20
مايو 2009
عن الروح القدس (الجزء الثاني)
تحت تصنيف اقوال باسيليات الكبير بواسطة fr.Bassil في 6:56 م | أضف تعليقك »

تلخيص كتاب

القديس باسيليوس الكبير

عن الروح القدس

 

 

(الجزء الثاني)

                                                                         

    

 

الرأس السادس عشر

في تعبيرنا عن الروح القدس يجب ألاّ نفصله عن الآب والابن إن كان في خلق العالم العقلاني أو في تدبير البشر أو في الدينونة الآتية

37-ويمكن أيضا التعليم بأن الروح متّحد دون انفصال في جميع أعماله مع الآب والابن. فعندما يعمل الله في توزيع الأعمال والابن في توزيع الخدمات، فالروح القدس حاضر معهما لتوزيع المواهب. يقول القديس بولس " وأمّا الرب فواحد، وإن توزيع الأعمال على أنواع ".

38-ويمكن التعلم من المخلوقات التي هي منذ البدء ما هي شركة الروح القدس مع الآب والابن. فالقوات الفائقة العالم النقية والعقلانية هي قديسة لأنها اقتنت التقديس بالنعمة الحالّة فيها من لدن الروح القدس. فالآب أراد فقط أن يعمل بالابن، والابن أراد أيضا تكميل عمله بالروح. والكلمة هو الكائن في البدء عند الله وهو الله. أمّا روح فم الله، فهو روح الحق الذي من الآب ينبثق. فلا تقديس بدون الروح، وقوات السماوات ليست مقدسة بطبيعتها، وإلا فلا فرق بينها وبين الروح القدس. وتقديسهم يأتيهم بكامله بشركة الروح. وهم يحافظون على مقامهم في ثباتهم في الخير. والملائكة يقولون دائماً: " المجد لله في الأعالي " وذلك بمساندة بقوة الروح. ولا يستطيع أحد أن يقول: يسوع رب إلاّ من الروح القدس. وجبرائيل عندما سبق وتكلم عن المستقبل، لم يقل شيئا سوى ما سبق وعرفه من الروح. ولهذا فكل ذاك التنسيق الفائق السماء والمعجز البيان في خدمة الله والتحام صوت القوات الفائقة العالم بعضها مع بعض، لا يمكن أن يحفظ بدون إشراف الروح.

39-والتدابير المختصة بالإنسان الحاصلة بربنا العظيم وخصنا يسوع المسيح بحسب إلهنا، تتم بنعمة الروح. وواضح أيضاً ولا يقبل أي جدل أن تنظيم الكنيسة من صنع الروح، فهذا التنظيم مرتب بحسب توزيع مواهب الروح.

40-وإذا لم يكن هناك معونة من لدن الروح، كيف يمكن التفكير بإجراء الدينونة خارجاً عن الروح. وهناك برهان أعظم على ارتباط الروح بالآب والابن: فإنه قد كتب عن علاقتها مع الله أنها على مثال ما هي نفسنا بالنسبة لكل منّا، فقد قال القدسي بولس الرسول: " فمن الذي يعرف أسرار الإنسان غير الروح الذي في الإنسان؟ وكذلك ما من أحد يعرف أسرار الله غير روح الله ".

الرأس السابع عشر

ضد الذين يقولون أن الروح القدس لا يعدّ مع الآب والابن في تساو بل في تباين وفيه لمحة مختصرة عن إيماننا في العدّ الشريف في تساو

41-وكلمة عد في تباين أدخلوها إلينا من حكمة العالم. فقولهم كلمة " حي " أخص من كلمة "جوهر" وحقل مدلولاتها أضيق من الأولى، ولكنها تمتد إلى ما هو أوسع من غيرها. فهي تحتوي على طبيعة الناطقين وغير الناطقين. أي أهم يسعون إلى توزيع العالم إلى خاص بالتقليص.

