتاجان الى بصيرةٍ روحيَّة لِكَي ننتبهَ إِليهما.

أَفكارُ الكِبرياء لا تُعَدُّ ولا تُحصى. في كلِّ شارِدةٍ ووارِدةٍ يندَسُّ علينا روحُ الكبرياء والعُجبُ بالذَّات لينفخَ بنا. لا خلاصَ منهُ إِلَّا في لحظةِ الموت. أَفكارُ الكبرياء شوكةٌ، شيطانُها شيطانٌ خبيثٌ يعرف أَنَّ هذه الخطيئة تُدَنِّسُنا ودَنَس النفس خطير. دَنَسُ الجسَد نشعُرُ بهِ كما يقول الذهبي الفم، أَمَّا هذا دَنَس النَفس فلا نشعُرُ بهِ إِلَّا بالبصيرة الروحيَّة. البصيرة الروحيَّة تجعَلُنا نحفر في ذاتنا حِفراً عميقاً لاصطياد أَفكار الكبرياء.

إِتِّضاعُ الإِنسان مرتبطٌ بتواضعِ يسوع. في الفصل الثاني من رسالةِ فيليبي الآية 5 قال بولس: ” لِيَكُن فيكُم الفِكرُ الَّذي في المسيحِ يسوع ايضاً “. وما هو فِكرُ المسيح؟ طأطأَ المسيح السموات ونزلَ الى الأَرض، ولَبِسَ جسداً، وأَخفى عن عيونِنا نورَهُ الإِلهي ومجدَهُ الإِلهي في هذا الجسد لنستطيع أَن نُبصِرَهُ. ارتفعَ على الصليب وماتَ موتَ المجرمين من أَجلنا لِكَي يغسُلَنا بِدَمِهِ الطاهر. ما المطلوب منِّا إِذاً؟ المطلوب مِنِّا أَن ننسحق كما انسحقَ هوَ، أَن نُخليَ ذاتنا كما أَخلى هوَ ذاتَهُ وكيفَ نُخلي ذاتَنا؟ نَخلعُ ذاتَنا لِنلبَس المسيح، نخلعُ الإِنسان القديم ونلبسُ الإِنسانَ الجديد يسوعَ المسيح.

الأَفكار المتَّضِعَة هي الأَفكارُ المصلوبة مع المسيح. هل يُمكن أَن تتضِّع أَفكارُنا إِن لم َنصقِلها، إِن لم نغسِلها بدمِ يسوعَ المسيح؟ لا. إِن كانت أَفكارُ التواضع تحتاجُ الى الصَومِ والإِغتسال بدَمِ المسيح، فَكَم هي قاسِيةٌ. تحتاجُ إِذاً الى الصليب، الى مساميرِ يسوع، الى إِكليلِ الشَوك، الى إِعدامِ يسوع. الأَفكارُ المتكبِّرَة لا تذوبُ إِلَّا بنارِ الرُّوح القُدُس، لا تذوبُ إِلَّا بإِكليلِ الشَوك، بالمسامير، بدَمِ المسيح.

الحربُ ضدَّ أَفكارِ الكِبرياء حربٌ قاسيةٌ، لماذا؟ لأَنَّ الإِتِّصال بيسوعَ المسيح عمليَّةٌ شاقَّةٌ تحتاجُ الى جِهادٍ روحيٍّ مرير. نضَعُ ذاتَنا بين يدَي ربِّنا يسوعَ المسيح بالصلاة المتواصِلَة وبالعمَل الروحي. هذه العمليَّة تحتاجُ الى نُسكٍ والى قهرٍ كبيرٍ للذَّاتِ .

هل تنازلَ يسوع لِكَي نَصير أُمَّهُ وأَخاهُ وأُختَهُ؟ نعم هو قالَ ذلك. ولكن إِن تواضَعنا لنصيرَ أُمَّهُ وأَخاهُ وأُختَهُ، فهل نحن قادرِرون على قهرِ ذواتِنا؟ هل نحنُ قادرون على الجهادِ الرُّوحيّ ضدَّ ذَواتِنا؟ خلاصُنا بيَدِنا. هل نشاءُ الخلاص؟ نعم نشاءُ الخلاص ولكن بالَّلفظِ لا بالفِعل، بالكلامِ لا بالأَفعال. لماذا نحنُ هكذا؟ لأَنَّ في داخلِنا شيئٌ آخر يُحاربُنا. نحنُ منقسمونَ داخليًّا بينَ قُوَّتَين تتصارعُ والقوَّةُ التي تَشُدُّنا الى الأَرض هي أَقوى من القوَّة التي تَشُدُّنا الى العَلاء لأَنِّنا منذ ولادتِنا نحنُ مرتبطون بِفَمِنا، بِطعامِنا، بِشرابِنا، وبِجسدِنا الَّذي يشُدُّنا الى الأَرض ويربُطُنا بالأَرض. مَن يستطيع أَن يُنقِذَنا من جسدِ الموت كما قال بولس. الَّذي خَلَقَنا وحدَهُ هو قادرٌ على إِنقاذِنا ونحنُ بأَفكارِنا المتكبِّرة نرفُضُ يسوعَ المسيح الَّذي طالَبَنا بالتواضُع والَّذي وضَعَ نفسَهُ وماتَ على الصليب. أَنتَ إِذاً يا ابنَ آدم بينَ أَمرَين: إِمَّا أَن تتواضع فيحُلَّ فيكَ المسيح، وإِمَّا أَن تتكبَّر فيتخلَّى عنكَ المسيح.

القلبُ لا يسَع يسوعَ والشيطان. علينا أَن نطرُدَ الشيطان ليَدخُلَ يسوعُ إِلينا. كما نرى في مَثَلِ ابن الشاطر يسوع يطلبُ منَّا أَن نعودَ والباقي عليهِ هوَ. هوَ الَّذي يُكَمِّلُنا، هو الَّذي يُجَمِّلُنا، هوَ الَّذي يخلُقُ منَّا إِنساناً جميلاً. التواضع صِفَةٌ لربِّنا يسوع، هو الَّذي قال: تعلَّموا منِّي فإِنِّي وديعٌ ومتواضعُ القلب. الوداعة والتواضع صِفَتانِ من صفاتِ يسوعَ المسيح وأُمِّهُ. وأَنتَ يا ابنَ آدم بالوداعة والتواضع تدخل الى السرِّ الأَعظم، سرِّ يسوع وأُمِّهِ. التواضعُ يُشارِك في أَعظمُ سرٍّ في الكنيسة أَلا وهوَ صيرورةُ الإِلهِ إِنساناً. إِفهَمْ يا ابنَ آدم: بالتواضعِ تشتركُ في هذا السرِّ الإِلهي.

فإِذاً التواضع هو التنازل من جهة، وهو الإِنصلاب من جهةٍ ثانية. هذا صحيح. الكبرياء بحاجةٍ لا الى أَربعة مسامير بل الى أَربَعينَ مسمارٍ مثل مساميرَ ربِّنا يسوع. ومَن يضَعُ لنا هذه المسامير؟ مَن يُرَصِّعُنا  بهذه المسامير لتُصبِحَ قطعةً من الأَلماس؟ الرُّوح الُقُدس هو الَّذي يُرَصِّعُنا بمساميرَ يسوع فتختفي الكبرياء ونُصبح مثلَ مريم العذراء من عجائبِ الله العُظمى. هي قالت: صَنَع بيَ العظائمَ. ونحن ايضاً مدعوُّون لنصبِحَ رِجالاً عِظائم.

الَّذي صنَعَ مريم العذراء أُمَّهُ هو نفسُهُ يصنعُ من كلِّ مؤمنٍ أُمَّهُ، ولكن هل نعيش العذراء؟ هل نعيشُ تنازلَ الله؟ هل نعيشُ الصليب؟ خلاصُكَ بيَدِكَ يا ابن آدم. هل تريد الخلاص؟ لا. لماذا؟ لأَنَّ همومُ الأَرض من همومِ الطعام والِّلباس والشراب والمجد الباطل … تَسحُرُكَ أَكثر من صليبِ يسوع المسيح. وهذا مصدرُ دينونةٍ للمسيح، دينونةٍ قاسيَةٍ جدًّا تجعَلُ الإِنسان في جهنَّم، تجعَلُهُ مع الشياطين في العذابِ الأَبدي. بعد المعموديَّة، والميرون، والقربان المقدَّس ،كيفَ نعودُ الى الوراء؟ كيفَ نُهمِلُ خلاصاً مثل هذا كما تقول الرسالة الى العبرانيِّين؟ خلاصٌ بشَّرَنا بهِ ابنُ الله ونقَلَهُ إِلينا التلاميذ والآباء. كيف نُهمِلُ خلاصاً مثل هذا نطَقَ بهِ الأَنبياء ثمَّ الربُّ يسوع نفسُهُ. بعدما جاء يسوعَ المسيح ابن الله الأَرضَ، هل نسمحُ لأَنفسِنا بأَن نعيشَ عيشاً بهيميًّا؟ البهائم لا تنزِل الى مستوى الإِنسان ولكن الإِنسان ينحدرُ الى مستوياتٍ هي أَدنى من مستوياتِ البهائم. هل تشرب البهائم الكحول؟ يشرب الإِنسان قناني من الكحول. عندما أُلِحُّ مراراً وتكراراً بأَنَّ الإِنسان الساقط ينزلُ الى مستوى هو دونَ الحيوانات والبهائم لا أُغالي، حينما أَقولُ أَنا في قعرِ الجحيم لا أُبالِغُ أَبداً لأَنَّ هذه هي الحقيقة، البهائم أَشرَفُ من البشر. النمر أَو الذئب في البريَّة يأكل خروفاً، أَمَّا القنابل الذَريَّة فهي تستطيع أَن تُهلِك الجنس البشري بِرُمَّتِهِ أَي سبعة مليارات نسمة. مَن اخترعَها؟ الإِنسان. ومن استعمَلَها وقد يستعمِلُها؟ الإِنسان. العارُ كلَّ العار أَن ينتفخَ الإِنسان ما دامَ في هذه السويَّة من الإِنحطاط الأَخلاقي. نحتقرُ الحيوانات ونحنُ أَدنى من الحيوانات بمليارات المرَّات. أَنا أَعطَيتُ الكحول مَثَلاً على إِنحطاط مستوى الإِنسان الى ما دون الحيوانات، ولكن هناكَ تصرُّفاتٍ عديدةٍ للبَشر هي أَدنى من الحيوانات بما لا يُقاس. في كلِّ شيءٍ الإِنسان المنحَطُّ ينحطُّ الى درجةٍ هي أَدنى من درجات الحيوانات. القدِّيس غريغوريوس الَّلاهوتي وسِواه قارنوا الأَشرار بِطِباعِ بعض الحيوانات، ولكنَّ الإِنسان يُبالغ في هذه العيوب أَكثر من  الحيوانات بملياراتِ المرَّات. فالحيَّةُ قد تلدغُ مرَّةً في عمرِها كلِّهِ، والإِنسانُ الواحد يلدَغُ بلسانِهِ البشرَ كلَّ يومٍ ملياراتِ الُّلغات. هذه الحالة من السقوط تستدعي التواضع. فليتواضَع الإِنسان. هو عاجِزٌ عن رؤيَةِ نفسِهِ لأَنَّهُ متكبِّرٌ لا يريدُ أَن يرى نفسَهُ إِلَّا فوقَ السَحاب. ينتفخ وينتفخ وينتفخ ولا يشبع من الإِنتفاخ، ولماذا؟ ليملأَ فراغَهُ الداخلي، لأَنَّهُ فارغٌ من الله. الممتلئ من الله لا ينتفِخ بل الفارغ من الله هو الَّذي ينتفخ. كلُّ الَّذين ينتفخونَ هم فارِغونَ إِلهيًّا. فليتعلِّم الناس إِذاً: الفارغ من الله يملأُ نفسَهُ بأَوهام، الممتلئ من الله يزدادُ تواضُعاً، وكلَّما امتلأَ من الله كلَّما ازداد تواضعاً.

