6
يناير 2015
العمَاد المقدس – للقديس كيرلس الأورشليمي
تحت تصنيف غطاسيات بواسطة fr.Bassil في 11:53 ص | أضف تعليقك »
العمَاد المقدس – للقديس كيرلس الأورشليمي


1- قبلتم مسحة المسيح أي الروح القدس

لقد اعتمدتم في المسيح ولبستم المسيح، فأصبحتم على صورة المسيح ابن الله، لأنَّ الله الذي اختارنا لنكون أبناءه بالتبنّي، جعلَنا على صورة جسد المسيح المجيد. وبما أنكم أصبحتم شركاء المسيح، فأنتم مدعوُّون بحق “مُسحاء”. وعنكم قال الله: لا تَمَسُّموا مُسَحائي. إنكم أصبحتم مُسحاء، وقد قبلتم ختمَ الروح القدس. كل شيءٍ تمَّ فيكم بالامتثال، بما أَنَّكم صورةُ المسيح. وعندما تعمَّدَ المسيح في نهر الأردنّ، ومنَحَ المياه لَمْسَ أُلوهيَّته، صعد منها. فحلَّ الروح القدس نفسُهُ عليه، واستقرَّ الشبيهُ على شبِيْهه. كذلك أنتم، عندما خرجتم من حوض المياه المقدسة قبلتم مسحة الميرون، وهي الصورة الحقيقية لمسحة المسيح، أعني الروح القدس الذي تحدَّثَ عنه الطوباوي أشعيا، ثنبَّأ عنه وتكلَّمَ بلسان الربِّ قائلاً: إنّ روحَ السيّد الرب علَيَّ، لأنَ الربَّ مسحني وأرسلني لأُبشِّر الفقراء.

المسيح لم يُمْسَحْ بزيتٍ أو بدهن مادِيٍّ بيَدِ إنسان، لكنَّ الآبَ الذي سبَقَ واختارَه ليكونَ مخلِّصَ العالم أجمع، مسحَهُ بالروح القدس، على حَدِّ قول بطرس: يسوعُ الناصريُّ الذي مسحَهُ الله بالروح القدس. كذلك أعلنَ النبيُّ داود: عرشُكَ يا ألله إلى الدهر والأبد، وصولجان مُلكِكَ صولجانُ استقامة. أحببتَ البِرَّ وأبغضْتَ النِفاق، لذلك مسَحَكَ إلهُكَ يا الله بدُهنِ البهجة أفضل من شركائك. لقد صُلِبَ المسيح وقُبِر وقامَ فعلاً، أما أنتم في العماد، فقد اعتُبِرْتُم جديرين بأن تُصلَبوا وتُدفَنوا وتقوموا معه على مثاله. وكذلك الحال بما يختصُّ بالمَسْحَة: لقد مُسِحَ المسيح بزيت البهجة الروحيّ، أي بالروح القدس، وقد سُمِّيَ “زيت البهجة”، لأنه أصْلُ البهجة الروحية. أما أنتم، فمُسحتم بالدهن وصرتُمْ صَحْبَ المسيح وشركاءه.

2- نِعَمْ العماد الثلاث

لا يظنَّنَّ أحدٌ أنَّ العماد ليس إلاّ نعمة مغفرة الخطايا والتبنِّي الإلهي، كعماد يوحنا الذي كان يمنحُ مغفرة الخطايا. أمَّا نحن الذين تعلَّمنا بدِقَّة، فنعلمُ أنَّ العماد، وإن كان لتطهير الخطايا والمشاركة في موهبة الروح القدس، إنما هو أيضاً صورةٌ لآلام المسيح فينا. لذلك أعلنَ القدبس بولس: أوَ تجهلون أنَّا، وقد أعتمدنا في يسوع المسيح، إنما اعتمدنا في موته، فدُفِنَّا معه في المعمودية لنموت فنحيا. وهذا ماكان يقوله بولس للذين كانوا يؤكّدون أن العماد يمنح مغفرة الخطايا والتبنِّي، ولكنه لا يُشركُنا في آلام المسيح الحقيقية.