42-فما هي حكمت هذا الجيل من عملية التباين. هل هناك تكون متساوية وأخرى متباينة مع أنها من ذات الفصيلة؟ فالعد بتباين لا قيمة له.

43-وإذا كانوا يعدون الابن في تباين، فهم يجددون أيضاً قول الكفر باختلاف الجوهر وتدّني الرتبة وتأخير الولادة، وباختصار يكررون بكلمة واحدة جميع الشتائم. فاسم الآب والابن والروح القدس وارد بالتساوي. فكما هو الابن بالنسبة إلى الآب كذلك هو الروح القدس بالنسبة إلى الابن، بحسب الترتيب الوارد في المعمودية. وإذا كان الروح متساوياً في الرتبة مع الابن، والابن مع الآب، فواضح أن الروح متساو أيضا مع الآب بالرتبة. إذا لا يوجد مكان للكلام عن العد في تساوي والعد في تباين في نفس ترتيب السماء المعدودة.

الرأس الثامن عشر

في اعترافنا بالأقانيم u2po1stasij الثلاثة، كيف نحافظ على اعتقادنا بالوحدانية وفيه دحض مزاعم القائلين بعدّ الروح في تباين

44-الرب لمّا أوحى إلينا الآب والابن والروح القدس، لم يقرن إيحائه بعدد، فلم يتكلم عن أول وثان وثالث، ولا عن واحد واثنين وثلاثة. فالعدد ليس سوى إشارة تعريفية تدل على كميّة الموضوعات. بالتالي إذا وجب العد عرضاًن فلنتحاشى في ذلك تشويه الحقيقة. فغمّا أن نحترم في صمت ما يعجز بيانه، وإمّا أن نعدّ المقدّسات بتقوى، فواحد هو الله الآب، وواحد هو الابن الوحيد، وواحد هو الروح القدس.

45-فالابن هو في الآب، والآب في الابن، لأن هذا كذاك وذاك كهذا، وكلاهما واحد. لأنه يقال الملك وصورة الملك ولا يقال الملكان، فلا القدرة تتجزأ، ولا المجد يقسم. والروح القدس هو واحد. ويعبّر عنه بمفرده، مرتبطاً بالابن الواحد في الآب الواحد، وبذاته يكمّل الثالوث السعيد الجزيل التسبيح. فكما الآب واحد والابن واحد، كذلك الروح القدس واحد. وهو متحد بالآب والابن كمعيّة الفرد للفرد.

46-والبراهين على شركة الروح بالطبيعة، هي لكونه يقال عنه: إنه من الله، لا كما الكل من الله بل لأنه من الله خرج، لا بالولادة كالابن، بل كأنه روح فمه. والكلام عن الفم ليس كعضو جسدي، بل نتكلم عن الفم بما يليق بالله، وعن الروح جوهراً حياً يفعل التقديس. من هنا تظهر العِشرة الإلهيّة. أمّا كيفيتها فتظل معجزة البيان. الله وحده يمجد الله تمجيداً لائقاً. أما كمعزٍّ، فيميز في ذاته صلاح المعزي الذي أرسله، ويظهر في كرامته عظمة الذي خرج منه. فكرامة العبوديّة تقدمها الخليقة، وكرامة العائلية، إذا صح التعبير، يكمّلها الروح. فهكذا يمجد الروح بالشركة مع الآب والابن وبشهادة الابن الوحيد القائل: " كل خطيئة وكفر يغفر للناس، وأما الكفر بالروح فلن يغفر ".

47-عندما نحدق في النظر في جمال صورة الله الذي لا يرى، فإن روح المعرفة يكون حاضراً هناك حضوراً بلا ابتعاد يمنح في ذاته لمحبي مشاهدة الحقيقة القوة لرؤية الصورة،ويقودهم إلى رؤيتها في ذاته. فلا أحد يستطيع أن يقول أن " يسوع رب " إلاّ في الروح القدس. فلا يقال " بالروح " بل " في الروح ". وكل الصلاح الطبيعي والتقديس الصادر عن الطبيعة والكرامة الملكية تنطلق من الآب، مروراً بالابن الوحيد وبلوغاً إلى الروح. وبالتالي فجريمة العدّ في تباين لا غاية لها سوى أن تحمل على الاعتراف بإله أو وثان وثالث.