المتواضعونَ أَمام عرشِ الله في اليوم الأخير يُنكِرونَ أَنفسَهُم ويُنكِرونَ فضائلَهُم. أَمَّا نحنُ فحديثُنا أَمام بعضِنا البعض هو الإِنتفاخات، والشيطانُ يلاحِقُنا لننتفخَ في كلِّ شيءٍ. الَّذينَ هُم مبتدئونَ في الفضائل ينتفخون لأَنَّ الشيطان يلاحقُهُم وليس فقط هؤلاء هم المنتفخون، الَّذين يرتكبون الرذائل ايضاً ينتفخونَ بالرذائل. الِّلص ينتفخُ لأَنَّهُ استطاعَ أَن يسرِقَ، العِربيد ينتفخ لأَنَّهُ استطاع أَن يعتدي على أَعراضِ الناس، والمهرِّبون ينتفخونَ بأَنَّهم استطاعوا أَن يُفلِتوا من يدِ العدالة والرَقابة، وهكذا دواليك.

أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

الإِنتفاخ موجودٌ على الجانبَين والناسُ بين نارَين: إِمَّا نار الثالوث القدُّوس وإِمَّا نار جهنَّم.  وأَسألُ الله أَن يكونَ الناسُ جميعاً في نارِ الثالوث القُدُّوس وأَن يُنقِذ الناس جميعاً من نارِ جهنَّم. ولكن هل الناس منتبهونَ الى خطرِ جهنَّم ليهرُبوا منها الى نارِ الثالوث القُدُّوس؟ أَعطى اللهُ الناسَ وَعياً كاملاً ليُدرِكوا هذه الحقيقة ويَهربوا من نارِ جهنَّم. أَيُّها الرُّوح القدُّوس احْمِ الناس أَجمعين واحفَظهُم من كلَّ سوءٍ بشفاعة والدة الله مريم وجميع القدِّيسين آمين.

أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

والصَبر. الصبرُ مهمٌّ جدًّا. الربُّ يسوع نفسُهُ قال: بِصبرِكُم تقتَنونَ أَنفُسَكُم ومَن يَصبُر الى النهاية يَخلُص. وبولس الرسول في الرسالة الى العبرانيِّين قال قَولاً رائعاً: الإِنسانُ مطالَبٌ بأَن يعمَلَ مشيئةِ الله لينالَ الموعد. ولكن العمل بمشيئةِ الله لنَيلِ الموعد يحتاجُ الى الجِهاد المضني، والجِهاد المضني يحتاجُ الى الصَبر. فإِذاً جهادُنا الرُّوحي مع الله ينالُ الخلاص والحياة الأَبديَّة وكلُّ ذلكَ يحتاجُ الى الصَبر.

أَوائلِ سِفر أَيُّوب روعةٌ من الرَوعات. يعرُضُ علينا ما نسمِّيه اليوم “عَدَم الهوى”. صبَر أَيُّوب على آلامٍ كثيرة دفعةً تِلوى دفعة. خسِرَ الأَموال الماديَّة، خسرَ أَولادهُ، وعندِ كلِّ نبأ كان يشكرُ الله. أَغاظَ ذلك زوجتَهُ فطلَبت منهُ أَن ينطقَ كلاماً لا يليقُ، فأَجابها جواباً مُحكَماً. كيف استطاعَ هذا الرجل أَن يصبِرَ على كلِّ هذه المصائب بشكرِهِ لله؟ كيف وصَلَ الى عَدَمِ الهوَى؟ كيفَ تحمَّل هذا الإِنسان خسارة أَموالٍ طائلة وخسارة أَولادِه بِدونِ هَوَى، بدونِ انفعال، بدونِ تذمُّر بدونِ غضب، بدونِ بكاء، بدون تذمُّر. عَدَمِ الهوى هذا هو مُذهل! سيطرَ أَيُّوب سَيطرةً تامّةً على أَهوائهِ فوصلَ الى حالةٍ ممتازة في عدَمِ الهَوى. كيفَ استطاعَ  هذا الفقير الكبير أَن يُسَيطر على أَهوائهِ؟ ما سرُّ هذا الإِنسان القويُّ الشكيمة الَّذي لا تُزَلزِلُهُ الأَحداث؟ الَّذي يصمُد أَمامَ الصعوبات كالأَهرام، هل هو موجودٌ اليوم؟ كلا. هذا إِنسانٌ فريدٌ في نوعِهِ.

السيطرةُ على الأَهواء كنزٌ كبيرٌ لأَنَّ الإِنسانَ هو عبدُ أَهوائه. والحياةُ الروحيَّة تتطلَّبُ الصبرَ لأَنَّ الجهاد الروحي قد يستمرُّ عشَرات السنين. المفتقِر الى الصبرِ يسقُط ويترُك الجِهاد الروحي، أَمَّا صاحب الصبر فيستمرُّ، لا ييأس لا يتراجع ولا يهرُب. الصبرُ هو مفتاح الفرَج ولا يعني أَبداً الكسَل والإِهمال وترك الزمان يحلُّ المشاكل. طبعاً للزمان دورُهُ في حلِّ المشاكل ولكن الصبرُ شيء آخر، هو حالةٌ روحيَّة نفسيَّة خاصَّة يقِفُ المرءُ بموجبِها أَمامَ كلِّ شيءٍ بِدون اضطراب. يسوع قالَ لتلاميذِهِ: لا تضطرب قلوبَكُم ولا تجزع. وقال لمرتا: أَنتِ مضطربة ومهتمَّة بأُمورٍ كثيرة وما الحاجةُ إِلَّا واحد.

الصبرُ هو شيءٌ إِيجابيٌّ وفي بعض الأَحيان يكونُ حالة تحمُّل. يُصاب الإِنسان بالشدائدِ والضيقات فيتحمَّلُها بصبرٍ. عندَ الإِنسان الرُّوحي الصبرُ هو الإستمرار في العمل الصالح بِدونِ مَلَلٍ ولا كَلَلٍ ولا تَكاسُلٍ ولا اضطرابٍ ولا ضجَرٍ. بولس علَّمَنا في غلاطيَة أَن يحمِلَ بعضُنا أَثقالَ بعضاً وهكذا تتمُّ شريعةُ المسيح وشريعة المسيح هي أَن نتحمَّل بعضُنا بعضاً. كلُّ شيءٍ صالحٍ يتطلَّب طول الأَناة، النَفَس الطويل، والصبر الجميل. الملحاح هو إِنسانٌ بِلا صبر يفشل في حياتِهِ. العمَلُ المتقَن يحتاجُ الى الصبر، والعمل المستعجِل لا ينجح.

بولس الرسول استعملَ مِراراً في رسالتِهِ كلمة “طول الأَناة” ولكن في الَّلفظة اليونانيَّة ذات معنى أَوسَع. طول الأَناة تتطلب أَن يقصيَ الإِنسان بعيداً الغضب والضجر وأَن يكون نفَسَهُ طويلاً.

في رسالتِه الثانية ال أَهل كورنثوس يطرح بولس الرسول أَمراً مهمًّا أَلا وهوَ اتِّساعُ الصَدر. سِعَةُ الصَدر، سعَةُ القلب أَي أَن يكونَ الإِنسان قادرٌ على التحمُّلِ طويلاً فتكونُ تصرُّفاتُهُ كُلُّها ذاتَ نفَسٍ طويل. كلُّ شيءٍ يكونُ بالتأَنِّي في النَفَس الطويل، في طولِ البال، في طول الرُّوح، في الصبر الجميل، وفي الأَخذِ والعطاء الَّليِّن والَّلطيف. الملحاحُ مُزعِجٌ يُزعِجُ الآخرين لأَنَّهُ مزعوجٌ داخليًّا ولأَنَّهُ نافِذُ الصَبر، أَمَّا طويلُ البال فهو يتأَنَّى كثيراً.

كلُّ الأَعمال الجيِّدة تحتاجُ الى صبرٍ جميلٍ. من أَينَ تأتي مزايا الإِنسان؟ من التربية. فتربيةُ الأَطفال تتطلَّبُ التأنِّي والصبر وتتطلَّبُ النَفَسُ الطويل لتعليم الطفل على ضبطِ نفسِهِ، على ضبطِ أَهوائهِ، على ضبطِ أَنواعٍ عديدة من الهوَسِ لَدَيهِ، ولضبطِ تصرُّفاتِهِ الرَعناء الخاليَة من الفِكرِ والوَعي لأَنَّه إِنسانُ أَهواء لا إِنسانُ منطِق وعقل.

أَهواؤُه تُؤذيه، ولِكَي يتعوَّد أَن يتصرَّفَ بمنطق وأُصول ويتعلَّم كيفَ يُسيطر على أَهوائهِ وشَهواتِهِ ورغباتِهِ، كلُّ ذلك يتطلَّب الصبر وطول الأَناة من قِبَلِ الأَهل. الأَفضل أَن نُعَلِّمَ الطفلَ التَعَوُّد على الصبرِ وطولِ الأَناة والتخلُّص من الملحاحيَّة والَّلجاجة في طلَباتِهِ. نُعَلِّمُهُ أَن يُسَيطرَ على نفسِهِ، نُعَلِّمُهُ أَن يكونَ سيِّدَ نفسِهِ وأَن يسيرَ وراءَ المنطِق لا وراءَ الأَهواء والشَهوات والرَغَبات، نعلِّمُهُ أَن يكونَ رجلَ انضباطٍ ومنطِقٍ لا رجلَ أَهواء ومفاسد. القَسوة لا تنتجُ شخصيَّة مَوزونة، القمع لا ينتج شخصيَّة متوازنةً. الأَفضل إِذاً هو الصبر وطول الأَناة ليتعلَّم الطفل شيئاً فشيئاً السيطرة على نفسِهِ بإِحكامٍ لِكَي يستطيع أَن يُحَوِّل أَهواءَهُ باكراً في اتِّجاهاتٍ سليمة. إِن ترَكتنا الطفل حسب أَهوائه تصرَّفَ بِرُعوناتٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصى. وما هي التربية؟ متى قُلنا التربية، قُلنا التأنيب والضبط والإِنضباط وحُسن التصرُّف والأَدب والتهذيب والطِباع الجيِّدة.

