6
يناير 2015
عماد المسيح
تحت تصنيف غطاسيات بواسطة fr.Bassil في 11:46 ص | أضف تعليقك »
عماد المسيح – للقديس يوحنا الذهبى الفم


كثيرون بين الذين يستمعون إليّ لا يعرفون من الأعياد إلاّ اسمها فقط. فهم يجهلون تاريخها وأصلها ومناسبتها. فهذا العيد قد اشتهر بأنه عيد الظهور. ولكن يا ترى ما هو هذا الظهور، هل هو عيد واحد أم اثنان. ولماذا رتَّبت الكنيسة هذا العيد، وما هي المناسبة التي دعت إليه؟ هذه أمور يجهلها الكثيرون. وما نأسف له بالأكثر هو أنهم يقيمون هذا العيد وهم جاهلون غايته وسببه.

فلا بدّ من تبيان أن هناك ظهوران. فالظهور الأول هو الذي نعيِّد له والذي تمَّ؛ أما الظهور الثاني فهو الذي سيتمّ في مجد الآب في آخر الأزمان. وهذا ما شرحه بولس الرسول لتلميذه تيطس: “ان نعمة الله المخلصة قد تجلّت لجميع الناس وهي تؤدبنا لننكر النفاق والشهوات العالمية فنحيا في الدهر الحاضر على مقتضى التعقّل والعدل والتقوى.” (تي 2/ 11) “منتظرين الرجاء السعيد وتجلّي مجد إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح”. (تيطس 2/11) وأما عن الثاني فيقول النبي يوئيل: “واجعل عجائب في السماء وعلى الأرض دماً وناراً وأعمدة دخان، فتنقلب الشمس ظلاماً، والقمر دماً قبل أن يأتي يوم الرب العظيم الهائل.” (يوئيل 2/ 30).

ولماذا، يسأل البعض دُعي عيد عماد المخلص عيد الظهور وليس عيد الميلاد. السبب بسيط وهو انه في هذا العيد تعمّد المسيح وقدّس المياه.

أما لماذا نعيّد عيد الظهور. أجيب لأن المسيح قد ظهر للجميع في عماده وليس في ميلاده. فحتى ذلك اليوم الذي تعمّد فيه المسيح، قليلون كانوا يعرفونه، وكثيرون كانوا يجهلون وجوده ومن هو. وهذا ما عبَّر عنه يوحنا المعمدان: “يوجد بينكم شخص لا تعرفونه.” (يو 1/26) ولا نتعجب من جهل الكثيرين للمسيح. فيوحنا السابق نفسه كان يجهل حقيقة المسيح. “أنا لم أكن أعرفه، لكن الذي أرسلني لأعمّد بالماء هو قال لي ان الذي ترى الروح ينزل ويستقر عليه هو الذي يعمد بالروح القدس.” (يو 1/33).

لكن لماذا نال يسوع المعمودية، وما هي المعمودية التي نالها؟

… علينا أن نميِّز بين ثلاثة أنواع من العمادات. فقد درجَ اليهود على تطهير الأجساد من الأوساخ مما يعتبر في نظر الشريعة نجاسة. وهذا يؤثر في الجسد فقط وليس في النفس، ولا يطهّر الضمير من الزنى والسرقة ومن أية خطيئة أخرى. بل ان الإنسان إذا لمست يده جثة ميت أو ذاق لحماً يحرمه الناموس أو تنجّس حسب الجسد أو تعامل مع الأبرص. فمثل هذا يحسب نجساً حسب الناموس “وعليه أن يرتحض بالماء ويكون نجساً إلى المغيب.” (الأحبار 15/6) وكان قصد الله من ممارسة هذه الطقوس أن يرتفع بروح اليهود إلى الفضائل العظمى ويجعلهم أكثرسهراً وحرصاًعلى نفوسهم.