يجبُ أن نتعلَّمَ أنَّ كلَّ ما قاساه المسيح من عذاب، هو من أجلنا ولأجل خلاصنا. وقد تعذَّبَ فعلاً لا مظهراً، ولكي نشاركه في الآمه. ولذلك يعلن بولس بكل وضوح: لأننا إذا كنا غُرِسْنا معه على شبه موته، فنكون على شبه قيامته أيضاً. وحسناً قال: قد غُرِسْنا معه. فبما أنَّ الكرمةَ الحقيقية غُرِسَتْ هنا، فنحن أيضاً، إذ نشتركُ بمعمودية موته، نصبح وإيَّاهُ غرسةً واحدة. وأرجو منك أن تنتبه لكمات الرسول: إنه لا يقول: إذا كنَّا غُرِسْنا معه في موته، بل: على شبه موته. لأنَّ المسيح مات فعلاً، ونفسه انفصلت عن جسده فعلاً، ودفنه كان حقيقة واقعيَّة إذ لُفَّ جسدُهُ بكتَّانٍ نقيّ، وكانت قصَّته كلُّها واقعية. أمَّا بالنظر إلينا، فالحالةُ تختلف: فكان موتنا شبه موته وآلامُنا شبه آلامه. فأمَّا خلاصُنا، فلم يكن شبه خلاص، بل خَلاصاً حقيقياً.

3- المعمودية قبرُكم وأُمُّكم

بعد ذلك اقتادوكم إلى الحوض المقدس للمعمودية الإلهية، كما حُمِلَ المسيح من الصليب حتى القبر الذي كان قريباً، وهو أمامَكم. وسُئِلَ كلٌّ منكم: هل يؤمِنُ باسمِ الآب والابن والروح القدس، فأدليتُم بهذا الاعتراف الخلاصيّ. ثم غَطَستُم في الماء ثلاث مرَّات وخرجتم منه، ممثِّلين بذلك دفنَ المسيح الذي استغرق ثلاثة أيام. لأنه كما أنَّ المخلص بقيَ في جوف الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال، كذلك أنتم خرجتم من الماء أول مرة، لكي تمثِّلوا اليوم الأول الذي قضاه المسيح في الأرض. وغطستم فيه لتمثِّلوا الليل: لأنه كما أنَّ مَن في الليل لا يرى شيئاً، وبعكسه، مَن في النهار يحيا في النور، كذلك أنتم غطستم في الماء كأنكم دخلتم الليل المظلم لا ترون شيئاً. ولمَّا خرجتم منه، أصبحتم كمَنْ هو في وضح النهار. وفي اللحظة عينها مُتُّمْ ووُلِدتُم. وأصبحَ هذا الماء الخلاصي قبرَكم وأُمَّكم في وقتٍ معاً. وما قاله سليمان في موضع آخر يمكن تطبيقه عليكم، إذ هو قال: للولادة وقتٌ وللموت وقت. ولكنَّ الأمرَ انعكس بالنظر إليكم: وقتٌ للموت ووقتٌ للولادة. أو بالحريّ: آنٌ واحدٌ حقَّقَ الاثنين معاً: حينَ مُتُّم وُلِدتُم.

4- بالعماد خلعتم الإنسان القديم

حالما دخلتم خلعتم رداءكم، وكانت هذه صورة لخلعِكم الإنسان القديم وكل أعماله. ولمَّا خلعتم ثيابَكم، أصبحتم عُراةً مقتدين في ذلك بالمسيح الذي كان عرياناً على الصليب؛ بعُريه خلع أصحاب الرئاسة والسلطة وعاد بهم في ركبِهِ ظافراً، فلأنَّ القوَّات المعادية كانت في أعضائكم، لم يَعُدْ من الجائز لكم أن تلبسوا ذلك الرداء العتيق. إني لا أتحدث عن الثوب المحسوس، بل عن الإنسان العتيق الذي تفسده الشهوات الخلاَّبة. فالنفس التي خلَعتْهُ لا يسوغُ لها أن تستردَّهُ، بل لتَقُلْ مع عروس النشيد: نزعتُ قيصي فكيف ألبَسُهُ؟ واعجباً! إنكم ظهرتم عُراة على عيون الجميع ولم تخجلوا، لأنكم تمثِّلون فعلاً صورة الأبِ الأوَّل، آدم الذي كان عارياً في الفردوس وهو لا يخجَل.