قد يكونُ الولد حسَّاساً ولكن على التربيَة أَن تُعَلِّمُهُ السيطرة على هذه الحساسيَّة. التدليل الفاسد يدفعُ الطفل الى مطالبَ غيرُ معقولة. سمعت امرأة مرَّة تروي متاعبها مع ابنها وذكرت انه طلب المشمش في نصف الليل في زمانٍ يستحيل وجود المشمش فَقَلبت الدنيا حتى وجدَت له المشمش بثمنٍ غالٍ. هذا التدليل السخيف مضِرٌّ جدًّا. يُسرِعُ الناس الى تلبية طلباتِ الطفل المزعجة، المستحيلة وقد يلجؤونَ أَحياناً الى الكَذِب لأَنَّ الطلَب غير معقول وهو مستحيل، والطفل مَحشو بالرغبات المنطقيَّة والغير المنطقيَّة. نكبَرُ ونحمِلُ معَنا كلَّ هذه العيوب. ولذلك يجب أَن نتعلَّمَ الصبر ونحن أَطفالاً.

الصَبور لا يستعجل بل يُطَبِّقُ الحِكمة القائلة: “العجَلَة من الشيطان”. والصبرُ فضيلةٌ داخليَّة شخصيَّة. يحتاجُ كلُّ إِنسانٍ إِليها وهي موجودة عند الناس إِجمالاً ولكن تكون النِسبة مختلفة، فلكلٍّ طريقتُهُ في الصبر. هناك أَصحابُ الصبر الجميل، وهناكَ أَصحاب الصبر الفارغ. علينا أَن نُربِّي أَطفالنا باكراً على الصبر وننتبه الى أَن لا يكونوا مِلحاحين بل نُعَلِّمُهُم أَن يكونوا لبِقين، نبيهين، واعين في كلِّ شيءٍ وفي كلِّ مكان.

الصبرُ يفتحُ أَمامَنا آفاقاً واسعة، والشيءُ الجيِّدُ لا يتحقَّق بالعجَلَة بل بالصبرِ الجميل. الصبرُ الجميل هو الَّذي يوصِلُنا الى غاياتِنا والصبرُ يُعَلِّمُنا مخافة الله.لا تُحَلُّ الصعوبات بالعَجَلة ولا نُحَقِّق أَعمالَنا بالعجَلة، بل بالصبرِ الجميل.

هناكَ مَثَلٌ يقول: أَنا والزمان على عدوِّي. بالجُهدُ المتواصل والصبرُ الطويل يغلبُ الإِنسان عدوَّهُ أَي الشيطان. ومثَل آخر يقول: في التأَنِّي السلامة وفي العَجَلة الندامة. في الشرق المتوسِّط، الصَبورون معدودون، حسَّاسونَ جدًّا ينفعلونَ سريعاً وقُدرَتُهُم على الصبرِ ضعيفة.

عندما كُنَّا أَطفالاً ، كُنَّا لجوجين ومِلحاحين وبلا صبر، كَبِرنا وما زلنا مِلحاحين، حسَّاسين، لَجوجين. طلباتُنا لا تنتهي أَبداً، نسرع في الأُمور ونفشل. لا سلطةَ لنا على أَهوائنا وأَعمالِنا. أُعصابُنا تتوتَّر بسرعة وليس لنا قدرةٌ كافيَة على التأَنِّي.

الإِنسان الحضاري الناضج يتعلَّم حضاريًّا من أَهلِهِ ومجتمَعِهِ أَن يُأَخِّر الردَّ على الإِثارة، أَي أَن يُوَسِّعَ قوسَ التَوَتُّر العصبي، فلا يكونُ الردُّ فوريًّا. الردُّ الفوري يُخطئ، بينما التأَنِّي يأتي بالردِّ الصحيح. الجواب السريع لا يكون ناجحاً كل الأَحيان. علينا التأَنِّي وتأخير الردَّ والجواب حتى ننضج في التأَمَّلِ والتفكير. الكتاب المؤلَّف بسرعة لا يخلو من الأَخطاء غالباً، أَمَّا الكتاب المؤَلَّف بالتأَنِّي يخلو من الأَخطاء إِلَّا نادراً، فالأُمور تحتاجُ الى المراجعة.

الغَضوب هو خالٍ من الصبر، لا يُسَيطر على أَعصابِهِ النفسيَّة والجسديَّة ويرُدُّ فوراً. والقَلِق هو ايضاً بِلا صبر. يقولُ المثَل: فُلانٌ عائش على أَعصابِه. أَي أَنَّهُ فاقِدُ الصبر، مِلحاح، متَسَرِّع، غَضوب، هائج. أَعصابُ الصَبور أَعصابٌ فولاذيَّة. يؤَخِّر الردَّ فيُسَيطر على أَعصابِه ولا يردُّ فوراً. الردُّ الفَوري مَعيبٌ.

الإِنسانُ المسَيطر على أَعصابِه لا ينفعل بسرعة لِكَي لا يَرُدُّ بحماقةٍ أَو يرتكب حماقة فيتحمَّل عواقِبَها. الإِنسان الحضاري يضبط أَعصابه لأَنَّهُ متَّزِن ويضحك فيزول الغضب ويحلُّ السلام الداخليّ. والسلامُ الداخليّ لا نكتسبُهُ بسهولة، يحتاجُ الى الصبرِ وطولِ الأَناة. اللهُ هو طويلُ الأَناة على البشر، والبشر عليهِم أَن يكونوا طويلي الأَناة على بعضِهم البعض.

رِجالُ العِلم المخترِعون هم نموذَجٌ جيِّدٌ عن الصبرِ الجميل. لماذا الروحانيُّون لا يُقَلِّدون رجال الإِختراعات؟  رجل العِلم ينفق حياته في معاهد الإِختراع بينما يُنفِق الروحانيُّون أَنفسَهُم في الصبرِ الجميل على الأَعمال الصالحة. قد نكونُ روحانيِّين أَصحاب ضميرٍ حيٍّ جدًّا، فَنَقسو كثيراً على أَنفُسِنا فنُصبِح بِلا صبر. فلذلك لا يُكتَسَبُ الصبر بسهولة. حتَّى الروحاني الناجح قد يصيرُ تافهاً جدًّا إِذا صارَ بِلا صَبرٍ على نفسِهِ وعلى غيرِهِ. التذرُّع بالصبرِ يحتاجُ الى فنٍّ، والى مدرِّبٍ، والى منبِّهٍ، وخيرُ مدرِّبٍ في الأَساس هو الأَهل وخاصَّةً الأُم.

في الإِنجيل يطلبُ يسوع مِنَّا أَن لا نُقاوِم الشر ويقول: مَن ضربَكَ على خدِّكَ الأَيمَن دُرْ لهُ الأَيسَر. ويقول ايضاً:  أَحِبُّوا أَعداءَكم وصَلُّوا من أَجلِهم.

كيفَ يستطيع الإِنسان أَن يصبِرَ على الأَذى والشرِّ والعَداوات والخصومات فيُقابِلُها بالفضائل! أَحَدُ النُسَّاك الكِبار قالَ لتلميذِهِ: إِشتِم الحائط. فراحَ يشتُم الحائط وعادَ الى شيخِه. فقالَ لهُ الشيخ: هل ردَّ عليكَ الحائط؟ أَجابَهُ: لا. فقالَ لهُ الشيخ :كُن أَنتَ كذلك.

أَن يتحوَّل المرء الى حائطٍ أَمام الشتائم والتهجُّمات والحملات العِدائيَّة، هذا الأَمرُ يحتاجُ الى صبرٍ إِلهيٍّ. الإِنسانُ عاجزٌ عن ذلكَ بِدونِ المعونة الإِلهيَّة. الشدائد والضيقات التي تفاجئ الإِنسان تحتاجُ الى الصبرِ الجميل. تظهرُ أَمراضٌ كثيرةٌ اليوم، فكيفَ يستطيعُ الإِنسان التحمُّل بدونِ التذمُّر، بدونِ الكُفر، بدونِ الغَضب، بدونِ الرُدود الشرِّيرة؟ الأَمرُ يحتاجُ الى الصبرِ الجميل. القدِّيسونَ يصبِرون وكثيرون من المرضى يصبِرون، أَعرفُ أَناساً أُصيبوا بالأَمراض المستعصيَة فصَبَروا صَبراً جميلاً وتحمَّلوا الشِدَّة بإِيمانٍ وصبرٍ ورَجاءٍ عريق.

ولكن المتذمِّرونَ كثيرون، والَّذينَ يردُّونَ على الصَّاعِ صاعَين كثيرون، والَّذينَ يُطبِّقون على شريعة موسى “العَين بالعَين والسنِّ بالسن” كثيرون، ولكن هناك ايضاً قدِّيسون.

الصبرُ ملازِمٌ للحياةِ الروحيَّة. النُسَّاك في الصحراء المصريَّة عاشوا عشرات السنين في الحرِّ الشَديد بِصَبرٍ جميل، والعاموديُّون عاشوا عشرات السنين على الأَعمدة بصبرٍ جميل، والحُبَساء عاشوا عشرات السنين وهُم في برجٍ. هؤلاء هم نماذج للصبرِ الجميل والصبرُ في المسيحيَّة مهمٌّ جدًّا. صَبَرَ يسوع على آلام الصليب المبرّحَة وعلَّمَنا أَن نحملَ صليبَهُ ونسيرَ وراءَهُ ونقتديَ بهِ ونتحمَّل كلَّ شيءٍ من أَجلِهِ. نَصبِر على كلِّ شيءٍ حتى تفيضَ أَرواحُنا إِليهِ.

كلُّ الضيقات التي تُصيبُنا في هذه الدنيا، هل تُعادِل نقطةً من المجد الَّذي أَعَدَّهُ لنا يسوع؟ من أَجل ذلك المجد ومن أَجلِ محبَّتنا ليسوع، فلنَصبُر على كلِّ شيءٍ ولنحتمِل كلَّ شيءٍ، ولنكُن نماذجَ منسوخة عن ربِّنا يسوعَ المسيح. طبعاً بِقُدرَتِنا الذاتيَّة نحنُ لحمٌ، ولكن بالرُّوحِ القُدُس نحنُ حديدٌ وفولاذٌ وحَجَر صوَّان لا ينكسِرُ بسهولة. الشُهَداء ذاقوا الآلام المرَّة وهُم في فرَحٍ سماويٍّ، فلنُراجع حياة القدِّيس جاورجيوس ولنتعلَّم منهُ أَنَّ الرُّوحَ القُدُس هو الَّذي يحيا فينا وهو الَّذي يتحمَّل كلَّ شيءٍ فينا. فإِذاً المسأَلة هي مسأَلةُ التِجاء الى ربِّنا يسوع المسيح. إِن أَعطَينا أَنفُسَنا ليسوعَ المسيح، تكفَّلَ يسوع المسيح بكلِّ شيء وهو نفسُهُ علَّمَنا أَنَّ الرُّوحَ القُدُس يدعَمُنا أَثناءَ الشدائد والضيقات، فوَعدُهُ حقٌّ. ولكن هل نحنُ أَهل الوَعد؟ ليَفحَص كلُّ واحدٍ ضميرَهُ فَحصاً دقيقاً أمام الله.