الرأس التاسع عشر

ضد القائلين بأن الروح لا يمجّد

48-بالنظر إلى معاني أسماء الروح وعظمته وفي غدق إحساناته علينا، لا بل على كل الخليفة، نعلم ولو قليلاً كم هو جلاله وقوته التي لا يسبران. يسمونه الروح كما " لله روح " و " روح أفواهنا مسيح الرب ". وهو قدوس كما الآب قدوس والابن قدوس. فالتقديس تتقبله الخليقة من خارج، أمّا الروح فالقداسة تملأ طبيعته كلها. لذلك هو لا يتقدس، بل يقدّس. إنه صالح ومستقيم لأنه الحق والعدل بالذات وجوهره لا يتغيّر. هو كعزٍّ كالابن الوحيد. وبالتالي فإنَّ أسماء الآب والابن مشتركة مع الروح. وهو حاصل عليها من شركته معهما في الطبيعة.

49-وأمَّا أعماله فلا يمكن التعبير عن عظمتها وهي لا تعد لكثرتها. فكيف نفهم ما هي قبل الدهور. لأنه كان، وكان قبلاً، وكان حاضراً مع الآب والابن قبل الدهور.والتثبيت يفهم بالعيش مع الله. فمجيء المسيح سبقه الروح، وحلوله بالجسد أيضاً. والروح غير منفصل عنه عند قيامه بالمعجزات ومنح الأشفية التي تمّت بفعل الروح القدس . . .الخ.

50-والروح القدس الذي يشفع علينا ألاّ نحزنه. والروح ليس بعبد فالرب قال: إنَّ العبد لا يعرف ماذا يعمل سيده. والحلال إن الروح يعرف ما في الله كما يعرف الإنسان ما في الإنسان، وبالتالي الروح هو شريك مع الآب والابن وهو سيد، كما أن الآب سيد والابن سيد.

الرأس العشرون

ضد الذين يقولون أن الروح ليس من طبقة عبد أو سيد بل من طبقة الأحرار

51-إن الذين يستعملون أمثلتهم البشرية يدنسون المعتقدات الإلهية، ويحاولون أن يطبّقوا العادة الدارجة عندنا من تمييز طبقي على الطبيعة الإلهية التي يعجز بيانها، غافلين عن أن لا عبودية طبيعية بين البشر. وتعبير كلمة أحرار تطلق على الذين نجوا من الفقر أو من الحرب أو ليسوا بحاجة إلى عناية غيرهم. من هذا نجد أن الروح لا يمكن إطلاق عليه أنه من طبقة الأحرار لأننا نماثله بهذه المراتب البشرية التي هو منزّه عنها. إذا وبما أن الروح لا ملك عليه ولا سلطة ولا يقبل بسلطة ترأسه لأنه ليس هناك من الكائنات له طبيعة مثل هذه، والتفكير بهذا عن الروح كفر واضح، حتى إذا قلنا عنه مخلوق فيكون حتماً عبداً كسائر العبيد، وقد قيل: " إن الجميع عبيد لك". أمّا إذا قلنا أنه فوق الخليقة، فهو شريك في الملك.

الرأس الحادي والعشرون

شهادات من الكتاب المقدس بتسمية الروح ربّاً

52-هناك عدة شهادات في الكتاب المقدس بتسمية الروح ربنا،. القديس بولس الرسول يقول: " إنَّ الرب هو الروح "، وأيضاً " من فضل الرب الروح " وأيضاً "ولكن غُشّي على بصائرهم، فإن ذلك القناع لا يزال إلى اليوم غير مكشوف عندما يُقرأ العهد القديم، ولا ينزعه إلاّ المسيح 000ولا يُنزع هذا القناع إلاّ بعد الاهتداء إلى الرب لأن الرب هو الروح " وأيضاً يقول القديس " إنكم هيكل الله وروح الله ساكن فيكم ".