ولمَّا نزعتم ثيابكم مُسِحتُم من قمَّةِ رؤوسكم إلى أخامِصِ أقدامكم بالزيت المُعزِّم، وأصبحتم شركاء في الزيتونة البستانية، يسوع المسيح، وقد قُطِعتُم من الزيتونة البريَّة، ولُقِّحتُم في الزيتونة البستانيَّة، وأصبحتم شركاء لها في خِصْبِ الزيتونة الحقَّة. فالزيتُ المُعزِّمُ يرمزُ إلى المشاركة في خِصْبِ المسيح، ويمسحُ كلَّ أثرٍ لسلطان العدو. فكما أنَّ أنفاسَ القديسين واستدعاء اسم الله تُحرِقُ الشياطين كاللهيب المضطرم وتطردهم، كذلك هذا الزيت المُعزِّمُ يَكتَسِبُ، باستدعاء اسم الله والصلاة، قوة تطهيرٍ تحرق آثار الخطيئة، وتطردُ جميع قوّات الشر غير المنظورة.

5- عَظَمَةُ العمَاد

عظيمٌ هو العماد الموعود: إنه إعتاق الأسرى وغفران الخطايا، وموتُ الخطيئة والميلاد الثاني للنفس، وثوب النور وطابَعٌ مقدس لا يُمْحى، ومركبةٌ إلى السماوات، وبهجةُ الفردوس وعُربونُ الملكوت وعطيَّةُ التبنّي. ولكن في الطريق تِنِّيناً يُسبِّبُهُ عدمُ إيمانِكَ. إنه يَرودُ طالباً مَن يلتهم. وللوصول إلى أبِ الأرواح، لا بُدَّ لكم أن تهربوا من هذا التنِّين. وما السبيلُ إلى النجاة منه؟ بانتعالِكم الغَيرَة على نشر إنجيل السلام، فإذا لدَغَكُم لا يَجرْحُكُم.

ليكن إيمانُكم راسخاً ورجاؤكم وطيداً لا يتزعزع. وشُدُّوا نِعالَكم لكي يمكنكم أن تَفِرُّوا من العدوِّ وتمثُلوا في حضرة الرب. هيِّئوا قلوبَكم لتقبُّل التعاليم والمشاركة في الأسرار المقدسة. ثابروا على الصلاة لكي يجعلكم الله مستحقين للأسرار السماوية الخالدة. لا تنقطعوا عنها ليلاً ونهاراً. وعندما يبتعد النوم عن أعينكم، فلينصرِفْ ذهنُكم إلى الصلاة. وإذا مرَّتْ في بالِكم خاطرةٌ سيِّئة، فاذكروا الدينونة فتخلُصوا. إنصرفوا إلى الدراسة حتى يتحول ذهنُكم عن أباطيل الملذّات. وإن قال لكم أحد: هل أنت آتٍ للنزول في الماء، أليس في المدينة أحواض سباحة؟ فاعلَمْ أنَّ تِنِّينَ البحر هو الناصبُ لك هذه الشِّراك. ولا تعتبر بأقوال الذي كلَّمَكَ، بل فكِّرْ في الله الذي يمنح القوَّة. وصُنْ نفسَكَ حتى النهاية؛ فإذا ثَبُتَّ على الرجاء، تصبحُ وارِثاً للخلاص الأبدي.

6- الاستعداد للعماد

ها إنَّ رائحة السعادة تغمرُكم، يا أيُّها الذين يتقبَّلون النور. وإنكم لتَقْطفون الأزهار الروحية، لتَضفِروها أكاليل سماوية. شَذا الروح القدس يهزُّكم، وأنتم على أعتاب الديار الملكيَّة. فيا ليتكم تمثُلُون أمام الملك! لقد ازدهرَتِ الأشجار، فيا ليتَ الثمرَ يكونُ مكتملاً! إنَّ أسماءكم قد سجَّلَت، بعد أن تطوَّعتم في جيش المسيح، حاملين مصابيح موكب العرس، يُلهبُكم الشوق إلى المدينة العلويَّة، ويَحُفُّ بكم الرجاء. لقد صَدَقَ مَن قال: كلُّ شيءٍ يؤولُ لخير الذين يحبُّون الله. فالله سخيٌّ في هِباته، ولكنَّه ينتظرُ الاستعداد الصادق. لذلك يُضيفُ الرسول: لخيرِ المدعوِّينَ بحسب القَصْد. فإنْ كان قصدُكَ صالِحاً فهو يجعلُ منك مختاراً. وعليه، إذا كنت بالجسم هنا وبالروح في مكان آخر، فإنَّ هذا القَصْدَ لن ينفعك شيئاً.


(عِظَة 20، 21)


يمكنك متابعة أية ردود على هذه التدوينة عن طريق RSS 2.0 . يمكنك ترك رد، أو تنبيه من موقعك الخاص.


أضف تعليقك

يجب عليك أن تقوم بتسجيل الدخول من أجل إضافة تعليق.