نتذمَّرُ كثيراً ونضجرُ كثيراً ونمَلُّ كثيراً ونتملمَلُ كثيراً. أَجسادُنا رقيقة حسَّاسة، نفوسُنا أَرَقُّ من ورق السيجارة، تربيَتُنا فاسِدة. علينا أَن نُغَيِّر كلَّ شيء. نُرَبِّي الأَطفال لِكَي يكونوا فُرسانٌ وأَبطالٌ ونُعَوِّدُهم ونُعوِّد أَنفُسَنا على البطولة الروحيَّة. تدليلُ الجسد هو تخريبٌ للرُّوح. نحنُ في الخيار بين متانةِ الرُّوح وتخريبِها. إِن امتَنَعنا عن تدليلِ الجسد جَعَلْنا الرُّوحَ متينةً، وإِن دَلَّلنا الجسد جعَلنا الرُّوحَ رَخوةً كليلةً متذمِّرةً لا تتحمَّل وخزَ الإِبرَة. الأَفضل دائماً هو نشوءُ الشخصيَّة متينةً، متوازنةً ،رحيمةً، حنوناً ،شَفوقاً، صَبوراً، لطيفةً، بارّةً، نقيَّةً.

أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

التقوى تحتاجُ الى البطولة لا إلى الرخاوة والتَقِيُّ بطلٌ يكافِحُ الشياطين، ومكافحة الشياطين تتطلَّبُ البطولات لا تتطلَّبُ الرَخاوة والميوعة والغياب عن الوجود، فالإِنسان التَّقي يَقِظٌ لا مُغَفَّلٌ. رجل الله هو رجلُ الحرب بامتياز لأَنَّهُ يُحارِب أَهوائه وشهواته والعالم والشياطين. هو بطلٌ مغوار ولكن بطل روحيًّا لا جسدِيًّا.


أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

والمحبَّة. المحبّةُ في المسيحيَّة هي الصليب. المطلوب من الإِنسان المسيحي أَن يحبُّ الآخرين ويبذُل نفسُهُ من أَجلِهِم مثل المسيح الَّذي أَحَبَّنا وبَذَلَ نفسَهُ من أَجلِنا. بَذلُ الذَّاتِ في المسيحيَّة على طريقةِ المسيح هو الأَخلاق الفاضلة، وهو المحبَّة الكاملة، وهو الخلاص الكامل من الأَنانيَّة. الأَنانيُّ بخيلٌ بنفسِهِ، بخيلٌ بمالِهِ، بخيلٌ بمقتنياتِه، بخيلٌ بعواطِفِه. كيف نتخلَّص من البُخل؟ ببَذلِ الذَّات من أَجلِ يسوع، من أَجلِ الكنيسة، ومن أَجل الإِخوة. هذه الشريعةُ عسيرةٌ على أَهلِ الجسد ولكنَّها هي شريعةُ أَهلِ الجنَّة. الراغبونَ في الجنَّة يعلَمونَ أَنَّ الموتَ من أَجلِ يسوع هو الحياة الحقيقيَّة. والكنيسةُ هي جسدُ يسوعَ فلا يجوزُ التفريق بينَ يسوع والكنيسة. من يخدُم الكنيسة يخدُم يسوع في المحبَّةُ، في البذل، في السخاء، في العطاء، في التضحية وفي الخروج من الذَّات للإِنسكابِ مَرهَماً على جِراحِ الآخرين.

آباء الكنيسة والشُهداء أُناسٌ خَرَجوا من ذواتِهم حُبًّا بيسوع والكنيسة، هُم مجانين بحبِّ يسوع والكنيسة. نيقولاوس كاباسيلاس قال:  الله مجنونٌ بحبِّ الإِنسان. وهذا صحيح، تجسُّد يسوع المسيح هو جنونٌ إِلهيٌّ. كيف يصيرُ الِإلهُ إِنساناً!

هل نستطيع أَن نتخلَّص من الأَنانيَّة لنُصبِحَ حُبًّا صافياً؟ هذا مستحيل بدونِ الرُّوح القُدُس. المحبَّةُ ثمرَةٌ من ثمار الرُّوح القُدُس. في رسالة بولس الى أَهلِ غلاطيَة الفصل 5 الآية 22: ” اَمَّا ثمرُ الرُّوح فهوَ المحبَّة والفرح والسلام وطول الأَناة واللطف والصلاح والإِيمان”.

في رسالة بولس الأُولى الى أَهلِ كورنتوس الفصل 13: ” إِن كنتُ أَنطِقُ بأَلسِنة الناس والملائكة ولم تكُن فيَّ المحبَّة، فإِنَّما انا نحاسٌ يطِنُّ أَو صَنجٌ يرِنُّ. وإِن كانت لي النبوءة وكنتُ أَعلَمُ جميع الأَسرار والعِلمَ كُلَّهُ وإِن كان لي الإيمانُ كُلُّهُ حتى أَنقُلَ الجبال ولم تكُن فيَّ المحبَّة فلَستُ بشيءٍ. وإِن فرَّقتُ جميعَ أَموالي لإِطعام المساكين وأَسلَمتُ جسدي لأُحرَقَ ولم تكُن فيَّ المحبَّة فلَستُ بشيءٍ. وإِن فرَّقتُ جميعَ أَموالي لإِطعامِ المساكين وأَسلَمتُ جسَدي لأُحرَقَ ولم تكُن فيَّ المحبَّة فلا أَنتَفِعُ شيئاً “.

ما الَّذي يُجدي نفعاً؟ المحبَّة. المحبَّة إِذاً هي أَهمُّ من العِلم، أَهمُّ من الإِيمان، أَهمُّ من النبوءات وأَهمُّ من كلِّ شيءٍ آخر إِذا لم يكُن لدَيهِم محبَّة يسوع. الَّذي يَهُمُّنا في المسيحيَّة هو القلبُ أَكثر من العقل.

عِلمُ الكتاب المقدَّس جيِّدٌ إِن كانَ مصبوغٌ بالمحبَّة وبدمِ ربِّنا يسوعَ المسيح، وكلّ شيءٍ آخر أَضعفُ من الظل، أَضعف من الخَيال، أَضعف من الوَهم. المحبَّة تصعدُ بنا الى السماء، العِلمُ بدونِ المحبَّة ينزِلُ بنا الى الجحيم.

المحبَّةُ هي الأَساس. العشقُ الحقيقيُّ هو عِشقُ يسوع المسيح الَّذي يطرُدُ كلَّ عشقٍ آخر، هو توجُّهُ الفِكر والعقل والقلب والحواس وكلّ كيانِ الإِنسان الى النور، ونورِ يسوعَ المسيح هو أَهَمُّ من نورِ العقل المظلِم. العقلُ بدونِ نور يسوع المسيح هو عقلٌ فارغ يأتي بالترُّهات. يجب تطعيم العقل بالمحبَّة، بمحبَّة يسوع. لستُ ضدَّ العِلم ولكن لستُ مع العِلم المجرَّد. أَنا مع العِلم المعمَّد بنورِ يسوعَ المسيح، مع العِلم المصبوغ بمحبَّةِ ربِّنا يسوعَ المسيح وكلُّ عِلمٍ آخر هو باطلٌ ينتهي بالموت الى صفر لا إلى ملكوتِ السموات. النُقَّاد الأَلمان قَومٌ مُخرِّبون، أَعداءٌ للمسيح. مهما أَتَوا بأَشياءَ جيِّدة نِسبيًّا فهُم أَعداءٌ للمسيح بالدرجة الأُولى. محبَّةُ يسوعَ المسيح لم تُلامِس قلوبَهم.

العقلُ يبحثُ ولا أُنكِر قيمةَ العقل، ولكن كلُّ شيءٍ يُعَمَّد بمحبَّةِ يسوع وبنورِ يسوع. بدونِ نور يسوع كلُّ شيءٍ حجر لا روحاني ونحنُ نهتمُّ بالروحانيَّة. لا يجوز أَبداً أَن نغطِّي وجهَ يسوع المسيح بأَفلاطون وأَرسطو والعلوم الماديَّة والنقد المادِّي. كلُّ ذلكَ تشويهٌ للحقيقة وانتحارٌ روحيٌّ. يسوع المسيح لهُ المجد هو الَّذي أَعطانا الحياة وهو المحيي، وهو الَّذي يصعَدُ بنا الى السماء. فلا الطبُّ يصعدُني الى السماء ولا العِلم يصعدُني الى السماء. كلُّ فلسفلةٍ هي باطلةٌ إِن لم تكن فلسفلة يسوعَ المسيح. تعاليمُ آباء الكنيسة هي وحدُها تعاليمي وهي قُرباني الى الله. آباء الكنيسة يُقَدِّمونني الى الله ذبيحةً، وسواهم يخنُقُني بغازاتٍ سامَّة. كلُّ شيءٍ يجب أَن يتحرَّكَ باتِّجاهِ عِشقِ يسوعَ المسيح، والعِشق جنونٌ والجنونُ هو خروجٌ عن المألوف. فإِذاً َعَلَيَّ أَن نخرُجَ عن المألوف فيضحكُ الناسُ علينا كما ضحكوا على يسوع يومَ أَقامَ ابنة يايروس. لا أُبالي بِهِم، المهِمُّ أَن نُعايِن مجدَ يسوعَ المسيح في قيامَتِهِ من القبر.

كلامُ الناس الغير ممزوج بالنعمةِ الإِلهيَّة مُضِرٌّ ولا يجوز أَن يُؤَثّرَ فينا. يجب أَن نصبرَ على الشتائم والسباب والإِنتقادات إِن كنَّا في رُضوانِ يسوع المسيح. إِرضاء يسوعَ المسيح هو غايةُ الغايات عند المسيحي، فَلِيَقُلْ الناس ما شاؤوا، وليعمَلوا ما شاؤوا، فنحن لا نُبالي بذلكَ إِن كانَ هذا ضدَّ يسوعَ المسيح. ما يَهُمُنا نحنُ المسيحيُّون هو يسوع المسيح. نلتفتُ الى يسوع المسيح لنسمعَ مشيئتَهُ. لا نُبالي إلَّا بيسوع المسيح وباكتسابِ رضوانِ يسوع المسيح دونَ التسبُّب بعثَراتٍ للآخرين. ولكن إن كان لا بدّ من العثَرات من أَجلِ يسوع المسيح فلتَكُنْ. نحنُ نُعلِنُ إِيمانَنا بيسوعَ المسيح ولا ننكُرهُ إسترضاءً للآخرين. فإِسترضاء الآخرين لا يوصِلُنا الى الله دائماً، ونحن مسؤولون عن صنعِ بِرِّنا مع يسوع المسيح، له المجد والاكرام والسجود في حياة كلِّ إِنسانٍ على الأَرض الى أَبد الآبدين ودهر الداهرين.

أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

يا أَيُّها الربُّ يسوعَ المسيح إِلهنا القادر على كلِّ شيءٍ، غيِّر قلوبَ الناس وطعِّم قلوبَهُم بالرُّوح القُدُس فتمتلئ بمحبَّتِكَ من الشوق إِليك ليعبدوكَ مدى حياتهم. أَيُّها الربُّ يسوع المسيح تعالَ فنحنُ بشوقٍ إِليك، لا تبتعد عن عقولنا في الشدائد والضيقات، لا تبتعد عن قلوبنا في المهمَّات. كُنْ معَنا دائماً مع رسُلِكَ القدِّيسين واعطِنا على الدوام أَن نسبِّحَكَ مع الرُّوح القُدُس بقلوبٍ طاهرةً إلى أبد الآبدين.

أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

نعم يا ملِكي وإِلهي. كلمة نعم فيها جوابٌ للإِيجاب وهي تحوي معنى التَمثيل والطاعة. فيها عملُ إِيجاب لمن يسأَلُنا، وفيها معنى الطاعة لمن يأمُرُنا. وفي رسالة بولس الثانية الى أَهلِ كورنثوس الثانية الفصل الأَوَّل الآية 19 – 20  كل يوم في يسوع المسيح هو نعم : ” لأَنَّ ابنَ الله يسوعَ المسيح لم يكُنْ نَعم ولا، بل كان فيهِ نَعم لأَنَّ مواعدَ الله كلَّها إِنَّما هي فيهِ نَعم وفيهِ آمين بواسِطَتِنا لمجدِ الله “.

مَلِكي وإِلهي. يسوع في سفرِ الرُؤيا هو مَلِكُ الملوك وربُّ الأَرباب، وهو الملِكُ العظيم الَّذي يملِكُ نفوسَنا وأَجسادَنا. كلُّ البرايا هي عبيدٌ لهُ ومُلكٌ لهُ. هوَ الَّذي صَنَعَ ولم يَكُن شيءٌ بدونِهِ. بهِ صارَ كلُّ شيء فخَرَجَت من العَدَم الى الوجود. اللهُ هو مَلِكُنا. هَتَفَت الجماهيرُ يومَ أَحَدِ الشعانين: مُبارَكٌ الآتي باسمِ الربِّ مَلِكِ اسرائيل، مباركةٌ مملكةُ إِسرائيل الآتية. ونحنُ نُصَلِّي: ” لِيأتي ملكوتُك”. فاذاً نحنُ مملَكَتُهُ ونحنُ عبيدُهُ، ونحنُ لهُ.

إلهي.كلمة حُلوة جدًّا. اللهُ هو إِلهنا صانعُ السماءِ والأَرض وكلُّ ما فيهِما. صَنَعَ الإِنسان على صورَتِهِ ومِثالِه. أَنتَ إِلهي، أَنتَ معبودي الَّذي أَعبُدُهُ، أَنتَ صانعي الَّذي أَسجُدُ لهُ.



أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

هَبْ لي. الهِبَة هي عطاءٌ مجَّانيٌّ بدونِ مُقابل، بدون سِعر.  والله لهُ المجد يمنَحُنا كلَّ شيءٍ مجَّاناً. هو ماتَ من أَجلِنا بدون مقابل مِنَّا، وكما في رومية: في الوقت الَّذي كُنَّا نحنُ أَعداءَ لهُ.

هَب لي، أَعطِني مجَّاناً من حبِّك وحنانِك وجودِك وسخائك. أَعطِني من مبرِّراتِك، من فَرطِ حنانِك الَّذي لا يُحَدُّ ولا يوصف ولا يُقَدَّر. أَنتَ الَّذي صَنَعتَ الأَشياءَ كلَّها بِقُدرَتِكَ الإِلهيَّة ومن جُملة إِحساناتِكَ وخيريَّاتِكَ، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعُيوبي.

الكبرياء تحولُ دونَ معرفَتِنا لذواتِنا، والإِنسانُ المتعجرِف يتوهَّم بأَنَّهُ شيءٌ عظيم وليسَ هو إِلَّا أَدنى من دودةٍ وذلك من ثِقلِ خطاياه. إن كان الإِنسان صورةُ الله كخَليقة، فإِنَّهُ بسببِ الخطايا هو ابنُ الجحيم.

يعتزُّ الإِنسان بنفسِه، وإِن فَقَدَ احترامَهُ لذاتِهِ أُغمِيَ عليهِ وشعرَ بالإِنهيار والإِغماء والإِنفراط والذَوَبان. كلُّ هذه العوارض هي جسديَّة، أَمَّا روحيًّا فهو لا يُصابُ بالإِغماء حينما يُدرِكُ أَنَّهُ جحيمٌ من الخطايا. كُلَّما تواضَعَ الإِنسان الروحاني، كُلَّما ارتَفَعَ. كلام الرب يسوع واضح: “من وضَعَ نفسَهُ ارتَفَعَ “.

كُلَّما تواضَعنا وشَعَرنا بأَنَّنا جحيمٌ من الخطايا وبأَنَّنا لا نستحقُّ إِلَّا نار جهنَّم وبأَنَّ خطايانا هي أكثر من رِمال البحر ونجومِ السماء، كُلَّما زدْنا تواضُعاً. ما من شيءٍ يُحَطِّمُ كبرياءَنا وعنجهِيَّتَنا وانتفاخَنا واعتزازَنا واعجابَنا بذاتِنا الفارغة إِلَّا الصَدمات القويَّة والإِعترافُ بالذُنوب. عندها نعرفُ بأَنَّنا لا شيء، بأَنَّنا عَدَم، بأَنَّنا جحيم، بأَنَّنا جهنَّم، بأَنَّنا قعرُ هاويَةٍ لا تُسبَرُ أَغوارُها.

ذنوب الإِنسان لا تُعَدُّ ولا تُحصى لأَنَّهُ هو دائماً في حالةٍ خاطئة، فالخطايا ترشَحُ منهُ باستمرار. نقولُ لغويًّا: الإِناء ينضَحُ بما فيهِ. وطبيعتُنا ساقطة تنضَحُ بما فيها. التَنَكَة المثقوبة من كلِّ نواحيها يَرشحُ الزيتُ منها، وحالتنا الخاطئة تجعلُ الخطايا تَرشَحُ منِّا من كلِّ جِهة. نخطاُّ بفِكرنا، بأَعيُنِنا، بآذانِنا، بأَيدينا، بِكلِّ جسمِنا، بِكلِّ عواطفنا، بِكُلِّ رغَباتنا، بِكُلِّ أَهوائنا، بِكُلِّ مُشتَهَياتنا، بِكُلِّ كِياننا روحاً وجسَداً. ترشَحُ منَّا الخطايا عَمداً، قصداً، بدونِ قصد، عن سَهو، في اليَقظة، في الحلُم، نحن وجالسون، نحن وواقفون، نحن وسائرون.

في إِحدى الصَلوات للقدِّيس يوحنا الدِمشقي التي تُتلى قبلَ المناولة  نقول : لقد وَقَفتُ تجاه أَبوابِ هيكلِكَ وعن الأَفكار الرديئة لم أَبتعِد. تُهاجمنا الأَفكار الرديئة أَمامَ أَبوابِ الهيكل ونحنُ لا نبتعِد عنها. لماذا؟ لأَنَّ طبيعتنا ساقطة، وكما قُلنا: الإِناءُ ينضحُ بما فيه. لا ينضحُ الِإناء هنا من رأسِهِ بل من كلِّ جَنَباتِه لأَنَّهُ مثقوبٌ بِرُمَّتِه. ها نحنُ تنكةٌ كُلُّها ثقوبٌ ترشَحُ الخطايا منها من أَعلاها الى أَسفَلِها. كُلُّنا عُيوب، كُلُّنا ذُنوب، كُلُّنا جرائم وخطايا. لا نستطيع أَن نعُدَّها لأَنَّنا لا ننتبِه كما يجب الى حالتنا الخاطئة لِنُحسِنَ مراقبَتِها وكبرياؤنا هو الَّذي يمنعُنا من هذه المراقبة.

ولذلك نحنُ نعيشُ في الوهم لا نعيشُ في الحقيقة. نحن دائماً أُناسٌ متكلِّفون مُصَنَّعون مُزَوَّرون مُزَيَّفون، غير متمكِّنين من كشفِ حقيقتِنا. ما العملُ إِذاً؟ العملُ هو أَن نُمسِكَ بمِصباح الرُّوح القُدُس ونغطُسَ الى أَعماقِ محيطات أَنفُسِنا لنكتشِفَ أَنفسَنا. نفسُ الإِنسان هي بعيدةُ الأَغوار ولا يمكن سَبرُها بدونِ مصباحِ الرُّوح القُدُس.

مصباح الرُّوح القُدُس يُعطى مجَّاناً ولكن هل سأَلنا الله أَن يمنحَنا هذا المِصباح؟ وإِن سأَلناه، فهل نحنُ نُحسِن استعمالَهُ؟ أَما نرتكب كلّ يومٍ إِساءات في الإِستعمال منذُ الإِستيقاظ وحتى الرقاد ليلاً؟ ذنوبُنا لا تُعَدُّ، خطايانا لا تُعَدُّ، جرائمُنا لا تُعَدُّ، أَفكارُنا الطائشة وأَفكارُنا الساقطة لا تُعَدُّ ولا تُحصى. أَهواؤنا تجرُفُنا في كلِّ الإِتجاهات الشرِّيرة، وكُلَّما تَوهَّمنا أَنَّنا شيءٌ، كُلَّما كُنَّا في الحقيقةِ لا شيءٌ. الكبرياء وما نُسمِّيهِ بالعاميَّة “شَوفة الحال” تطفو على السطح فتَعصُب بصيرتُنا لأَن لا نُظهِر ما في جوفِنا. الله نبَّهَنا بأَن لا ننظرَ الى عيوبِ الآخرين ونحنُ كلُّنا عيوبٌ: عيوبٌ في النُطق، عيوبٌ في الِّلباس، عُيوبٌ في الحركات، عُيوبٌ في النَظَر، عُيوبٌ في العادات، عيوبٌ في سوءِ التعامل مع الناس، عُيوبٌ في النظرة الى الآخرين، عيوبٌ في مواجهةِ الآخرين، عُيوبٌ في الفِكر، عُيوبٌ في العواطفِ، عُيوبٌ في كلِّ شيء. كُلُّنا عيوب من رأسِنا حتى أَخمَصِ قَدَمَينا.