الرأس الثاني والعشرون

التأكيد على شركة الروح مع الآب والابن لكونه معهما لا يدرك بالمشاهدة

53-ويعرف سمو طبيعة الروح لا من كونه يحمل الأسماء نفسها المنسوبة للآب والابن فحسب ولا أيضاً لأنه شريك معهما في الأعمال، بل لأنه مثلهما غير مدرك بالمشاهدة. فإن ما قاله الرب عن الآب بأنه يفوق التفكير البشري، قاله عن الابن أيضاً، وقال الشيء نفسه عن الروح القدس: " يا أبت العادل، العَالَم لم يعرفك " ، ويقول وبقوله " العالم " لا يعني مجموعة السماء والأرض، بل الحياة الفانية هذه، المعرضة لتغييرات لا تحصى. والكتاب يشهد أن الذين يدرسون الأرضيات ويرتفعون بذواتهم فوقها يستحقون عطية الروح القدس.

الرأس الثالث والعشرون

في أنَّ مجدلة الروح تقوم بتعداد صفاته

54-أما الروح كان يعمل معا في حبقوق وفي دانيال في بابل. وكان مع أرميا في المقطرة  ومع حزقيال في كَبار " لأن روح الرب ملأ المسكونة " فالذي حاضر في كل مكان وحاضر مع الله أفلا نرفعه، أفلا نمجّده؟ وليس لنا أن نمجدّ إلهنا وأبا ربنا يسوع المسيح وابنه الابن الوحيد إلا بأن نسرد على قدر المستطاع معجزات الروح.

الرأس الرابع والعشرون

دحض غرابة من لا يمجدون الروح بالمقابلة مع بعض المخلوقات الممجدة

55-كل إنسان مكلل بالمجد والكرامة، فهل يا ترى ندع الروح وحده بدون تمجيد؟ والقديس بولس الرسول يقول: " تكون خدمة الروح بمجد " كيف إذا لا يستحق الروح ن يمجَّد؟ وصاحب كتاب المزامير " مجد الصديق عظيم "، أفلا يمجد الروح؟ وما الداعي للتفكير بمكان آخر للروح، وترك المكان الذي رتَّبه له الرب، وحرمانه من الاشتراك بالمجد وهو المتحد في كل مكان باللاهوت، في سكنى الأقداس. فلا موهبة البتة تصل إلى الخليقة بدون الروح القدس.

56-والروح بطبيعته صالح كما الآب والابن صالح. أمّا الخليقة فهي شريكة الصلاح. والروح يحي مع الآب. والرب شهد للروح بأنه المحيي.

57-يقولون أن الروح هو عطية من لدن الله. والتكريمات البارة لا ترفع للعطية بل للمعطي. أجل إنَّ الروح عطية الله، ولكنه عطية الحياة. والذين يتفوهون عكس ذلك هم أكثر نكرانا للجميل من اليهود.

الرأس الخامس والعشرون

في أن الكتاب المقدس يستعمل الحرف " في " بدل " مع "، وفي أن لحرفي الواو ومع معنىً متساوياً

58-إن حرف " في "إذا أخذناه بمعناه الصحيح فهو يرفع الأفكار إلى أوج العلى. وهناك الكثير من العبارات التي يمكن استخدام فيها الحرفين في نفس الوقت، ولكن فإنني لم أصادف قط عبارة تقول " لك الإكرام والمجد أيها الآب بابنك الوحيد في الروح ".ولكن إذا قال الرب: " الآب والابن والروح القدس " وقلت أنا: " الآب والابن مع الروح القدس " هل أكون قد قلت شيئاً مخالفا للمعنى؟وهناك شواهد كثيرة تظهر ارتباط الكلمات بحرف العطف " الواو ": نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله الآب وشركة الروح القدس ". وأنا لا أرى مانعا من استعمال حرف " مع " بدلا من حرف العطف " واو " ولكن إذ كان هناك فرق بين الاثنين في القواعد الصرفية والتي قد تقول بأن الواو أكثر لحمة من "  مع " فهنا يكون حديث آخر.