أما معمودية القديس يوحنا فكانت بالتأكيد أسمى من معمودية اليهود ولكنها كانت خالية من فاعلية معموديتنا نحن المسيحيين. انها تتوسط الاثنتين كمعبر يوصل بين شاطئين متقابلين. فيوحنا كان يشدّد على ترك الرذائل والتوجّه إلى الفضائل والحثّ على ممارسة الفضائل. وهذه ركائز التوبة الحقيقية التي كرز بها النبي يوحنا. وقد قال نفسه عنها: “أنا أُعمّدكم بالماء، أما هو فسيعمّدكم بالروح القدس والنار.” (مت 3/11) وكذلك القديس بولس شهد أن معمودية يوحنا هي معمودية التوبة.

من الأكيد أن المسيح لم ينل العماد اليهودي ولا عماد يوحنا لأنه لم يكن بحاجة إلى مغفرة الخطايا “الذي لم يصنع خطيئة ولم يوجد في فمه مكر.” (1 بطر 2/22) ويسوع تحدث عن نفسه فقال: “مَن منكم يثبت عليَّ خطيئة.” (يو 8/46) فإذا كان المسيح أتى إلى يوحنا لا لطلب غفران الخطايا ولا لنيل الروح القدس. فلمذا إذن؟

هذا العماد شرحه سفر الأعمال بهذا القول: “ان يوحنا عمّد بمعمودية التوبة مخاطباً الشعب بأن يؤمنوا بالذي يأتي بعده أي بيسوع المسيح.” (اعمال 19/4) إذن كان من الضروري لشهرة المسيح التبشير به من بيت إلى بيت، والدعوة لقضيته في كل مكان ومنطقة، والتعليم في المجامع بأن يسوع هو ابن الله مخلّص العالم. إنما كم يستلزم هذا من جهد وتعب للسابق المجيد. فكان من السهل عليه أن يستفيد من زحف الجموع من كل المدن والقرى، وهي تتألف من كل الطبقات إلى ضفاف الأردن ليقول كلمته: “هذا حمل الله.” “والذي يأتي بعدي كان قبلي وهو أقوى مني” وليقول أيضاً كلمته في الابن المتجسد. وجاء التثبيت من العلاء بصوت الآب وشهادة الروح القدس الذي ظهر بهيئة حمامة.. كل هذا أبعد الشك وأزال الالتباس وأبعد إصبع الاتهام عن يوحنا المعمدان لأنه قريب للمسيح.

ان الله نفسه أراد أن يعلن هو نفسه ابنه للبشر. وهذا ما عبَّر عنه يوحنا المعمدان بقوله: “الذي أرسلني لأعمّد قال لي..” “والذي ترى الروح نازلاً عليه هو…”

أما السبب الثاني لعماد المخلص فقد أشار إليه المسيح نفسه وذلك عندما قال يوحنا السابق له: “أنا المحتاج أن أعتمد وأنت تأتي إليّ…” دع الآن فيجب أن نكمّل كل برّ (مر 13/14). انظروا بساطة المعمدان وتواضع المسيح.

ويا ترى ما هو البرّ. هو تتميم كل وصايا الله. بهذا المعنى قال لوقا البشير عن زكريا وأليصابات: “كانا كلاهما بارّين أمام الله سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم.” (لو 1/6) و بما ان كل إنسان يلتزم بتكميل كل برّ، لهذا جاء المسيح وأكمله. فالمسيح أطاع للنبي يوحنا وأطاع لشريعة الختان ولتقدمة الذبائح، وحفظ شريعة السبت والأعياد اليهودية… وهذه كلها برّ وصلاح.

من الأكيد أن الله أراد أن يخضع الجميع لتوجيهات يوحنا، فهو نبي مُرسَل من الله. ونرى أن الله كان يريد أن جميع الناس يقبلون على عماد يوحنا. ولهذا قال: “عندما سمع جميع الشعب والعشارون برّروا الله معتمدين بمعمودية يوحنا؛ وأما الفريسيّون ومعلمو الناموس فرضوا مشيئة الله فيهم إذ لم يعتمدوا منه” (لو 7/29) ويسوع خضع لهذا البرّ.



يمكنك متابعة أية ردود على هذه التدوينة عن طريق RSS 2.0 . يمكنك ترك رد، أو تنبيه من موقعك الخاص.


أضف تعليقك

يجب عليك أن تقوم بتسجيل الدخول من أجل إضافة تعليق.