العيوب في الإِنسان لا تُحصى. يرى عيوبَ الآخرين ولا يرى عيوبَهُ، وينتقد الآخرين ولا ينتقد نفسَهُ. ولكن الرُّوح القُدُس هو الَّذي يُعينُنا على معرفة ذنوبِنا وعيوبِنا وعلى الإِصلاح والتقويم. قد يقولُ قائل: أَهكذا تنسب كلَّ شيءٍ الى الرُّوح القُدُس، فما قيمةُ الإِنسان إِذاً؟ إِن كان الإِنسان يحتاجُ الى الرُّوح القُدُس في كلِّ شيءٍ، فما هو وزنُه؟ الجواب هو: وزنُهُ، وزنة قشِّة التبن. ولكن بالرُّوح القُدُس، الإِنسان هو أَثقَلُ من السموات والأَرض. السموات الماديَّة طبعاً. بالرُّوح القُدُس يصير الإِنسان عاموداً حيًّا بَشَريًا من نارٍ ونور، يصير أَلمعَ من الشمس في ملكوتِ الآب السماوي. وكيف يصير كذلك؟ الَّذي خَلَقَ السموات والأَرض وكلُّ ما فيها، هوَ القادِرُ على كلِّ شيء، هو الَّذي يُحوِّلُنا من دودةٍ الى أُناسٍ سماويٍّين.

في كتابي “سرُّ التدبير الإلهي” في الصفحتين 64 و 66 نصوصٌ آبائية تقولُ إِنَّ الإِنسان في التجسُّد الإِلهي صارَ أَعلى من الملائكة. تجسُّد يسوع المسيح لهُ المجد رَفَعَنا فوقَ الملائكة.

كيف يُمكِننا أَن نحاربُ الأَفكار الرديئة؟ علَّمَنا العهد الجديد أَنَّ اسم الرب يسوع المسيح يطرُد الشياطين ويصنع المعجزات. يوحنا السلَّمي في كتابِهِ “السُلَّم الى الله” علَّمَنا أَن نجلُدَ الشيطان وأَن نحرقَهُ وأَن نَكويه باسم ربِّنا يسوع المسيح. فإذاً إِسم ربِّنا يسوعَ المسيح لهُ المجد كرباجٌ نجلِدُ به الشيطان والأَفكار الشرِّيرة، ومكواةٌ نَكوي بها الشيطان. فلذلك ذِكرُ يسوعَ المسيح في الصلوات: “ربي وإِلهي يسوع المسيح يا ابن الله إِرحَمني انا الخاطئ” يُمَكِّنُنا من الإِنتصار على الأَفكار الشرِّيرة وإِن كانَ الهجوم كبيراً.

إِسم يسوعَ المسيح في العهد الجديد يحمل قوَّة إِلهيَّة لطَردِ الشياطين ولإِجراءِ المعجزات. ما علينا إِذاً إِلَّا أَن نستعملهُ ضدَّ الشيطان، ضدَّ الأَفكار الشريِّرة، ضدَّ الأَهواء، ضدَّ كلِّ الأَعداء. الشيطان لا يهرُب بسرعة، ولكن اسم الرب يسوع المسيح يجلِدهُ. وإِذ نحنُ مُعَمَّدونَ بالميرون ونتناول جسدَ الرب، فلذلك يسوع هو سلاحُنا وعلينا أَن نستعملَ هذا السلاح ضدَّ كل ما هو عدوٌّ لنا من شياطين وأَهواء.

إِيمانُنا بيسوع المسيح هو غَلَبَتُنا، وبالصليبِ ننتصرُ على الشياطين. ولكن هل نحنُ نتسلَّح بصليب ربِّنا يسوع المسيح؟ هل نتسلَّح باسمِ ربِّنا يسوع المسيح؟ العيبُ هو في إِهمالِنا، في رخاوتِنا، في مُيوعتِنا في بطالتِنا.

نحن نحتاجُ الى العُمق، الى الغوصِ عميقاً لنجذبَ يسوع الى قلوبِنا في حياتُنا الروحيَّة. الصبرُ هو مفتاح الفرَج ويسوع لا يأتي إِلَّا بصبرٍ جميل. هو يُبطِئ لكي نشتاق اليه كثيراً، ويُريدُ منَّا أَن نُحاربَ في الصَواب. فالصلاة حربٌ، والحربُ هي الحرب تتطلَّبُ إِقداماً واندفاعاً ورجولةً وتضحية. يسوع المسيح له المجد يريدُ أَن نُجاهِد جِهاداً مريراً وذلك مدى الحياة، لا مكانَ عندَهُ للبطالة والبطَّالين، للرخوين والمائعين. لا يُريدنا إِلَّا أَن نكون ناراً متَّقِدة.

فإِذاً المشكلة هي في ضُعف الحرارة الإِيمانيَّة. والحرارة لا تأتي رخيصة بل تأتي بالحرب الروحيَّة الجِهاديَّة، فكلَّما تقدَّمنا نحو الله اعتَرَضَنا الشيطان. في التثنيَة والرسالة الى العبرانيِّين جاءَ: إِلهُنا نارٌ آكلةٌ. نارُ يسوعَ المسيح تحرُقُ الشيطان، وتأكُلُ هشيمَ خطايانا، وتحرق أَشواكَ خطايانا. وهذه الحرارة يشعلها الإِيمان بيسوع. ولكن المشكلة الكبرى تكمُن في برودتِنا، فنحنُ صقيعٌ لا نارٌ متَّقِدَة كما هو المطلوب.

الى أَيِّ حدٍّ نحن مُلتصقون بيسوع؟ هذه هي المشكلة الأَساسيَّة في الحياة الروحيَّة. الروحانيُّون الحقيقيُّون هم الملتَصِقون بيسوع المسيح. هُم ويسوع واحد، هُم في يسوع ويسوع فيهِم. يصنعونَ كلَّ شيءٍ ليسوع الساكن فيهم. وهل يسوع بعيدٌ؟ لا، يسوع قريبٌ جدًّا. كما في سفرِ الرُؤيا، هو واقِفٌ على البابِ يقرعَ. يكفي أَن نفتحَ لهُ لِكَي يدخُلَ الى قلوبِنا ويتَّخذُها مسكِناً. العيب كلُّ العَيبِ هوَ فينا، لا العيب في يسوع. يسوع هوَ الكمال المطلق والطهارة المطلَقَة.

ليسَ من بُخلٌ وشِحٍّ وتقطيرٍ مع يسوعَ المسيح، الشُحُّ والبخلُ والتقطير هو معدَنُنا نحن الأَنانيُّون المنكمِشون على أَنفسِنا، المتمركِزون على أَنفسِنا، نحن الشحيحون البخيلون. متى تخلَّصنا من هذا الشحِّ وصِرنا شفَّافين، تغلغلَت فينا أَنوارُ يسوع وجعَلَتنا مَسكِناً لروحِهِ القدُّوس. العيبُ كلَّ العيب هو في معدَنِنا الرديء. الناسُ يلومونَ الله ويَلقونَ المسؤولية على الله. هذا كُفرٌ. في كلِّ الأُمور علينا أَن نضَعَ اللَّومَ على أَنفُسِنا لا على الله. الله لهُ المجد هو فوقَ كلِّ الإِعتبارات، أَمَّا نحن ففي الجحيمِ السُفلى. المجد والكرامة والسجود للآب والرُّوح القُدُس الَّذي ختَمَنا بختمِهِ الإِلهي، وجَعَلَنا لهُ مُلكاً وكَهَنةً للحياة الأَبديَّة آمين.

يُدافعُ الإِنسان عن نفسِهِ فلا يعلَم بذُنوبِهِ وعيوبِهِ ولا يعترفُ بها. الإِعترافُ مهمٌّ جدًّا. والإِعترافُ موجودٌ في الكتاب المقدَّس: جاء في المزمور 37: أَعترِفُ بإِثمي وبخطيئتي. رئيسُ الكَهَنَة كان يعترفُ بخطاياه وخطايا الشعب. يوحنَّا المعمدان كان يُعَرِّف الناس قبل تعميدِهم.

لا يزال الإِعترافُ في الكنيسة شأناً هامًّا ووسيلةً كبيرةً لمعالجة النفوس، ولكن المهم هو في كيفيَّة ممارستِهِ. في كُتُبي “الإِعتراف والتحليل النفسي” و “الإِعتراف الرهباني” و “كيفَ تعترف”، عالجتُ الموضوع بنسبةٍ ما، لم أَستفِض مئة بالمئة لأَنَّ القارىء العربي ناقص في الثقافة في هذا الموضوع.

العمليَّة تحتاجُ الى مرشِدينَ روحيِّين مُدرَّبين تدريباً واسعاً، لهم خِبرةٌ في نفسِ الإِنسان وفي حركاتِ الأَهواء وفي كيفيَّة معالجتِها.

استعملَ يوحنا السُلَّمي مِراراً  في كتابِهِ “السُلَّم الى الله” عِبارة “الأَطبَّاء” للمرشِدين الروحيِّين وعبارة “المشافي” للأَديرَة. فإّذاً العمليَّة طبيَّة تحتاجُ الى عِلمٍ وفنٍّ. القدِّيس غريغوريوس الَّلاهوتي قال: الإِرشادِ الرُّوحي هو عِلم العلوم وفَنُّ الفُنون. فإذاً الإِرشاد الرُّوحي هو أَصعب من طبِّ الجسد. هو كعِلمٍ يحتاجُ الى معلوماتٍ، وكَفَنٍّ يحتاجُ الى ممارسة. ليسَ كلُّ كاهنٍ طبيبٌ روحيًّا. هذا الأَمرُ إِنَّما يحتاجُ الى ثقافةٍ واسعةٍ وتدرَّبٍ أَصليٍّ لأَنَّ أَغوارُ نفسِ الإِنسان لا تُشفى سطحيًّا.

يحتاجُ المرشد الرُّوحي الى نموٍّ روحيٍّ كبيرٍ أَي أَن يكوَن قد تقدَّم تقدُّماً كبيراً في حالةِ عَدَم الهوى. الوصول الى حالةِ عدَم الهَوى يعني أَن يكونَ الانسانُ قد حاربَ الأَهواءَ وصارَ خبيراً في محاربتِها كتمرُّسِ طبيبُ الجسد بمعالجةِ الأَجساد لِكَي يعرِفَ مواطنِ الدَّاء. الإِرشاد الرُّوحي مسأَلةٌ عسيرةٌ تتطلَّبُ عُمقاً روحيًّا وثقافيًّا وبسيكولوجيًّا.

الَّذينَ يعيشونَ روحيًّا يُجاهدونَ روحيًّا. والجهاد الرُّوحي هو حربٌ روحيَّة بين الضميرِ الحيِّ والأَهواء المنبوذَة المرفوضَة. يُحاربُ الإِنسان في حياتِهِ لكي يتخلَّصَ من أَهوائهِ المنبوذة لكَي يحوِّلَها الى فضائل. هذه الحربُ تجري في أَعماقِ النفس لا في السطحِ فقط. نعرفُ اليوم أَنَّ في الإِنسانِ وَعياً ولاوَعيَ والحربُ بينهما شديدةٌ. فكيفَ يُمكِنُنا إِذاً أَن نَغوصَ في لاوعيِ الإِنسانِ ونحن من دونِ تَدَرُّبٍ في هذا الباب؟ حركاتُ الَّلاوَعي فيها دهاءٌ كبيرٌ، لا تستسلم بسهولة وتُجيدُ الإِختفاء والتَلوِّي. يستعين المحلِّلونَ النفسيُّون بتحليلِ الأَحلام ليفهَموا الَّلاوَعي. الإِرشاد الرُّوحي هو تحليلٌ نفسيٌّ بنسبةٍ كبيرة، ولكن تحليلٌ نفسيٌّ للواعِين، بينما التحليل النفسي هو تحليلٌ لناقِصي الوعي لأَنَّ حروبَهُم تجري في الَّلاوَعي.