60-وبالنسبة إلى حرف " في " فعلى الأغلب الفرق هو هذا: إن الحرف " مع " يدل على الاتحاد المتبادل بين المشتركين كالمبحرين معا أو الساكنين معاً أو المشتركين في أي عمل كان. أما الحرف " في " فيدل لعلى حالة ما فيه يوجد العاملون. ولكنن عل الرغم من ميزة هذا الحرف، إذا كان هناك من يحب، في المجادلات، أن يربط الكلمات بحرف الواو ويمجد الآب والابن والروح القدس كما تعلمنا عن المعمودية في الأناجيل، فليفعل وليس مَنْ يعترض.

الرأس السادس والعشرون

في أن حرف " في كيفما استعمل يناسب الروح

61-إن للحرف " في "، على الرغم من بساطته وسعة لفظه، معاني كثيرة ومتنوعة. فالروح في الكائنات العاقلة بمثابة الصورة في المادة والقوة في قاعدتها والحالة في ما هي عليه مثبتة. فكما هي قوة النظر في العين السليمة تكون قوة الروح الفاعلة في النفس النقية. وبالتالي الرف " في " له معناه الملائم في أماكن متعددة.

62-وإذا قلنا أن الروح هو مقر القديسين فهذا لا يحط من معانيه وينزله إلى المرتبة المكانية المحصورة، ولكن نقوم بإبدال التعابير الروحية بأخرى محسوسة وذلك لإيضاح المعنى.

63-التعبير " كان مع " يقال حقاً وحقيقة عن المتحدين الواحد مع الآخر بلا انفصال. والتعبير  الأفضل يكون بة " مع "، لأن هذا الحرف يوحي فكرة الشركة بلا انفصال. ولكن حيث نعمة الروح القدس هي عرضة للاستمرار والضياع، فاستعمال " في " هو الاستعمال الخاص والحقيقي. أما قدرتنا فهي في الروح القدس، الذي فيه نتقوّى فنتمم الشكر لألهنا عن كل ما أحسن به علينا.

64-والمفهم الثاني الذي لا يردّ أنه كما يُرى الآب في الابن كذلك يُرى الابن في الروح. إذن يعني السجود في الروح أن فعل ذهننا يصير كأنه في نور ونعرف ذلك مما قيل للسامرية التي أرشدها ربنا قائلاً " يجب أن نسجد في الروح والحق ". إذن إذا قلنا أن السجود في الابن، فعلى أنه صورة الله الآب، كذلك أيضاً السجود في الروح، على أنه في ذاته يظهر لاهوت الرب. ولذلك في السجود لا ينفصل الروح القدس عن الآب والابن. والذي يتطلع إلى الصورة لا يمكنه فصل النور عن الصورة، لأن ما يسبب الرؤية ضروري جمعه في الرؤية مع المرئيات.

الرأس السابع والعشرون

ما أصل استعمال حرف " مع "، وما هو معناه، وما هي الشرائع غير المكتوبة عنه

65-يتساءلون عن الحرف " مع " ولماذا استعمل على الرغم من الحرف " في " يلائم المعنى.

66-إن العقائد والتعاليم المحفوظة في الكنيسة، منها ما حصلنا عليه من التعليم الكتابي، ومنها ما تقبّلناه في سرّ مسلّماً لنا من تقليد الرسل. وللاثنين نفس الفاعلية بالنظر إلى التقوى. والتعليم المحجوب عن الشعب والذي لا يقال والذي حفظه آباؤنا في صمت يدعو إلى الهدوء والاطمئنان، مدركين جيداً أنهم بصمتهم يحفظون هيبة الأسرار. والذي لا يجوز كشفه لغي المتدربين، كيف يُعقل أن يذاع تعليمه في الكتابة؟ وقد شرّع الرسل والآباء منذ البدء لكل ما يختص بالكنائس، ففي الخفاء والصمت حفظوا للأسرار هيبتها، حتى لا يصل إلى مسامع العامة سوى السر. وهذا ما جعل التقليد غير المكتوب، ذلك لئلا تترك معرفة العقائد عرضة لاحتقار الكثيرين بسبب العادة. فالعقيدة غير التعليم. هي يصمت عنها، أما التعليم فينشر.

67-وإذا كان من تقليد المعمودية كنتيجة منطقية للتقوى، فليسمح لنا هؤلاء، عملاً بالمنطق، أن رفع المجد المطابق لإيماننا. أمّا إذا رفضوا لنا طريقنا في المجيد، على أنها غير مكتوبة، فليبرزوا لنا هم ما كتب عن الاعتراض بالإيمان وسائر الأشياء المعروفة لدينا.

68-والخلاف بين الحرفين لا يجعلهما تتحاربان، لكن كلاّ منهما يحمل إلى الذهن نصيبه من المعنى في صالح التقوى. فالحرف " في " يدل بالأكثرية على ما هو متعلق بنا. أمَّا " مع " فيشهر شركة الروح بالله والثانية لنّعلم نعمته علينا. وهكذا نرفع المجد لله في الروح ومع الروح. والرسول نفسه يثبت لنا قولنا باستعمال الحرفين دون ما تمييز فيقول تارة: " باسم الرب يسوع المسيح وفي روح إلهنا ". وأيضاً: " أن تجتمعوا أنتم وروحي مع قوة ربنا يسوع " فالرسول إذن لا يرى فرقاً في جميع الكلمات بهذا أو ذاك من الحرفين.

الرأس الثامن والعشرون

في أن ما يقوله الكتاب المقدس عن بعض الناس أنهم يملكون مع المسيح، لا يقبل المضادين بقوله عن الروح

69-وآبائنا كان لهم نصيبهم الأوفر في الملائمة. فهم وضعوا رجائهم على الرب فبالتالي حياتهم تختبئ مع المسيح في الله ن وعند إعلان المسيح،يعلن أيضاً معه في المجد. وروح الحياة نفسه الذي حررنا من شريعة الخطيئة، أفلا يكون أبداً مع المسيح، ولو منسيّاً ومختبئاً معه في الحياة؟ وهل نكون نحن ورثة الله  وشركاء في الميراث مع المسيح، والروح لا ميراث له ولا نصيب في شركة الله ومسحه؟ والروح نفسه يشهد لروحنا بأننا أبناء الله.

70-هل يجوز القول أنك ترجو أن تتمجد مع المسيح، ونحن إذا تأملنا معه نتمجد معه. أمّا روح القداسة فلا تمجده مع المسيح لأن ليس له أن يساويك في الكرامة. وأنت تأمل أن تملك معه، وتهين روح النعمة بجعله برتبة عبد وخادم. نحن نؤمن بالروح ونلقبه بمبدأ حياتنا، ونحتقره كمساو لنا في العبودية. لقد اقتبلناه مع الآب والابن، ونزدريه كجزء من الخليقة. هل هذا قول سليم إلى أننا لا نملك مع الروح القدس.