المجاهِد روحيًّا يستَبعِدُ من دائرة وعيِهِ كلَّ الأَفكار الشرِّيرة وكلَّ الرغَبات والشَهوات الشرِّيرة ويحاربُها لألا تظهر في وعيِهِ، ولكنَّها قويّةٌ تغلبُه كثيراً. المجاهِد روحيًّا هو في معركةٍ ولكن ضِمنَ وعيِه إِجمالاً. يجتهدُ في تنقيَة وعيِهِ لتكونَ صلاتُهُ طاهرةً نقيَّةً، وليتمَّ تحويلُ أَهواءَهُ الى الفضائل. عمليَّةُ التحويل هي حربٌ روحيَّة تنتقل فيها طاقاتُ الإِنسان من التبذيرِ في الرذائل الى الإِنفاق الإِيجابي في الفضائل وهذا يحتاجُ الى جبَروتٍ روحيٍّ كبير. الربُّ يسوع في الكلام عن الحرب مع الشيطان لما اتَّهموه بأَنَّهُ ببعلزبول ورئيس الشياطين وابن الشياطين، ذكرَ أَنَّ الإِنتصار على القويِّ يكونُ بتقيِّيده بالرَبط ليتمَّكَنَ الأَقوى منهُ من انتزاعِ أَمتعتِه وأَخذِها. نحنُ نُحارب الشيطان والأَهواء، والشيطانُ قويٌّ جدًّا لا ينام ولا يهدأ. الأَهواءُ قويَّةٌ ويجب أَن نكونَ أَقوى منها لكي نُكَبِّلَها بالحديد وننتزع طاقاتِنا من أَيديها ونصرِفَها في الحياة الروحيَّة في إِقامة الصلوات والفضائل. وكلُّ هذا يجري في باطنِ الإِنسان لا في خارجِهِ فتنقَسِم قِوى الإِنسان على بعضِها البعض. تشتعِلُ الحربُ فينتصر الرُّوح القُدس بالضمير الحيّ وينتزع من أَيادي الشياطين الطاقات والأَهواء والشهوات فيُسَيطر الإِنسان على كاملِ قِواه ويضَعها بين يدَيّ الرُّوح القُدُس. يُضحي ماءً نقيًّا طاهراً خالصاً للرُّوح القُدُس ومكويًّا بنارِ الرُّوح القُدُس. يَشِدَّ الرُّوحُ القُدُس كلّ ينابيع الأَهواء ويختُمُها بنِعَمِهِ الإِلهيَّة. كلُّ هذا يتطلَّبُ بطولةً روحيَّة لأَنَّ هناكَ حربٌ بين الضمير الحيّ وبين قِوَى الشرِّ.

بالعَمَل البطولي، نخَلِّصُ أَنفسَنا ونُحَرِّر قِوانا المكبَّلة قِوانا المهدورة وقِوانا الممزَّقة فنصيرُ ذا يمينٍ قويَّةٍ تَلوي رقبةَ الشيطان والأَهواء والشهوات والرغبات والميول وكلُّ ما ينزَع فينا الى الشرِّ فنسُدُّ بذلكَ منافِذَ حروبنا بقِوانا وبطاقاتِنا. رجالُ الحرب الجسديَّة يبذُلونَ طاقاتٍ كبيرة، والحرب الروحيَّة هي مُصارعة تحتاجُ الى أَيادٍ روحيَّة متينة. الرُّوح القُدُس في هذه الحرب يعملُ معنَا ولا نكون وحدَنا ممَّا يدُلُّ على أَنَّ هذه الحرب هي حربٌ ضارية.

هل نستطيع أَن ننتصر بِقِوانا الذاتيَّة؟ لا. بدونِ الرُّوح القُدُس لا يُمكن أَن ننتصر وبدون الرُّوح القُدُس لا يمكن أَبداً أَن نُحوِّل أَهواءَنا الى فضائل. في الحياة الروحيَّة، الرُّوح القُدُس هو الفاعِلُ فينا ولكن يبقى أَن نكونَ أَداةً طيِّعَةً بين يدَيهِ، أَن نعملَ معهُ بإِخلاصٍ كاملٍ بدونِ تسَكُّعٍ، بدونِ مُيوعَة، بدونِ رَخاوة.

جسَدي طبعاً يكرهُ الجِهاد الروحي لأَنَّ جسَدي يميلُ الى الأَرض. ولكن عليَّ أَن أَكويهِ بذِكرِ الموت وذِكر العذاب الأَبدي وذِكر الدينونة القاسيَة. ذِكرُ الموت فلسفةٌ كبيرةٌ. مَتى حَفَرنا في صدرنا ذِكرَ الموت حَفراً جيدًّا، صارَ مكواةً تَكوي رغباتنا وشَهواتنا وأَهوائنا وميولنا وكلُّ ما هو رديءٌ فينا. صار لجاماً يلجِمُ جمُوحنا الى الأَرض. أَهلُ الأَرض للأَرض ولكن آخرَتُهُم في جهنَّم، أَمَّا نحنُ المؤمنين فكيانُنا هو مصبوغٌ بدمِ ربِّنا يسوعَ المسيح. لا نشعرُ بأَنَّنا لأَنفسِنا بل نشعر بأَنَّنا ليسوع الَّذي اشترانا بدمِهِ. إِيمانُنا هو إِيمانُ الشُهداء، إِيمانُ المحاربينَ الشهداء الَّذينَ يبذلونَ أَنفُسَهُم كأَنَّها أَرخصُ من القِشِّ في سبيلِ يسوعَ المسيح الَّذي هو

أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

حياتُهم ورجاؤهم. لا ينتظرون إِلَّا الِّلقاءَ الأَخير بهِ في مجدِهِ الأَبدي ليُصبحوا من أَنوارِهِ الأَبديَّة.


أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

وأَن لا أَدينَ إِخوَتي. دينونة الآخرين مرضٌ عُضال فيها تكون عيون الناس متَّجهة الى الخارج لا الى الداخل. آدم وحواء في الجنَّة أَجرَيا الإِسقاط. حوَّاء أَسقطَت المسؤوليَّة على الحيَّة وآدم أَسقطَ المسؤوليَّة على الله وعلى حوَّاء. هذه الملاحظة في سفرِ التكوين مُهمَّةٌ جدًّا من الناحية النفسانيَّة، فآليَّة الدِفاع عند المرء كما يقول المحلِّلون النفسانيُّون تُساعدُهُ على الدفاع عن نفسه. إِذا فسَدَ الولد في المجتمع، نسبَ الأَهل فسَدَهُ الى المجتمع. إِذا مدَّ يدَهُ الى السَرِقة، نَسَب الأَهلُ هذه العادة الى رفاقِهِ الَّذينَ أَفسَدوه. وإذا سقطَ أَحدُهُم أَسقَطَ المسؤوليَّة على التي أَغرَتْهُ أَو الَّذي أَغراها وفي النهاية نتهرَّب من المسؤوليَّة عن أَفعالِنا. هذا من جهة ومن جهةٍ أُخرى نرى أَنَّ علاقاتُ البشر محكومة بما نُسمِّيه في التحليل النفسي التضاد “Ambivalence “.

منذُ نشأَة الطفل، ظروف الحياة تجعَلُهُ متناقضاً، تجعَلُهُ يُحبُّ ويَكره. يحب الحليب ويلتهمُهُ ويحبُّ ثَديَ أُمِّهِ ويعضَّهُ. يحبُّ ذَويهِ، وإِن عارضوهُ غَضِبَ عليهم وحَقِدَ عليهم. ينشأُ الحِقد باكراً في حياةِ الإِنسان. ويتعايشُ في الشعور الحبُّ والكراهيَّة، يتناوبانِ بتَواتُرٍ لا يعرفُهُ إِلَّا الله، ينسجِمان ويختلفان، هما آليَّةٌ من آليَّات الحياة. آليَّةٌ موجودة في الَّلاشعور تتحرَّك سَلباً وإِيجاباً مِراراً وتَكراراً كلَّ يومٍ ومدى الحياة. الربُّ يسوع قال: “أَعداءُ الإِنسان هي أَهلُ بيتِهِ” ينقلبُ الحبُّ الى الكراهيَّة فالإِنسانُ مَكُّوك بين الحبِّ والكراهيَّة. حذَّرَنا الربُّ يسوع ايضاً من الناس، فالغدرُ موجودٌ والتقلُّبُ موجودٌ والتمايلُ موجودٌ والنفاق موجودٌ والخبثُ والمكرُ موجودٌ والإِنسان حائرٌ بين رمالِ الصحراء المتحرّكِة، وبين تناوب العِداء والمحبَّة. فلذلك علاقاتُ الناس فيما بينَهُم ليست صافيَةً مئة بالمئة، إِنَّها مريضة. يرى الإِنسان الظاهر لا الباطن، ويحكُم على موجَب الظاهِر ولا يحكُم حُكماً عادلاً كما يجب. عواطِفُهُ ومحبَّتُهُ مَشوبَة بالعُيوب.

الفرديَّة هي مرضُ العصر والأَنانيَّة هي مرضُ العصر مع أَنَّ العلاقات الإِجتماعيَّة قد اتَّسَعَت كثيراً بسبب النظام والإِقتصادي والسياسي العالمي. صارَ العالمُ مدينةً كبيرةً يتبادل فيها الناسُ المنافعَ لا العواطفَ والقاعِدة هي المعامَلة بالمثِل. وكما يقول الشاعر: كما تراني يا جميلُ أَراكَ. الصَفاءُ المطلَق والمحبَّة الملتهبَة للآخرين موجودان عند القدِّيسين لا عند عامَّة الناس. وربُّنا يسوعَ المسيح هو وحدهُ خالٍ من التَّضاد، لأَنَّ كلُّهُ محبَّة وعطاء.

تلعبُ الغَيرة دَوراً كبيراً في النقد. في دينونةِ الآخرين يوجد طرَفٌ من العِداء وطَرَفٌ من الغَيرة والحَسد والمنافسة. يجتهدُ الناس في نبشِ عيوبِ الآخرين ليَذُمَّوهُم ويحتقرَوهُم ويطعَنُوا في شرفِهِم وعرضِهِم وأَخلاقِهِم. لا ينظرُ الناس الى بعضهِم بعضاً إِلَّا ليدينوا بعضُهم بعضاً. يرَونَ في الآخرين السيِّئات ولا يرَونَ الحسَنات. فبعضُ الناس مُصابٌ بهوَس النقد والتجريح والدينونَة، لا يرى في الناسِ إِلَّا المعايِب. يُصَنِّفونَ أَنفُسَهم حُكَّاماً على الآخرين ليَدينوهُم ويشتموهُم ويُحقِّروهم. قد تُصابُ الأُمُّ أَو الأَبُ بهذا المرض فيلسَعونَ الأَطفال بالنقدِ المتواصل. الإِبن الَّذي قلَّدَ أُمُّهُ أَو أَباه، أَو البنت التي قلَّدَت أُمَّها أَو أَباها في النَقد يُحاكيانِهما في النَقد، فينتقلُ النقدُ الى الأَحفاد. الربُّ يسوعَ المسيح لهُ المجدُ في الفصل 7 من متى قال: لا تدينوا لأَنَّكُم بالدينونة التي تدينونَ بها تُدانون. وايضاً نرى القشة في عين الآخرين ولا نرى الخشبة في أَعيُنِنا. فإِذاً حينَ تحكُم على الآخرين يجب أَن تكونَ طاهِراً ومتى كنتَ طاهراً أَبصرتَ جيدًّا. إِن لم تكُن طاهراً فأَنتَ لا تُبصِر جيِّداً، وما دُمتَ مُلَوَّثاً بالخطايا والآثام فاحفظ حدودَك. إِلزَم حدودَك ولا تتطاوَل على الآخرين. ترى العيبَ في الآخرين وأَنتَ كُلَّكَ عُيوبٌ. طهِّر نفسَكَ لترى جيِّداً، وما دامت عينُكَ مريضةً فأَنتَ لا ترى جيِّداً. عينُكَ مريضة فأَنتَ مريضٌ. هذا النور الَّذي فيكَ هو ظلامٌ، والظلامُ تملِكون كما قالَ الربُّ يسوع.

بعض المتأدِّبين يَلفُّون ويدورون ليكونَ النقدُ ذا طابعٍ بريء، ولكن مهما ارتدى رداء البراءة فهو يبقى جارحاً في بعض جوانبِه. ولكن هذا هو واقعُ الناس: الدينونة والنقد. هذا هو حالُ البشر وعلينا أَن نرضَخ للواقع. نجتهِدُ في إِصلاحِ الواقع والواقع موبوءٌ إِجمالاً. في هذه الأَجواء تكثُر الوِشايات والدسائس ويُصبح الأَذى هو شريعةُ التعامل الى حدٍّ لا بأسَ بهِ. الظلمُ موجود في الدنيا، وأَبو الطيِّب المتنبِّي قال: الظُلم من شِيَمِ النفوسِ. فلذلك الإِنسان الروحي هو مصلوبٌ في هذا العالم. الى جانبِ هؤلاء كلُّهم يبقى في الدنيا أناسٌ مُصلِحون أَوادم ينتقدونَ للمصلحة العامَّة وينتقدونَ لمنفعة الآخر.

الإِنجيل وبولس الرسول ما ترَكانا بدونِ موعِظة في هذا الأَمر. لنا الحقُّ في تنبيهِ الآخرين الى أَخطائهم في توجيه الآخرين نحو الأَصلَح. في أَفَسُس يحقُّ لنا أَن نُشهِّر أَعمالَ الظلمة، وحق التوبيخ والإِرشاد موجود في العهد الجديد ولكن المهمُّ الِّلسان الصالح الَّذي يقومُ بذلك. النيَّة الصالحة والِّلسان الصالح والغرَض الصالح.

الضميرُ الحي سيفٌ قطّاعٌ كما قال القدِّيس اندراوس الدِمشقي أُسقف كريت، فلذلك عندما أَقسو على نفسي بالنقد، ينقلبُ الأَمر الى الخارج فأَقسو على الآخرين وأَدينُهم بضراوةٍ وشراسةٍ. التربية الروحيَّة الناجحة تُعلِّمُ الإِنسانَ أَن يلطِّفَ ضميرَهُ لكي لا يكونَ ضارياً ضدَّ نفسِهِ وضدَّ الآخرين. أَنتَ سيِّدُ نفسك تتصرَّف فيها بحسَب حِكمتِك، ولكن مع الآخرين لا بدَّ من مراعاة المشاعر ومعاملة الناس بالُّلطف والرقَّة والحنان والحِكمة والفِطنة والحِذق. يتعامل القدِّيس مع الآخرين بصورةٍ قدِّيسة. كلامُهُ يكون مملَّحاً بالرُّوح القُدُس. يفيضُ حناناً عندما يوبِّخ الآخرين أَو ينصَحَهُم أَو يُنبِّههُم.

وما لا شكَّ فيهِ أَنَّ انتقاد الآخرين بصورةٍ عامَّة ينزلُ عليهِم مثل الإِبر، يخزُّهم ويؤلمهُم، والناس حسَّاسون. النخزات القادمة من الخارج تؤلمهُم، فلذلك التعاطي مع البشر يجب أَن يكون بفِطنة وحِذق ومهارة ولباقة وحِكمة. ليس من السهل أَن نمسَّ الآخرين بالصميم بدونِ أَن نجرحَهُم، ولذلك يجب التَوَقِّي للحماية من الجروح. حتى حينما نأخُذ بكلِّ الإِحتياطات الضروريَّة نصطدِم بردَّةِ فِعلٍ لدى من ننصحهُم. الَّذينَ لا يستاؤونَ من ملاحظاتِ الغير هم محدودون، ولكن ذوو الوعي الصادق والخُلُق الرائع يشكُرون الَّذين ينصحونَهم وينتقدونَهم ويدينونَهم دينونةً لطيفة. الإِنسان المنفتح الواسع الصدر يُرَحِّب جدًّا بالملاحظات والتصحيحات والإِشارات الذكيَّة، ولكن هل يتربَّى الناسُ على هذه الأُصول السليمة؟ الإِنسان الشفَّاف، الواسع الصبر، الحريص على التقاطِ النصائح والملاحظات والتنبيهات هو إِنسانٌ استثنائيٌّ. الشفافيَّة ورحابة الصدر من الضروريَّات الحياتيَّة المهمَّة جدًّا. المسألة هي مسأَلة تربويَّة في الطفولة. علينا أَن نربِّي الأَولاد على رحابة الصَدر وحبِّ الإِستماع وحبِّ الإِستفادة.

دَينونةُ الإِخوة قاسيَة لأَنَّها تُفسِد جوُّ الأُخوَّة. قد أَنتقدُ الغريب فلا يسمَع نقدي ولا يعرف أَمري،  في الُّلغة العاميَّة نقول: ما أَهانَني الَّذي حَكى عليَّ بل الَّذي بلَّغَني. والمصيبةُ الكبيرة هي أَنَّ الناس لا يضبطونَ السرَّ ولا يكتُمونَ ما يسمعون، فيُبلِّغونَ الآخرين الأُمور. والمصيبة الثانية ليست في التبليغ بل في تشويهِ الكلام وتزيِّينه وتزليفه وإِدخال المبالغات والفضائح عليه. وهناك مشكلةٌ أَكبر وهي تلفيق الأُمور واختراعِ الأَكاذيب. يخترعونَ الأَشياء وهي غيرُ موجودة، يجرِّحونَ بالآخرين ويفسدونَ العلاقات بين الناس.

المطلوب هو أَن نُطَهِّر فِطنتَنا، أَن نُطهِّر نيَّاتِنا، أَن نُطَهِّر أَفكارَنا، وأَن نُطَهِّر باطِنَنا، وأَن لا نتسرَّع في الحكُم على الناس ولا في دينونةِ الناس. عيوبُ الدينونة والنقد لا تُعَدُّ ولا تُحصى وليس من إِنسانٍ بريءٍ منها مئة بالمئة. ولكن هناك فرقٌ كبير بين الأَطهار وغير الأَطهار. فالطاهرُ يستعملُ كلَّ شيءٍ بطهارة والغيرُ الطاهر يستعملُ كلَّ شيءٍ بدَنَس، ومن يطهِّرُ فطنتَنا ونيَّاتَنا وذِهنَنا وعَقلَنا وكل كياننا؟ الرُّوح القُدُس لهُ المجد بنارِهِ الإِلهيَّة يُطهِّرُنا ويكوينا. مهما أَرَدتُ أَن أَمنحَ الناس أَسباباً تخفيفيَّة كما يقولُ الحقوقيُّون فلا أَستطيع أَن أُبادر في منحهِم الأَسباب التخفيفيَّة. الطبيعة البشريَّة ساقطة فلذلك ترتكب كلّ أَنواع المخالفات. لا تطهير للطبيعة البشريَّة إِلَّا بالرُّوح القُدُس.

في المسيحيَّة الباطنُ هو المهمُّ وبذلك تختلفُ عن ناموسِ موسى. ناموس موسى يهتمُّ بالظاهر وقواعدُهُ الأَخلاقيَّة ظاهريَّة، أَمَّا المسيحيَّة فهي تطلب الطهارة الباطنيَّة ومتى طَهُرَ الباطِن طَهُرَ الخارِج فصارَ الإِنسان برُمَّتِهِ طاهراً. طهارة الرُّوح تنعكسُ على طهارةِ الجسد. فإِن كان الباطنُ طاهراً كان الِّلسانُ طاهراً والعَينان طاهرتان، وكلُّ الجسد طاهراً. المسألةُ هي مسأَلة روحيَّة، فكلُّ شيء مرتبط بالرُّوح أَمَّا الجسد فهو أَداةٌ للرُّوح. القلبُ الطاهر لا ينطِق بالموبِقات، لا ينطِق إِلَّا بالكلام الجيِّد.

أَيُّها الربُّ وسيِّدُ حياتي، أَعتِقْني من روحِ البطالةِ والفُضول وحبِّ الرئاسة والكلامِ البطَّال. أَنعِم عليَّ أَنا عبدُكَ الخاطئ بروحِ العِفَّةِ واتِّضاع الفِكر والصبرِ والمحبَّة. نعم يا مَلِكي وإِلهي، هَبْ لي أَن أَعرِفَ ذنوبي وعيوبي وأَن لا أَدينَ إِخوَتي، فإِنَّكَ مُبارَكٌ الى أَبدِ الآبدين آمين.

فإِذاً في المسيحيَّة كلُّ شيءٍ مرتبطٌ بالحالةِ الداخليَّة، والحالةُ الداخليَّة تحتاجُ الى تربيةٍ روحيَّة، والتربية الروحيَّة تحتاجُ الى معلِّمٍ ومرشد والى الرُّوح القُدُس الَّذي يقودُ الجميع الى ينابيعِ الخَلاص لهُ المجد.

يتبع



يمكنك متابعة أية ردود على هذه التدوينة عن طريق RSS 2.0 . يمكنك ترك رد، أو تنبيه من موقعك الخاص.


أضف تعليقك

يجب عليك أن تقوم بتسجيل الدخول من أجل إضافة تعليق.