الرأس التاسع والعشرون

تعداد الرجال اللامعين في الكنيسة الذين استعملوا في كتاباتهم لفظة " مع "

71-إن لا شهادة ولا كتابة تثبت وجود المجدلة بإضافة " مع الروح ". ولكن إذا تفحصنا الرجال الأقدمين المغبوطين قد نستعمل هذه الكلمات، وأجد كثيرين ممن أحرزوا بقدميتهم الثقة بصحة إيمانهم وبتضلعهم في المعرفة. وانهم في ربطهم الكلمات في المجدلة، منهم من استعملوا " الواو " ومنهم " مع "، دون أي اكتراث منهم لفرق بينهما من شأنه أن يعتبروه حافزاً لاستقامة التقوى.

72-وأشهرهم إيريناوس وأقليمس الروماني وديونيسيوس الروماني وديونيسيوس الإسكندري. وهذا في رسالته الثانية إلى سميّه حول " الاعتراض والدفاع " يقول: " وأخيراً والآن نختم ما كتبناه وله الآب والابن ربنا يسوع المسيح مع الروح القدس المجد والقدرة إلى دهر الدهور آمين ". ولكن أقليمس قال بأسلوب الأقدمين: " عاش الله والرب يسوع المسيح والروح القدس ". وإيريناوس قال: " لكي لا نكون محرومين من الروح فنخسر ملكوت السماوات ". أما أوسابيوس الفلسطيني قال: إننا نستدعي الله القدوس المؤتي النور للأنبياء، بمخلصنا يسوع المسيح مع الروح القدس ".

73-حتى أوريجينيس، يرفع المجد مع الروح القدس وهو رجل لم تكن كل آرائه عن الروح القدس سليمة تماماً. وهكذا فكثيراً ما تدفع قوة التقليد الرجال  إلى قول ما يناقض اعتقاداتهم الخاصة. وكاتب التاريخ يوليوس الأفريقي قال: " . . . مخلص الكل ربّنا يسوع المسيح الذي له المجد والتعظيم مع الروح القدس إلى الدهور آمين ".

74-وغرغوريوس الكبير الذي كان لمطالعته مع الروح، كان يملك قوة تخفيف الشياطين. وأحد متروكاته كان نوعا من المجدلة التي يقوم الجدال حولها الآن. وغيرهم من المؤمنين الذين ثبّتوا هذا الإيمان، وهم من كل مكان في هذا العالم.

75-فهل يمكن أن يكون ما أقوله هو تجديد، وقد أظهرت من الذين قبلي أظهروا استعمالهم لهذه اللفظة. ولكن بما أنني مدعوا من أجل احتمال الآلام لأجل الإيمان ليسطع السيف، ولتتهيأ أدوات التعذيب. أنا لا أخاف من شيء أكثر أن لا أخاف التهديدات التي أنذر بها الرب ضد المجّدفين على الروح.

الرأس الثلاثون

عرض لحالة الكنائس في الوقت الحاضر

76-إنها لحرب صعبة تدور بين الجميع، فلبعض يركض نحو السلطة والبعض يحاول اللجوء إلى أسهل درب يسلكه فيتخلى عن كل ما مؤمن به لكي يخلص جسده من الآلام الأرضية.

77-والانشقاق الذي ولّده آريوس أدى إلى سلخ كنيسة الله فريقا معاديا لها لينتصب هو وحده ضدها في صفوف من المقاتلين. وقد خيم البغض القتّال في الجميع. وتزعزعت حصون العقائد.

78-لقد ساءت الحالة الآن بين المؤمنين، لأن المحبة قد بردت في كل مكان، وزال الوفاق الأخوي حتى أصبح اسم الاتفاق مجهولاً. فاشر تأصل فينا حتى غدونا شراً.

79-لقد وضعنا رجاءنا في نصرة الروح، فأعلنا الحقيقة بكامل الصراحة. وسوف نحارب كل محاربي الروح لأن إلى جانبنا كذا رفيق سلاح ومحام.

 


يمكنك متابعة أية ردود على هذه التدوينة عن طريق RSS 2.0 . يمكنك ترك رد، أو تنبيه من موقعك الخاص.


أضف تعليقك

يجب عليك أن تقوم بتسجيل الدخول من أجل إضافة تعليق.